الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ في عددِ الجنات وأنواعها
تقدم أنَّ الجنَّةَ اسمٌ شامل لجميعِ ما حوته من البساتين والمساكن والقصور، وهي مع ذلك جنات كثيرة جدًا كما روى البخاريُّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ أُمِّ الرّبيع بنت البراء وهي أمُّ حارثة بن سراقة رضي الله عنهم أتتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي اللهِ ألَا تحدثني عَن حارثة؟ -وكان قُتل يوم بدرٍ، أصابَه سهمٌ غَرْب- فإن كان في الجنةِ صبرتُ، وإن كانَ غَيرَ ذلك اجتهدتُ عليه في البكاءِ. قال:"يا أُمِّ حارثةَ إنهَا جناتْ وإن ابنكِ أصابَ الفردوسَ الأعلى"(1).
وأخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنةِ عدن"(2)(3).
وقال القرطبي في التذكرة (4): قيل: الجنات سبع: دار الجلال، ودار السَّلام، ودار الخلد، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة نعيم،
(1) رواه البُخاريّ (2890)، أحمد 3/ 260، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" 9/ 167.
(2)
رواه البُخاريّ (4878)، ومسلم (180).
(3)
"حادي الأرواح" 148 - 149.
(4)
"التذكرة" ص 175.
والفردوس وزادَ بعضُهم عليين في حديث البراء مرفوعًا: "إن عليين تحت العرشِ" وقد قالَ تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: 46] فذكرهما ثم قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62)} [الرحمن: 62] فهذه أربعٌ واختلفَ في قوله: {وَمِنْ دُونِهِمَا} فقيل: فوقهما وقيل: تحتهما. وظاهر كلام المحقق اعتماد الثَّاني واستدلَّ له بعشرة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48)} [الرحمن: 48] أي: أغصان أو أفنان شيء من الفواكه وغيرها ولم يذكرْ ذلك في اللتين بعدهما.
الثَّاني: قوله: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50)} [الرحمن: 50] وفي الأخرتين {عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66] والنضاخةُ هي: الفوارة، والجاريةُ: السَّارحة الفوارة وهي أحسنُ من الفوارةِ فإنَّها تتضمنُ الفورانَ والجريان.
الثالث: قوله تعالى: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)} [الرحمن: 52] وفي الأخرتين {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) ولا ريب أن وصفَ الأولتين أكملُ فقيل: الزوجان الرطب واليابس الذي لا يقصر في فضلهِ وجودته عن الرّطبِ. وقيل: صنفٌ معروف وصنف من شكله غريب، وقيل: الحلو والحامض والأبيض والأحمر.
قال المحقق: وفيه أنهم قالوا: ليس في الجنةِ حامضٌ لأنَّه إنَّما تطلبه الأنفسُ السقيمة ولا سقمَ في الجنَّةِ والله أعلم.
الرابع: أنَّه قال: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: 54] وهذا تنبيه على فضلها وخطرها في الأخرتين قال: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76)} [الرحمن: 76] وفسر الرفرفَ بالمجالسةِ والبسط، وفسر بالفرش بالمجالس فوقها، وعلى كلِّ قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأولتين.
الخامس: أَنَّه قال: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54] أي: قريب سهل يتناولونه كيف شاءوا ولم يذكرْ ذلك في الأخرتين.
السادس: أَنَّه قال: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [الرحمن: 56] أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم كرضاهن بهم ومحبتهن لهم وذلك فيضمن قصرهن لطرف أزواجهن عليهن فلا يدعهم حسنهن أن ينظروا إلى غيرهن. وقال في الأخرتين: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)} [الرحمن: 72] ومن قصر طرفها على زوجها باختيارها، أكمل ممن قصرت بغيرها.
السابع: أَنَّه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحسنه، ولم يذكرْ ذلك في التي بعدها.
الثامن: أَنَّه سبحانه قال في الأولتين: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)} [الرحمن: 60] وهذا يقتضي أن أصحابها مِنْ أهلِ الإحسانِ المطلق الكامل فكان جزاءهم بإحسان كامل.
التاسع: أَنَّه بدَأ بوصفِ الجنتين الأولتين، وجعلهما جزاءً لمَن خافَ مقامَ ربِّه، وهذا يدل على أنَّها أعلى جزاء الخائف لمقامه، ورتب
الجزاءَ المذكور على الخوفِ ترتيب مسبب على سبب.
ولما كان الخائفون نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين ثمَّ ذكر جنتي أصحاب اليمين.
العاشر: أَنَّهُ قَالَ: {وَمِنْ دُونِهِمَا} [الرحمن: 62] والسياق يدُلُّ على أَنَّه يقتضي فوق، كما قَالَ الجوهريُّ. انتهى كلامُه مختصرًا ملخصًا (1).
قُلْت: وَيدلُ لما قَالَ: قَولُ ابن زيدٍ: هي يعني: الدار الآخرة أربع:
جنتان للمقربين السابقين {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)} [الرحمن: 52] وجنتان لأصحابِ اليمينِ التّابعين.
وأخرج البيهقيُّ عَن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: "كان عرشُ الرحمن عز وجل على الماءِ، ثُمَّ اتخذ لنفسِهِ جنةً ثمَّ اتخذ دونها أخرى ثُمَّ أطبقهما بلؤلؤة واحدة"(2) فإن قِيل: كيف انقسمت هذه الجناتُ الأربع على مَنْ خَافَ مقامَ ربِهِ. فالجوابُ: أَنَّه لما كان الخائفون نوعين مقربين وأصحاب يمين ذكر جنتي المقربين، ثُمَّ ذكر جنتي أصحاب يمين. فالمقربون لهم الجنتان العاليتان واللتان دونهما للذين دونهم وهم أصحاب اليمين. جعلنا اللهُ مِنْ عباده المقربين ومن حِزْبِه المفلحين.
(1)"حادي الأرواح" 149 - 151.
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 475، والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 116.
فإن قِيلَ: هل الجنتان لمجموع الخائفين أم لكلّ واحدٍ جنتان وهما البستانان. فالجوابُ: أَنَّ للمفسرين في هذا قولين وظاهر كلام المحقق ترجيح الثَّاني وذكر لترجيحه وجهين:
أحدُهُمَا: مِنْ جِهة النقل وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "هما بستانان في رياضِ الجنةِ"(1).
والثَّاني: مِنْ جهةِ المعنى هو أَنَّ أحد الجنتين جزاء أَداء الأوامر والثانية جزاء اجتناب المحارم (2).
(1) رواه الذهبي في "ميزان الاعتدال" 2/ 288 ترجمة: الحسين بن داود أبو على البلخي وقال الخطيب: ليس بثقة، حديثه موضوع.
(2)
"حادي الأرواح" ص 151.