الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقلت له: يا غلام الأمر أسهل مما تظن، فقال: هذا من فتن البطالين هبه، تجاوز عني وعفا أين آثار الإخلاص والصفاء، ثم صاح صيحة سقط ميتًا فخرجت عجوز من كهف جبلٍ عليها ثياب رثة، فقالت: من أعان على قتل البائس الحيران، فقلت: يا أمةَ اللَّه دعوتُه إلى الرجاء، قالت: دعوته إلى ذلك فقال: الرجاء بلا صفاء شرك قلتُ: من أنتِ منه؟ قالت: والدتُه، قلتُ: أقيمُ عندِك أعاونكِ عليه، فقالتْ: خلّه ذليلا بين يدي قاتلَه (1)، عساه يراه بغيرِ معينٍ فيرحمهُ. فلم أدرِ مما ذا أعجبُ من صدقِ الغلام في خوفه أو من قول العجوز وحسن صدقها.
فصل في ذكر دخان جهنم وشررها ولهبها
قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)} [الواقعة: 41 - 44] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ظل من دخان، وكذا قال مجاهد وعكرمة وغيرهم (2)، وقال الحسن في قوله تعالى:{لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)} لا بارد المدخل ولا كريم المنظر، والسموم هو الريح الحارة قاله قتادة وغيره (3).
(1) العبارة فيها معنى غير مقصود، والصحيح الذي تدل له السنة الصحيحة غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه.
(2)
"تفسير الطبري" 11/ 646 - 647.
(3)
"تفسير الطبري" 11/ 648.
وهذه الآية تضمن ذكر ما يستبرد به في الدنيا من الكرب والحر وهو ثلاثة: الماء، والهواء، والظل، فهواء جهنم السموم الشديدة الحر، وماؤها الحميم، وهو الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم وهو قطع دخانها، أجارنا الله تعالى من ذلك كله بمنه وكرمه وفضله (1).
وقال البغوي: (2){وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43)} من دخان شديد السواد تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.
قال الضحاك: (3) النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.
وقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار، قلت: والأوّل وهو أنه الدخان الأسود أظهر واللَّه أعلم.
وقال تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30)} [المرسلات: 30] قال مجاهد (4): هو دخان جهنم اللهب الأخضر والأسود والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت، وقال السدي في قوله:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)} [المرسلات: 32] قال: زعموا أن شررها الذي يرمي به كأصول الشجر ثم يرتفع فيمتد.
وقال القرطبي: على جهنم سور فما خرج من وراء سورها يخرج
(1)"التخويف من النار" ص 108.
(2)
في "معالم التنزيل" 8/ 18.
(3)
"تفسير الطبري" 8/ 219 (23044).
(4)
"تفسير الطبري" 12/ 387 (35961).
منها في عظم القصور ولون القار.
وقال الضحاك والحسن: في قوله: {كَالْقَصْرِ} هو أصول الشجر العظام ومجاهد قطع الشجر والجبل، وصح عن ابن مسعود قال: سور كالقصور والمدائن، وابن عباس: شرر كالقصر العظيم (1).
وفي "صحيح البخاري"(2) عنه: كنا نرفع من الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل نرفعه للشتاء نسميه القصر. وقوله: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)} [المرسلات: 33] قال ابن عباس: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض يكون كأوساط الرجال، وقال مجاهد: حبال الجسور (3).
وقالت طائفة: بل هي الإبل، منهم الحسن وقتادة والضحاك وقالوا:{جِمَالَتٌ صُفْرٌ} هي السود، عن ابن عباس:(4){جِمَالَتٌ صُفْرٌ} قطع النحاس (5)، وأخرج البيهقي بإسناد لا بأس به عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)} قال أما إني لست أقول كالشجر ولكن كالحصون والمدائن.
وقال تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)} [الرحمن: 35] قال ابن عباس: {شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} ، يقول: لهب النار ونحاس،
(1)"تفسير الطبري" 12/ 388 - 389، "تفسير الماوردي" 6/ 180.
(2)
برقم (4932) كتاب: التفسير، باب: قوله: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} .
(3)
"تفسير الطبري" 12/ 390.
(4)
"تفسير الطبري" 12/ 389 - 390، "تفسير ابن كثير" 14/ 223 - 224.
(5)
"تفسير الطبري" 12/ 391 (35991).
يقول: دخان النار (1).
وقال سعيد بن جبير وغيره: النحاس: لهيب، والشواظ: الدخان (2).
وقال مجاهد: الشواظ اللهب الأخضر المنقطع (3).
وأخرج الترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع غبارٌ في سبيل اللَّه ودخان جهنم في جوف امرئ أبدا"(4).
وخرَّج الإمام أحمد عن أبي الدرداء مرفوعًا (5) نحوه واللَّه أعلم (6).
(1)"تفسير الطبري" 11/ 596 - 597 (33027، 33040)، "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3325 (18739).
(2)
"زاد المسير" 8/ 116.
(3)
"تفسير الطبري" 11/ 596 (33030 - 33032).
(4)
رواه أحمد 2/ 505، وابن ماجه (2774)، والترمذي (1633) و (2311)، والنسائي 6/ 12 وهو حديث حسن.
(5)
رواه أحمد 6/ 443 ويشهد لَهُ ما قبله.
(6)
"التخويف من النار" 108 - 110.