الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
وقد اتخذ اللهُ سبحانه وتعالى من الجنات دارًا أَصْفَاهَا لنفسه واختصَّها بالقربِ مِنْ عرشِهِ وغرسها بيده فهي سيدة الجنان. والله سبحانه يختارُ منْ كلِّ نوعٍ أعلاه وأفضله كما اختار مِنَ الملائكةِ (1) جبريل، ومن البشرِ محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومِنَ السماواتِ العليا، ومن البلادِ مكّة، ومن الأشهر الأشهر الحرم، ومن الليالي ليلة القدر، ومِنَ الأيَّامِ يوم الجمعة، ومن الليل وسطه، ومن الأوقات أوقات الصلوات، إلى غير ذلك. ذكره في حادي الأرواح (2) وأشَارَ إليه في أولِ الهدى. وذكرته مطولاً في رسالتي اللمعة في فضل الجمعةِ.
وَأخرج الحسن بن سُفْيان عَنْ أَنس مرفوعًا: "إنَّ الله بنى الفردوس بيده وحظرها على كلِّ مشرك، وكل مدمن الخمر سكير"(3).
(1) وجد في هامش (ط):
قوله: ومِنَ الملائكة جبريل هذا يشعر بأن جبريل أفضل الملائكة. وهو اختيارُ جماعةٍ. وظاهر كلام المحقق ابن القيِّم بل صريحه أَنَّه أفضل الملائكة كما فهم مِن كلامِهِ في حَادي الأرواح والهدى وإغاثة اللهفان وغيرها مِنْ كتبه. والمشهور أن أفضل الملائكةِ إسرافيل لأنَّه أقرب الملائكة إلى اللهِ وهُوَ الذي يبلغ جبريل بما يأمر به اللهُ وينهى ويقضي كما ثبت ذَلِكَ في الأحاديث والحاصل الصَّحيح المشهور أَنَّ إسرافيل أفضل الملائكةِ واللهُ سبحانَه أعلى.
(2)
"حادي الأرواح" ص 152.
(3)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 11 (5590).
وأَخرج الدارمي والنجاد وغيرهما عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ مرفوعًا: "خلق اللهُ تبارك وتعالى ثلاثةَ أشياء بيده: خلقَ آدمَ بيده وكَتَبَ التوراةَ بيدِهِ وغرَسَ الفردوسَ بيدِهِ ثُمَّ قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مِدْمُنُ خمر ولا الدَّيوث"(كذا هو بتنكير خمرٍ وتعريف الديوثِ) قالوا: يا رسول الله قَدْ عَرفنا مدمن الخمر فما الدَّيوث؟ قال: "الذي يُقِرُّ السوءَ في أهلِهِ"(1).
قال المحقق (2): قلت: المحفوظ أنه موقوف ثم ذكر من طريق الدارمي عن ابن عمر موقوفًا (3): خلق اللهُ أربعةَ أشياء بيدِهِ: العرشَ والقلمَ وعدنَ وآدمَ.
وأخرج أبو الشيخ عَن شمر بن عطية قَالَ: خلق اللهُ جنةَ الفردوس بيده فهو يفتحها كل يوم خميس فيقول: إزدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي (4).
(1) رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(426، 427)، وأبو الشيخ في "العظمة"(1017)، والبيهقي في "الصفات"(692). وأبي نعيم في "صفة الجنة"(23) مختصرًا.
(2)
في "حادي الأرواح"(73 - 74).
(3)
انظر "الرد على بشر المريسي"(35)، "الأسماء والصفات" للبيهقي (403)، والحاكم (2/ 319).
(4)
ذكره ابن القيم في "حادي الأرواح"(74) ونسبه لأبي الشيخ، وأبو نعيم في "صفة الجنة"(181) بسند منقطع وهو حسن، انظر ص 1002.
وأخرج البيهقي عن أبي سعيدٍ (1) رضي الله عنه مرفوعًا: "إنَّ اللهَ أحاطَ حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسَ غرسَها بيده وقال لها: تكلمي، فقالتْ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} [المؤمنون: 1]، فقال: طوبى لك منزل الملوك" فإن قلت: علم من هذه الآثار أنَّ الله خلقَ عدنَ والفردوسَ والعرشَ والقلمَ وآدمَ بيده وكتبَ التوراةَ بيده وفيها لَم يخلقْ اللهُ بيده إلَاّ ثلاثة: آدم وكتبَ التوراةَ وغرسَ جنَّةَ عدنٍ (2) وفيها القصرُ على أربعةٍ: العرش والقلم وعدن وآدم فما وجه الجمع؟ فالجواب واللهَ أعلم ليس الحصر على بابه بل عبرَ أولاً بما ذكر ثم أعلمنا بأنَّه خلق أشياءَ أُخر.
إما أنَّه تعالى أعلَمَه بذلك بعد أن أعلمه بالأول وإما أنَّه ذكر الأول لمناسبةٍ اقتضتْ ذلك، كما تقول: ليس في الدار إلا زيد وإن كان فيها غيره وأردت أنَّ الذي ينبغي أن ينوه بذكره إنما هو زيد هذا ما ظهر لي وفيه نظر والله أعلمَ.
وفي صحيح مسلم، عن المغيرة بن شعبةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "سَألَ موسى ربَّه: ما أدنى أهل الجنَّةِ مَنزلة؟ قال: رجلٌ يجيء بعدما
(1)"صفة الجنة" لأبي نعيم (237)، وجاء من رواية ابن عباس عند أبي نعيم في "صفة الجنة"(16)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(403)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 392)، وأنس عند أبي نعيم في "صفة الجنة"(17)، وانظر ص 996.
(2)
جاء في هامش الأصل: غير واحد تعرض لهذا الإشكال وهو وارد ولعل سكوتهم عن التوفيق له يقتضي ما اختاره المحقق أن عدن اسم لمجموع الجنَّة وأن المراد غرس جميع ثمار الجنَّة فليتأمل ذَلِكَ وليحرر. والله أعلم. مؤلف.
دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ فيقال له: أدخلْ الجنَّة فيقول: رب كيف وقد نزلَ الناسُ منازلَهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أنَّ يكون لك مثل ملكٍ من ملوك الدُّنيا؟ فيقول: رضيتُ رب فيقول له: لك ذلك ومثلُه ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسةِ: رضيتُ رب.
قال: رب فأعلاهم منزلةً؟ دآل: أولئك الذين أردتُ غرستُ كرامتهم بيدي وختمتُ عليها فلم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على قلب بشرٍ". ومصداقه من كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17](1).
(1) رواه مسلم (189)، انظر ص 1067 ت (1).