الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث في درجات الجنةِ وأعلاها وما أسم ملكاً الجنَّة
قال الله تعالى {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)} [النساء: 95، 96].
قال ابن محيريز: هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين عاماً. وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] وقال بعضهم: أفضل من بعض فيرى الذي عقد فضل به فضله ولا يرى الذي أسفل منه أنَّه فضل عليه أحد من النَّاس قلت: وهذا من تمام نعم الله على عبده لأنَّ الأنفسَ مطبوعة على التألم بمشاهدة من هو فوقها إلَّا من وفقه الله وهنا نكتة عن لي أن انتبه عليها وهي أن العاقل ينبغي له أن يتألم بسبق غيره له في الطاعات ووجوه الخير فيبادر إلى فعل مثل ما فعل ذلك المبادر فيحصل له من المزية مثل ما حصل لذلك وما أحسن قول من قال:
إذا أعجبتك خلالا منه
…
فكنه تكن مثل من يعجبك
فليس على الجود والمكرمات
…
إذا جئتها حاجب يحجبك
والله الموفق.
قال "المحقق" في قوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} الآيتين أوقع التفضل أولاً بدرجة ثم أوقعه ثانيًا بدرجات فقيل: الأوَّل بين القاعد المعذور والمجاهد. والثَّاني: بين القاعد بلا عذر والمجاهد
وقال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)} [آل عمران: 163] وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)} [الأنفال: 3، 4].
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنَّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى والذي نفسي بيده رجالاً آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"(1).
ولفظ البُخاريّ في "الأفق" وهو أبين قال في "حادي الأرواح": الغابر هو: الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكوكب - المسامت للرأس وهو أعلى.
فائدتان أحدهما: بُعدهِ عن العيونِ. والثانية: أنَّ الجنَّةَ درجات بعضها فوقَ بعض وأعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأسِ الجبلِ إلى ذيله. انتهى.
وأخرج الشيخان عن سهلَ بن سعد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن
(1) رواه البُخاريّ (3256) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنَّة وأنها مخلوقة. ومسلم (2831) كتاب: الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ترائي أهل الجنَّة أهل الغرف. وابن حبان (7393) كتاب: إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصّحابة، باب: وصف الجنَّة وأهلها.
أهل الجنَّةِ ليتراءون الغرفة كما تراءون الكوكب في أفق السماء" (1) وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أن أهل الجنَّة ليتراءون في الجنَّة كما تَراءون أو ترون الكوكب الدُّري الغارب في الأفقِ الطالعِ في تفاضلِ الدرجاتِ" قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قالوا: "بلى، والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا باللهِ وصدَّقوا المرسلينَ" (2).
قال في "حادي الأرواح": ورجال هذا الإسناد احتج بهم البُخاريّ في صحيحه وفي هذا الحديث: "الغارب" وفي حديث أبي سعيد: "الغابر" وقوله: "الطالع" صفة للكوكب وصفه بكونه غاربًا وبكونه طالعًا.
وقد خرج هذا المعنى في الحديث الذي رواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنَّة ليتراءون في الغرق كما يرى الكوكبُ الشرقي والكوكبُ الغربي في الأفق في تفاضلِ الدرجاتِ" قالوا: يا رسول الله أولئك
(1) رواه البُخاريّ (6555) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنَّة والنَّار ومسلم (2830) كتاب: الجنَّة ونعيمها، باب: ترائي أهل الجنَّة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء وأحمد 5/ 340. والدارمي (2872) باب: في غرف الجنة.
وابن حبان 1/ 439 (209) كتاب: الإيمان، باب: فرض الإيمان.
(2)
رواه التِّرمذيُّ (2556) كتاب: صفة الجنَّة، باب: ما جاء في ترائي أهل الجنَّة في الغرف. وأحمد 2/ 335، 339. وابن خزيمة في "التوحيد" 2/ 907 (620).
النبيون قال: "بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين"(1). قال وهذا على شرط البُخاريّ أيضاً.
وفي المسند عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المتحابين لتُرى غرفهم في الجنَّة كالكوكب الطالِع الشرقي والغربي فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل"(2).
وفي المسند من حديث أبي سعيد أيضاً عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الجنَّةَ مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم"(3) وفيه عنه أيضاً عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنَّة: إقرأ واصعد. فيقرأ ويصعدُ بكلِّ آية درجة حتَّى يقرأ آخر شيء معه"(4).
قال المحقق: وهذا صريح في أنَّ درجَ الجنَّةِ تزيد على مائة.
وأمَّا حديث البُخاريّ عن أبي هريرة مرفوعًا: "أن الجنَّة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنَّه وسط الجنَّة وأعلى الجنَّةِ وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنَّة"(5).
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد" زوائد نعيم (418).
(2)
رواه أحمد 3/ 87 وفيه انقطاع.
(3)
رواه أحمد 3/ 29. والترمذي (2532) كتاب: صفة الجنَّة، باب: في صفة نساء أهل الجنَّة. والبيهقيّ في "البعث والنشور"(262).
(4)
رواه أحمد 3/ 400. وابن ماجة (3780) كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن. وأبو يعلى 2/ 346 (1094).
(5)
انظر ت (1) ص 968.
فالجواب عنه: أنَّه يحتمل أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج أو تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج دونها.
قلت: والثَّاني أوجه؛ لأنَّ لفظ حديث البُخاريّ معرفة الطرفين فيفيد الحصر على رأي البيانيين، وأن استوجه المحقق الأوَّل، واستدل له بما خرجه التِّرمذيُّ عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "من صَلَّى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًا على الله أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه". قلت: يا رسول الله ألا أخرج فأؤذن النَّاس؟ قال: "ذر النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مائة درجة بين كل درجتين منهما مثل ما بين السماء والأرض، وأعلى درجة منها الفردوس، وعليها يكون العرش، وهي أوسط شيء في الجنَّة، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس"(1) فرواه بلفظة "في".
وأخرج أيضاً عن عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: "في الجنَّة مائة درجة"(2) فذكر نحوه وعنده أيضاً عن أبي هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "في الجنَّة مائة درجة"(3) وذكر نحوه وقال حديث حسن غريب، وفيه عن أبي سعيد مرفوعًا "أن في الجنَّة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في
(1) رواه أحمد 5/ 232. والترمذي (2530) كتاب: صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنَّة. وابن ماجة (4331) كتاب: الزهد، باب: صفة الجنَّة.
(2)
رواه أحمد 5/ 316، 321. والترمذي (2531) كتاب: صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنَّة.
(3)
رواه التِّرمذيُّ (2529) كتاب: صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنَّة.
إحداهن لوسعتهم" (1) ورواه الإمام أحمد بدون لفظة "في" كما تقدم فرويت هذه الأحاديث بلفظة في وبدونها. فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجتها وإن كان المحفوظ سقوطها الكبار المتضمنة للدرج الصغار، ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطء، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا تقريبًا للإفهام يدل له حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعدهما بين السماء والأرض" قلت: يا رسول الله: لمن، قال:"للمجاهدين في سبيل الله"(2).
(1) رواه التِّرمذيُّ (2532) كتاب: صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنَّة. وأحمد 3/ 29. وأبو يعلى 2/ 530 (1398).
(2)
انظر ت (1) ص 967.