المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الشيطان" (1) أي يكون نصفه في الشمس، ونصفه في الظل، - البحور الزاخرة في علوم الآخرة - جـ ٣

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الكتاب الرابع في ذكر الجنَّة وصفاتها، وذكر نعيمها ولذاتها

- ‌الباب الأول في ذكر أبوابها وما يتعلق بذلك

- ‌فصل في مفتاح الجنَّة

- ‌الباب الثَّاني في مكان الجنَّة ومنشورها وتوقيعها وتوحد طريقها

- ‌فصل

- ‌فصل في توحيد طريق الجنَّة

- ‌الباب الثالث في درجات الجنةِ وأعلاها وما أسم ملكاً الجنَّة

- ‌فصل

- ‌الباب الرابع في عرض الرب الجنَّة على العباد، وعدد الجنان، وأسمائها، وذكر السابقين إليها وإن كثر أهلها

- ‌فصل

- ‌فصل في أسماءِ الجنَّةِ ومعانيها واشتقاقها

- ‌فصلٌ في عددِ الجنات وأنواعها

- ‌فَصْلٌ

- ‌فصلٌ في ذكر أوَّل من يقرع بابَ الجنَّةِ

- ‌فصل

- ‌فصل وتقدم أنَّ الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنةِ بخمسمائة عام

- ‌فصل في أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم

- ‌فصل في أنَّ أكثر أهل الجنة هذه الأمّة المطهرة

- ‌الباب الخامس في تربة الجنة ونورها وغرفها وقصورها وخيامها وما يلحق بذلك

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب السادس في صفة أهل الجنة وأعلاهم وأدناهم منزلة وتحفتهم إذا دخولها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثامن في ذكر أنهار الجنَّة وعيونها، وطعام أهلها، وشرابهم، ومصرف ذلك وآنيتهم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب التاسع في ذكر لباس أهل الجنَّة، وحليهم، ومناديلهم، وفرشهم، وبسطهم، ووسائدهم وسررهم وأرائكهم

- ‌فصل ومن ملابس أهل الجنَّةِ التيجان على رءوسهم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب العاشر في ذكر خدم أهل الجنَّة، وغلمانهم، ونسائهم، وسراريهم، والمادة التي خلق منها الحور العين، ونكاحهم، وهل في الجنَّة ولد أم لا

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في الإشارة إلى غريب هذا الحديث العظيم

- ‌الباب الحادي عشر في ذكر سماع أهل الجنَّة، وغناء الحور العين، وذكر مطاياهم، وزيارة بعضهم بعضًا

- ‌فصل

- ‌فصل زيارة أهل الجنَّة لبعضهم بعضا

- ‌فصل في ذكر سوق الجنَّة، وما أعدَّ الله فيها لأهلها

- ‌فصل

- ‌فصل في تكليمه سبحانه وتعالى لأهل الجنَّة

- ‌الباب الثالث عشر في أن الجنَّة فوق ما يخطر بالبال، ويتوهمه الخيال، أو يدور في الخلد، وفوق ما يصف كلّ أحد كيف؟ وموضع سوط منها خير من الدُّنيا وما فيها

- ‌الباب الرابع عشر في فصول جامعة وحكم هامعة

- ‌الفصل الأول في ذكر آخر أهل الجنَّةِ دخولًا

- ‌الفصل الثاني في لسان أهل الجنَّةِ

- ‌الفصل الثالث في احتجاج الجنَّة والنَّار

- ‌الفصل الرابع في امتناع النوم على أهل الجنَّةِ

- ‌الفصل الخامس في ارتقاء العبدِ وهو في الجنَّة من درجة إلى درجة أعلى منها

- ‌الفصل السادس في إلحاق ذرية العبد المؤمن به في الدرجة وإن لم يعملوا عمله

- ‌الفصل السابعفي مسألة عظيمة، ونكتة جسيمة

- ‌الفصل الثامن ترفع جميع العبادات في الجنَّة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة، لا تبيد، ولا ترفع حتى في دار الجزاء

- ‌الباب الخامس عشر فيمن يستحق لهذه الدار من الملل والأنفار

- ‌تتمة

- ‌الكتاب الخامس في ذكر النار وصفاتها وشدة عذابها أعاذنا الله تعالى منها بمنه وكرمه

- ‌الباب الأول في ذكر الإنذار والتحذير من النَّار، والخوف منها، وأحوال الخائفين من تلك الدار

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثاني في ذكر مكان جهنم وطبقاتها ودركاتها وصفاتها وقعرها وعمقها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الباب الثالث في ذكر أبواب جهنم وسرادقها وظلمتها وشدة سوادها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل وأما ظلمتها وشدة سوادها

- ‌الباب الرابع في شدة حر جهنم وزمهريرها وسجرها وتسعيرها وتغيظها وزفيرها أعاذنا اللَّه منها

- ‌فصل وأما زمهريرها

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر دخان جهنم وشررها ولهبها

- ‌الباب الخامس في ذكر أودية جهنم وجبالها وعيونها وأنهارها

- ‌ما جاء في جبال جهنم أجارنا اللَّه منها ووالدينا

- ‌الباب السادس في ذكر سلاسلها وأغلالها وحجارتها وأنكالها وحياتها وعقاربها

- ‌فصل وأما حجارتها

- ‌فصل وأما حيات جهنم وعقاربها

- ‌الباب السابع في ذكر طعام أهل النار وشرابهم وكسوتهم وثيابهم

- ‌فصل وأمَّا شرابهم

- ‌فصل وأما كسوة أهل النار وثيابهم

- ‌فصل

- ‌الباب الثامن في عظم خلق أهل النار، وقبحهم، وأنواع صفاتهم بحسب أعمالهم

- ‌فصل في أنواع عذاب أهل النار، وتفاوتهم في ذلك في دار البوار على حسب ما اقترفوا من الذنوب والأوزار

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فيما يتحف به أهل النارِ عند دخولهم دار البوار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه

- ‌فصل في بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الذي لا يستجاب لهم

- ‌فصل

- ‌فصل في نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وكلام بعضهم بعضا

- ‌الباب التاسع في ذكر خزنة جهنَّم، وزبانيتها

- ‌الباب العاشر في ذكر حال الموحدين في النار، وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين، وشفاعة الشافعين وفي أكثر أهل النار، وأصنافهم

- ‌فصل

- ‌فصل في حسن الظن بالله تعالى

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر أوّل من يدخل النار من سائر البشر وفي أول من يدخلها من عصاة الموحدين

- ‌تتمة في مسائل متفرقة

- ‌المسألة الأولى في خلود أهل الدارين فيهما:

- ‌المسألة الثانية في أصحاب الأعراف

- ‌المسألة الثالثة: في أطفال المشركين

- ‌المسألة الرابعة: في أهل الفترة ونحوهم

- ‌الخاتمة وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في التوبة

- ‌فصل

- ‌الفصل الثاني: في المحبة

- ‌المقصد الأوّل: في لزوم المحبة له سبحانه وتعالى

- ‌المقصد الثاني: في علامات المحبة الصادقة والتذاذ المحبين بها

- ‌ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم على درجتين:

- ‌تكملة في بعض أحوال أهل المحبة وهي أكثر من أن تذكر في مثل هذا المختصر وأعظم من أن تحصر أو تحد بالنظر

- ‌الخاتمة

الفصل: الشيطان" (1) أي يكون نصفه في الشمس، ونصفه في الظل،

الشيطان" (1) أي يكون نصفه في الشمس، ونصفه في الظل، وحديث عياش بن أبي ربيعة لمَّا هاجر، أقسمت أمه بالله لا يظلها ظل، ولا تزال في الضح والريح حتى يرجع إليها. ذكره في النهاية (2).

ونعم الله لا تحصى، وأياديه لا تستقصى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] والله سبحانه أعد لعباده المتقين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

‌فصل

وأمَّا طعام أهل الجنَّة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [المرسلات: 41 - 43]. وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)} [الحاقة: 24]. وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)} [الزخرف: 72، 73]. وقال: {مَثَلُ الْجَنَّةِ

(1) مسند الإمام أحمد (3/ 414)، والحاكم (4/ 271)، وله شاهد من حديث بريدة دون قوله:"مجلس لشيطان"، وعند أبي شيبة (8/ 680)، وابن ماجه (3722)، وعن أبي هريرة في المسند برقم (8976).

(2)

"النهاية" 3/ 75، انظر "السيرة" لابن هشام (2/ 86)، و"البداية والنهاية"(4/ 429).

ص: 1112

الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ} [الرعد: 35]، وقال تعالى:{يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)} [المطففين: 25، 26].

وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأكل أهل الجنَّة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون طعامهم ذلك جُشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" وفيه أيضًا عنه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: فما بال الطعام؟ قال: "جُشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد"(1).

قوله: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء" كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله "فمال"؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي "أن يهوديًا" يعني حديث (2) ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في "مشارق الأنوار" والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ (3) وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسنادٍ صحيح عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النَّبيِّ فقال: "يا أبا القاسم تزعم أنَّ

(1) رواه مسلم (2835) في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا.

(2)

في (ب): زيد.

(3)

"مشارق الأنوار" 1/ 104.

ص: 1113

أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إنَّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإنَّ الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنَّة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضْمُر بطنه". ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه. (1)

وفي "حادي الأرواح"(2) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك لتنظر إلى الطير في الجنَّة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشويا"(3).

وأخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه، عن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"إنَّ في الجنَّة طيرًا مثل البخاتي" فقال أبو بكر رضي الله عنه: "إنها

(1) أحمد (4/ 367، 371)، والنسائي في "الكبرى" كما في التحفة (3/ 191)، وابن أبي شيبة (13/ 108)، وعبد ابن حميد (263)، و"زوائد الزهد" لابن المبارك (1459)، "كشف الأستار"(3522، 2523)، والدارمي (2828)، و"صفة الجنة" لأبي نعيم (329).

(2)

"حادي الأرواح" ص 269.

(3)

"صفة الجنة" لأبي نعيم (341)، رواه البزار كما في "كشف الأستار" 4/ 200 (3532). قال البزار: لا نعلم رواه إلَّا ابن مسعود، ولا له عنه إلَّا هذا الطريق، وحميد هو: حميد بن عطاء كوفي، وليس بحميد المكي الذي روى عن مجاهد، ولا نعلمه يروى إلَّا عن عبد الله بن الحارث وهو ضعيف أي: حميد بن عطاء الأعرج.

ص: 1114

لناعمة يا رسُولَ الله قال: "أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر"(1).

وفي "حادي الأرواح"(2) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة: 18]، يقول: الخمر {لَا فِيهَا غَوْلٌ} ولا صداع، وفي قوله:{وَلَا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 19]، لا تذهب عقولهم، وفي قوله:{وَكَأْسًا دِهَاقًا (34)} [النبأ: 34]، ممتلئة، وفي قوله:{رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 25]، يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: "ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم. قال المحقق: قلت يريد - والله أعلم - أنَّ آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم. وعن مسروق: "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك لا. وقال عبد الله في قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)} [المطففين: 27]، قال: يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفًا وكذلك قال ابن عباس (3): "يشرب منها المقربون صرفًا، وتمزج لمن دونهم". وقال عطاء: التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر" (4).

(1) رواه البيهقي في "البعث والنشور" ص 189 (354)، "صفة الجنة" لأبي نعيم (339) من رواية أبي سعيد.

(2)

"حادي الأرواح" ص 270، 271.

(3)

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس كما في الدر المنثور (6/ 544).

(4)

أخرج البيهقي عن عطاء كما في "الدر المنثور"(6/ 544).

ص: 1115

وقال في "حادي الأرواح"(1) في قوله تعالى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)} [الإنسان: 18]، قال بعضهم إنها جملة مركبة من فعل وفاعل، وسلسبيلا: منصوب على المفعول أي: سلسبيلًا إليها قال: وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها.

وقال قتادة في اشتقاقها (2): سلسلة لهم يصرفونها حيث شاؤا، وهو من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد: سلسلة السبيل حديدة الجّرْيَة. وقال أبو العتاهية (3): تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم، وهذا من سلاستها، وحدة جريتها. وقال آخرون: معناها طيب الطعم والمذاق. وقال أبو إسحق: سلسبيل: صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك وصوّب ابن الانباري أنَّ سلسبيل صفة للماء وليس باسم العين، واحتج بأن سلسبيل مصروف، ولو كان اسمًا للعين لمنع من الصرف، وأيضًا فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال: معناه أنها تسيل في حلوقهم انسلالا، وردّه الإمام المحقق (4) بأنَّ الصرف إنَّما هو لاقتضاء رؤوس الآى له كنظائره، وأمَّا قول ابن عباس فإنّما يدل على أنَّ العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة - والله أعلم - ومما قررنا عُلِمَ أنَّ المختار أنَّ العينَ تسمّى سلسبيلًا ليس إلَّا ولذا قيل شعر:

(1)"حادي الأرواح" ص 273.

(2)

في (ب): انشقاقها.

(3)

في (ب): أبو العالية وهو أصح.

(4)

"حادي الأرواح" ص 274.

ص: 1116

دع الدُّنيا ولا تركن إليها

ومع من فرّ منها سلسبيلا

لعلك في جنانِ الخلد تحظى

بها عين تسمى سلسبيلا

تنبيه: قد تضمنت الأخبار التي ذكرناها أنَّ لأهل الجنَّةِ فيها خبزًا، ولحمًا، وفاكهة، وحلوى، وأنواع أشربة من الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلَّا الموافقة في الأسماء، وأمَّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.

فإنْ قيل: فأين يشوى اللحم ولا ثَمَّ نار؟

قلت: أجاب بعضُ العلماء عن هذا الاستشكال بأنَّه يشوى في الجنَّة بأسباب قدرها الله سبحانه غير النار كما قدر إنضاج الثمر والطعام، وقيل غير ذلك.

وظاهر كلام الإمام المحقق في "حادي الأرواح"(1) أنه يشوى في الجنَّة بنار تكون مصلحة غير مفسدة بل صرح بذلك حيث قال: لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح ولا تفسد شيئًا.

وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "مجامرهم الألوة" فالمجامر جمع مجمر، وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه، والألوة: العود المُطرَّاة كما مر، فأخبر سبحانه أنَهم يتجمرون به أي: يتبخرون بإحراقه لتسطع لهم رائحته، وقد أخبر سبحانه أنَّ في الجنَّة ظلالًا، والظلال لابد أن تقي مما يقابلها، فقال:{هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)} [يس: 56]، وقال:{وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57] فالأطعمة،

(1)"حادي الأرواح" ص 274.

ص: 1117

والحلوى، والتجمر تستدعي أسبابًا تتم بها، والله سبحانه خالق السبب والمسبب، وهو رب كلّ شيء ومليكه لا إله إلَّا هو هذا كلامه. وهو تأييد لما صوبه أنه يشوي في الجنَّة بأسباب قدرها العزيز العليم، لإنضاجه، وإصلاحه كما قدر هناك أسبابا؛ لإنضاج الثمر، والطعام، وكما جعل في أجواف العالم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام، ويلفظه، ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الثمار والفواكه يخلق لها من الحرارة ما ينضجها، ويجعل سبحانه أوراق الشجر حلالا فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب، والأسباب مظهر أفعاله وحكمته، ولكنها تختلف، وقد أجابَ بعضُهم عن الاستشكال بأنه يشوى بكن، وآخرون بأنه يشوى خارج الجنَّة، ثُمَّ يؤتى به إليهم.

قلت: وحديث ابن مسعود (1) حجة لِمَنْ قال يشوى بكن، وتقدم قريبًا، والحاصل أنَّ الله قادر، والقادر الذي لا يجوز عليه العجز البتة لا يسع كلّ ذي لب إلَّا التسليم لما أخبر هو به، أو نبيِّه صلى الله عليه وسلم فإنَّ إخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنَّما هو إخبار منه تعالى على ألسنتهم.

وربما سبحانه جعلَ للأشياء أسبابا غير الأسباب المعهودة المألوفة فينكر ذلك من لا عنده علم، ولا عقل، ولا فهم فهذا محض الجهل والظلم إذ ليست قدرته تعالى قاصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشأها منها كما لم تقصر (2) قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه

(1) انظر ت (3) ص 1114.

(2)

في (ب): تقتصر.

ص: 1118

ومسبباته، وليس هذا بأهون عليه من ذلك، ولعل النشأة الأولى التي أنشأها تعالى فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب، ولعل إخراج هذه الفواكه، والثمار من بين هذه التربة الغليظة، والماء، والخشب، والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من تربة الجنَّة ومائها وهوائها، ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشرب (1) ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إخراجها أنهارًا في الجنَّة باسباب أخر.

ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة في عروق الحجارة من الخيال، وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب، ولعل إخراج الحرير من لعاب دود القز، وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تتفتق عنه شجر (2) هناك قد أودع فيها، وأنشئ منها.

ولعل جريان بحار الماء بين السمَّاء والأرض على ظهور السَّحابِ أعجب من جريانها في الجنَّة في غير أخدود، وبالجملة فالمعبود بحق قادر على كلِّ شيء، والقادر له أن يعكس الأسباب بأن يجعل الماء ينضج ويحرق إذ لا يسأل عمَّا يفعل، وإذا تأمل العاقل بين أمور الدنيا والآخرة، ثُمَّ وازن بينها، وبين ما أخبر به تعالى من أمور الآخرة من الجنَّة والنار وما فيهما وجد هذه الأشياء نموذجًا دالًا على تلك أتم دلالة شاهدة لها، فمن رزقه الله علمًا لدنِّيِّا، وقذفَ في قلبهِ

(1) في (ب): شراب.

(2)

في (ب): شجرها.

ص: 1119