الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"والقصد أن التلفيق الذي يبحث عنه المتأخرون ينبغي للمفتي إذا اسْتُفْتِيَ عن مسألة منه أن ينظر إلى مأخذها من الكتاب والسنة أو مدركها المعقول منها، وأما تسرعه إلى القول بالتلفيق بطلانًا أو قبولًا فعدول عن منهج السلف، على أن ما يسمونه بعدُ تلفيقًا -بقطع النظر عما ذكرنا من شأنه- ربما رجع إلى نوع الرخص التي يحب الله أن تؤتى"(1).
فإن قيل: أليس في هذا تتبع لرخص المذاهب، وخروج عن السبيل القويم إلى مسلك ذميم من تتبع الرخص والمسائل الشاذة في كل مذهب؟
فالجواب كما تقدم: إن تتبع الرخص في كل مذهب ممنوع إلا أن يؤدي إليه اجتهاد معتبر، أو تقليد سائغ.
ثانيًا: استخراج الأصول والقواعد والضوابط النافعة في الحكم على النوازل:
مما لا شك فيه أن الفقه فيما مضى قد ساير حياة الناس، وضبط إيقاع الحياة وواكب المستجدات في كل عصر بحسبه، وتصدى فقهاؤنا الأقدمون لأقضيات متعددة ومسائل مستحدثة لم يكن للسابقين عليهم عهد بها؛ فاستثمروا أحكام تلك النوازل بثاقب النظر وبديع الاستنباط؛ فأكدوا برهان صلاحية الشريعة الإسلامية وأصالتها، وقدموا الدليل على إعجازها وتمام كمالها.
وتصدى الفقهاء والمجتهدون لمسائل شتى، فوضعوا لها حلولًا جزئية وأحكامًا خاصة، ومن جملة تلك الفروع المستكثرة والمسائل المتنوعة قعدوا قواعد جامعة، في الفقه تارة، وفي الأصول أخرى، وفي مقاصد الشريعة تارة ثالثة.
وهذه القواعد الجامعة والضوابط الحاكمة كانت بمثابة علامات الطريق ومنارات الاهتداء لمن جاء بعدهم، فحذا حذوهم ونسج على منوالهم؛ فاعتدوا بتلك القواعد
(1) الفتوى في الإسلام، للقاسمي، (ص 171).
الجامعة النافعة، وعملوا من خلالها على التصدي لصعاب النوازل، ومدلهمات المسائل، وفيما سبق عرضه من قواعد أصولية وفقهية ما يشهد على أن اجتهادهم كان عن تقعيد وتأصيل؛ يبنى عليه التفصيل ويرتبط بالدليل والتعليل.
وفي التأكيد على هذا المعنى قال ابن عبد البر رحمه الله في باب من كتاب "جامع بيان العلم وفضله" بعنوان: "اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة"، يقول رحمه الله:"وهذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها"(1).
وعليه فإنه يتعين على فقهاء الزمن الحاضر دراسة تلك الفتاوي والمسائل التي حكم فيها المتقدمون وفقًا لأصولهم وقواعدهم؛ ليستنبطوا تلك القواعد الجامعة، لترد إليها النوازل المعاصرة، وليستعينوا بذلك التراث الفقهي على تكوين الملكة الأصولية المقاصدية الفقهية التي تهيئ للتعامل مع المسائل المستحدثة، ولا سيما في مجال الأقليات الإسلامية التي تكثر عوارضها وتتنوع طوارئها ومشكلاتها.
وعلى فقهاء الزمن الحاضر أن يعلِّموا طلبتهم هذه المنهجية بالاتكاء على ما أصَّله الأقدمون، والانتفاع بطريقتهم العلمية الرائقة، وما أحسن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-في مجلس للتفقه والتعليم-:"أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام الشرعية، تصويرًا وتقريرًا، وتأصيلًا وتفصيلًا، فوقع الكلام في. . . فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصلٍ وفصلين. . . "(2).
ودراسة ما كتبه الأقدمون في مقاصد الشريعة يفيد العالم المجتهد المتصدي لنوازل العصر كثيرًا، ويمكنه من التفريق بين رتب المقاصد والمقدم منها عند التعارض،
(1) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، (2/ 848).
(2)
مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (21/ 534).
والتمييز عند اختلاط الأحكام وتداخلها بين رتب المأمورات والمنهيات، وإدراك مراتب الأدلة والأحكام، ومعرفة مواضع الإجماع والاتفاق، ومواقع السعة والاختلاف، وأسباب الترجيح والمرجحات، ونحو ذلك مما تكمل به عدة فقيه يدرس نوازل العصر.
وبمثل هذا المسلك الرشيد تتحقق مصالح العباد ويتبصر الفقيه بما به تحقق الرشاد في الفتاوى، وتظهر صحة قول الإمام الشافعي وأرجحيته حين قال:"وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلومًا إلا عن الله نصًّا أو دلالة من الله؛ فقد جعل الله الحق في كتابه، ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فليس تنزل بأحدٍ نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصًّا أو جملة"(1).
وليس يخفى أنه ما من عالم مجتهد قد حفظت أقواله، وجمعت مصنفاته إلَّا وقد بث في ثنايا ما ألف وصنف وما أفتى فيه من مسائل ونوازل أصولًا وضوابط في سائر أبواب الفقه والعلم، ومنهم من عني بالتصنيف في القواعد الفقهية والأصولية خاصة، ومنهم من تناول القواعد المقاصدية، وقد اشتهر جمع من العلماء بالعناية بهذا المنحى في التأليف والتصنيف، وليس في الأقدمين كالشافعي والعز ابن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي وابن القيم في هذا المجال أحد!
ثم إن المحدثين والمعاصرين قد أدلوا في هذا المجال بدلاء متفاوتة، وإن كان حظ معظمهم في الجمع والترتيب والتنضيد والتنسيق أوفر من حظهم في التأصيل والتقعيد.
ولا إشكال في هذا فإن من المتفقهين غير فقهاء وهم الرواة، ومنهم حاملو الفقه الفقهاء، ومن الصنف الأخير صفوة هم أهل الاستنباط والتقعيد والتأصيل، وأولئك ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين!
(1) الأم، للشافعي، (9/ 69).