الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
حكم المشاركة السياسية في الدول غير المسلمة
المطلب الأول: تعريف السياسة لغة واصطلاحًا:
السياسة لغة: مصدر ساس يسوس سياسة، وهي فعل السائس، وهي القيام على الرعية بما يصلحها (1)، وفي الحديث:"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء"(2).
فهي دائرة على تدبير الأمور في الاصطلاح اللغوي.
وأما اصطلاحًا: فهي تدبير شئون الجماعة من الناس بما يحقق مصلحتهم.
وقد عرَّفها المقريزي بأنها: "القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال"(3).
وعرَّفها ابن عقيل الحنبلي بقوله: "ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم"(4).
أو هي: "فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يَرِدْ بذلك الفعل دليل جزئي (5).
وقد أطلق عليها مصطلح الأحكام السلطانية (6)، أو السياسة الشرعية (7).
ومصطلح السياسة الشرعية هو الأكثر شيوعًا اليوم، وباسمه كتب كثيرًا في القديم والحديث.
(1) لسان العرب، لابن منظور، (6/ 429 - 430)، القاموس المحيط، للفيروزآبادي، (2/ 220).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، (3455)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول الأول، (1842) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(3)
المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي، دار صادر، بيروت، (2/ 220).
(4)
الطرق الحكمية، لابن القيم، (1/ 29).
(5)
البحر الرائق، لابن نجيم، (5/ 11).
(6)
وقد ألف كل من أبي يعلى الحنبلي، والماوردي الشافعي كتابًا حمل هذا الاسم.
(7)
ولابن تيمية كتاب باسم "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" كما أن لتلميذه ابن القيم كتابًا باسم "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية".
وفي العصر الحديث عرَّفها الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر بقوله: "هي الأحكام التي تنظم مرافق الدولة، وتُدَبَّرُ بها شئون الأمة، المتفقة مع روح الشريعة، النازلة على أصولها الكلية، المحققة لمقاصدها، ولو لم يرد عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنة"(1).
والسياسة الشرعية هي سياسة باعتبار القائمين عليها، وتدبير أمور الناس بما يصلحهم، وهي شرعية باعتبارها تطبيقات لأحكام الشرع فيما ورد فيه نصٌّ، أو هي تطبيق لأحكام شرعية مبناها الاجتهاد، وهي المستندة إلى عمومات النصوص، وقواعد الشرع ومبادئه العامة.
فالكتاب والسنة هما المرجعان الأساسيان للسياسة، سواء بنصوصهما الدالة على أحكام تفصيلية، أو بما اشتملا عليه من قواعد عامة، وأحكام كلية، أو بما رسما من مناهج وخطط للاجتهاد.
وأساس السياسة الشرعية وغايتها: هو تحصيل المصلحة المعتبرة شرعًا، ولا تكون كذلك إلا إذا حافظت على مقصود الشارع في تشريع الأحكام، وإذا كانت المصلحة أمرًا عتباريًّا يختلف باختلاف مشارب الناس، وعاداتهم وأعرافهم، فإن المعتبر من ذلك كله ما ورد الشرع برعايته والاعتداد به.
على أن الأحكام السياسية على ضربين؛ يسمي ابن القيم رحمه الله النوع الأول: بالشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، بينما يسمي الثاني: بالسياسات الجزئية بحسب المصلحة وتختلف باختلاف الأزمنة، فهي إذن تتقيد بها زمانًا ومكانًا وظرفًا (2)، ومسائل هذا النوع كثيرة، منها: إيقاف عمر رضي الله عنه حد السرقة عامَ الرمادة،
(1) السياسة الشرعية، لعبد الرحمن تاج، مطبعة دار التأليف، مصر، ط 1، 1993 م، (ص 10).
(2)
الطرق الحكمية، لابن القيم، (ص 47).
وإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، وأمر عثمان رضي الله عنه إمساك ضوال الإبل، وغير ذلك.
أما النوع الثاني من المسائل التي لم تأتِ بشأنها نصوص شرعية، فإن الفقه فيها يكون عن طريق الاجتهاد بشروطه، وضوابطه ومرتكزاته، وإن كان الاجتهاد في كلا النوعين مطلوبًا أن يراعي تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
المقصود بالمشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية:
يقصد بالمشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية تلك الأعمال والأنشطة التي تتعلق بالسياسة المعاصرة في بلد الأقليات، والتي يشارك فيها المسلمون بدءًا من تكوين الأحزاب السياسية، والالتحاق بها، مرورًا بالترشح والترشيح في الانتخابات البرلمانية، وانتهاء بالتحالفات، وإقامة التكتلات، وعمل المناورات السياسية (1).
وذلك كله بغيةَ تقويةِ الوجود الإسلامي وحمايته في بلاد الأقليات وتوطين الأمة المهاجرة، أو المقيمة هناك، والمحافظة على مكتسباتها، ومساعدتها على حَلِّ مشكلاتها، وتحقيق مقاصد الوجود الإسلامي فوقَ كلِّ أرض وتحتَ كلِّ سماء (2).
ولا شك أن العمل السياسي في أصله مشروع؛ فلقد تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن تدبير شأن الناس، وأنزلت فيه أحكام كثيرة تتعلق بالحكم ونظامه، والعلاقات الدولية وغير ذلك، كما أن السنة المطهرة ملأى باحاديث تناولت المعاهداتِ الدوليةَ والعلاقاتِ الخارجيةَ ونظمَ الحكمِ الداخلية، وكثيرًا من التفصيلات الدقيقة.
ولذا فإن الدين يحكم على السياسة ويضبطها بضوابط المشروعية والأخلاقية،
(1) المشاركة السياسية للمسلمين في البلاد غير الإسلامية، د. نور الدين الخادمي، دار وحي القلم، ط 1، 2004 م، (ص 9 - 11).
(2)
مسلمو أوروبا والمشاركة السياسية ملامح الواقع وخيارات التطوير، حسام شاكر، بحث ضمن المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء، العدد 10 - 11، الجزء الثاني، 2007 م، (ص 270 - 271).
ويحقق مقاصدها النبيلة بالوسائل المشروعة والصحيحة.
ولذا وُجِدَ من علماء الإسلام من يُعَرِّفُ السياسة الشرعية بأنها: "تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار؛ بما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية"(1).
ويُعَرَّفُ علمُ السياسة الشرعية بأنه: علمٌ يُبْحَثُ فيه عمَّا تُدَبَّرُ به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصولَ الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليلٌ خاصٌّ (2).
وللسياسة عدةُ تعريفاتٍ في القواميس والكتابات الغربية؛ لكنَّ الاتجاهات الحديثة أو الجديدة تتجه نحو التركيز على اعتبارِ علمِ السياسة علمَ السلطةِ؛ حيث يُعَرَّفُ على أنه: "علم الدولة، أو هو فرع من تلك العلوم الاجتماعية التي تعالج نظرية وتنظيم وحكم الدول، وكذا الممارسات العملية اللازمة لتحقيق ذلك"(3).
ويشهد علم السياسة في الغرب تطورًا كبيرًا، كما يشمل اختصاصات دقيقة تتعلق بنظام الحكم الداخلي بمختلف تفاصيله، والسياسة الخارجية، وكل ما يتعلق بها، كما يرتبط علم السياسة ارتباطًا وثيقًا بجملة من العلوم الأخرى؛ حيث ظهر ما يسمى بعلم الاجتماع السياسي، والاقتصاد السياسي، والجغرافيا السياسية، وغيرها (4).
ورغم تشابه أبواب ومجالات البحث في السياسة الوضعية والسياسة الشرعية، إلا أنهما من حيث المقاصد والأصول مختلفان؛ فالأولى اجتهاداتٌ بشرية صرفة، تخضع
(1) السياسة الشرعية، لعبد الوهاب خلاف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1418 هـ - 1997 م، (ص 17).
(2)
السياسة الشرعية، لعبد الوهاب خلاف، (ص 7).
(3)
علم السياسة، محمد نصر مهنا، دار غريب الحديث، القاهرة، (ص 19).
(4)
فقه السياسة الشرعية للأقليات المسلمة، لفلة زردومي، رسالة ماجستير بقسم الشريعة، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة العقيد الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 1427 هـ - 2006 م، (ص 23).