الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما حديث معاذ فهو عامٌّ، يقرِّرُ أن الأصلَ صَرْفُ الزكاة إلى فقراء المسلمين، وقد بينت الآية الكريمة استثناءً من ذلك، وهو إعطاء الكفار رجاءَ إسلامِهم، ونفعهم لديننا.
وصفوة القول: أن عمر رضي الله عنه لم يعطِّلْ نصًّا، ولم يَنْسَخْ شرعًا؛ فإن الزكاة تُعْطَى لمن يوجد من الأصناف الثمانية، فإن لم يوجد صنف سقط سهمه، ولم يَجُزْ أن يقال: إن ذلك تعطيل لكتاب الله، أو نَسْخٌ له (1).
الترجيح:
يترجح -والله أعلم- قولُ من قال ببقاء هذا السهم للمؤلفة قلوبهم؛ سواء أكانوا من المسلمين، أم من الكفار؛ وذلك لأمور، منها:
1 -
قوة أدلة المجوزين وسلامتها من المعارضة الراجحة، وقوله وفعله صلى الله عليه وسلم يؤيد قول المبيحين.
2 -
ضعف القول بالنسخ، ولا يُعْلَمُ أن صحابيًّا يَنْسَخُ قولُه أو فعلُه نصًّا من كتاب الله تعالى، أو حكمًا قطعيًّا من أحكامه.
3 -
ولا شك أن إعطاء المؤلفة قلوبهم فيه دَفْعٌ عن المستضعفين ببلاد الأقليات، وإقامةٌ لدينهم وتقويةٌ لشوكتهم، كما هو وسيلةٌ دعويةٌ ناجحةٌ.
4 -
قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله: "والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطوا سهمَهُم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيه؛ فإن الصحيح قد روي فيه "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ" (2)(3).
وعليه: فمتى احتاج أهلُ أقليَّةٍ تحقيقَ مصلحة اجتماعية أو سياسية أو دينية لأهلِ دينِهم فدفعوا من زكاة أموالهم تأليفًا على الإسلام أو دفعًا عنه فلا حرج عليهم في ذلك.
(1) فقه الزكاة، للقرضاوي، (2/ 601).
(2)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا (146) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أحكام القرآن، لابن العربي، (2/ 530).
وإذا كان أَمْرُ الزكاة في جمعها وتفريقها موكولًا إلى الإمام الشرعي فإن هذه الفريضة لا تزول ولا تسقط بغيابه، وإنما يقوم أهلُ الحَلِّ والعقد في تلك الديار مقامَ الإمام أو نائبه، فينفذون ما استطاعوا من الأحكام، وتقومُ المراكز والجمعيات والهيئات الإسلامية في تلك البلاد بعلمائها وقادتها مقامَ الإمام في النظر لمصلحة المسلمين والدفع عن المستضعفين، ولا شك أن التصرف على الأقلية منوط بالمصلحة.
وجاء في قرار المجلس الأوربي للإفتاء في دورته الثالثة:
"تدارسَ المجلسُ هذا الموضوع، وانتهى إلى مشروعية تحصيل هذه المؤسسات للزكاة من أصحابها وصرفها في مصارفها الثمانية، أو من وُجِدَ منهم، لا سيما أن المسلمين مأمورون بتنظيم حياتهم، ولو كانوا ثلاثة، كما جاء في الحديث النبوي:
"إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم"(1)، وأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، كما أنه إحياءٌ لركن من أركان الإسلام، لا يتوقف على وجود الخليفة؛ لقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"(2)؛ فإذا لم نستطع إقامة الخلافة واستطعنا أداء ما يخصُّنَا من فرائضَ وواجباتٍ فعلينا أن نؤديَهَا كما أَمَرَ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسقوط بعض الواجبات عنا للعذر لا يكون سببًا في إسقاط الكلِّ، وقد كان المسلمون في العهد المكي يُؤْتُونَ الزكاة التي وصف الله بها المؤمنين والمحسنين في كتابه الكريم في السور المكية، وذلك قبل قيام دولة المدينة، ونعني بها الزكاة المطلقة قبل
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب: باب في القوم يسافرون يُؤَمِّرُونَ أحدَهم، (2608)، والطبراني في الأوسط، (8/ 99) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (1322).
(2)
سبق تخريجه.
تحديد الأنصبة والمقادير" (1).
وبالجملة فإن الراجح جواز دفع شيء من الزكاة في مصرف المؤلفة قلوبهم عند الاقتضاء.
وإذا جاز هذا من أموال الزكاة المفروضة فجوازه في الصدقة المندوبة من باب الأولى.
قال ابن قدامة: "وكل من حرم عليه صدقةُ الفرض من الأغنياء، وقرابة المتصدق، والكافر وغيرهم يجوز دَفْعُ صدقةِ التطوع إليهم، ولهم أَخْذُهَا"(2).
وقد قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وقال سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].
والأسير: "الحربي من أهل دار الحرب يُؤْخَذُ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤْخَذُ فيحبس بحقٍّ"(3).
قال القرطبي: "ويكون إطعام الأسير الشرك قربةً إلى الله تعالى غير أنه من صدقة التطوع؛ فأما المفروضة فلا"(4).
(1) قرارات وفتاوي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المجموعتان الأولى والثانية، (ص 25).
(2)
المغني، لابن قدامة، (4/ 114).
(3)
تفسير الطبري، (23/ 543).
(4)
تفسير القرطبي، (19/ 129).