الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأبي سليمان (1)، ومعروف الكرخي (2)، وأمثالهم، إلا وهم مصرِّحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب" (3).
ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، "ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم، كان أحقَّ بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلمُ الأمة وأخصُّها بعلم الرسول صلى الله عليه وسلم"(4).
رابعًا: الإيمان بالنصوص على ظاهرها، وردُّ التأويل المتعسف:
ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النصَّ عند الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنًى راجحًا وآخرَ مرجوحًا،
= عابدًا ورعًا كثيرَ الحديث، حدَّث عن منصور، والأعمش، وبيان بن بشر، وحدَّث عنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عيينة، توفي سنة 187 هـ. الطبقات الكبرى، لابن سعد، (5/ 500)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، (8/ 421).
(1)
أبو سليمان، عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني، الإمام الكبير، زاهد العصر، ولد في حدود الأربعين ومئة، روى عن سفيان الثوري، وأبي الأشهب العطاردي، وعبد الواحد بن زيد البصري، وروى عنه تلميذه أحمد ابن أبي الحواري، وهاشم بن خالد، وحميد بن هشام العنسي، توفي سنة 215 هـ. تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، (11/ 523)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، (10/ 182).
(2)
أبو محفوظ، معروف بن الفيرزان، العابد المعروف بالكرخي، كان أحد المشتهرين بالزهد والعزوف عن الدنيا وأسند أحاديث كثيرة عن بكر بن خنيس، والربيع بن صبيح، وغيرهما، روى عنه خلف بن هشام البزاز، وزكريا بن يحيى المروزي، توفي سنة 200 هـ. تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، (15/ 263)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي، (9/ 339).
(3)
شرح العقيدة الأصفهانية، لابن تيمية، (ص 211 - 212).
(4)
مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (4/ 91).
والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، "فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين"(1)، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعيِّ وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس، وعدم النصح للمكلَّف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.
ومراد المتكلم يُعْلَمُ إمَّا باستعماله اللفظ الذي يدلُّ بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرِّح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتفَّ بكلامه من القرائن التي تدلُّ على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم- تحكمٌ غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله (2) حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدها: أن يبيِّن احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
الثاني: أن يبيِّن وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه، قال ابن الوزير رحمه الله:"من النقص في الدين ردُّ النصوص والظواهر، وردُّ حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدلُّ على ثبوت الموجب للتأويل. . . "(3).
(1) المرجع السابق، (33/ 175).
(2)
التأويل: "صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح؛ لاعتضاده بدليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر" ا. هـ، روضة الناظر، لابن قدامة، (ص 178).
(3)
إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى ابن المفضل الحسني القاسمي المعروف بابن الوزير، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1987 م، (ص 123).
الرابع: أن يبيِّن سلامة الدليل الصارف عن المعارض؛ إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعيٌّ، وإما ظاهر، فإن كان قطعيًّا لم يُلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بدَّ من الترجيح (1).
ومما يدلُّ على إعمال الظواهر: أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدلُّ على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن -والعياذ بالله- معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل:"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم وبنذرهم شرَّ ما يعلمه لهم. . ."(2).
وفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة والعقلانيين ومن تأثَّرَ بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وقد توسَّع مَنْ تأخَّرَ عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يَرُدُّون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل -ولو كان مستكرهًا- ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتَّبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عاميٌّ جاهل،
(1) مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (6/ 360 - 361)، بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا وعادل عبد الحميد العدوي وأشرف أحمد، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط 1، 1416 هـ - 1996 م، (4/ 1009)، الصواعق المرسلة، لابن القيم، (1/ 288 - 290).
(2)
سبق تخريجه.