الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للفقيه من تحقيق المناط في تكييف الوقائع على القواعد الكلية، أي: التحقق من وجود المعنى الذي يربط بين الموضوع والحكم الكلي في الفرع، كما أنه لا بدَّ من مراعاة المآلات فينظر في الظروف المحتفَّةِ بالفرع مما لم تتعرض له القاعدة، ويُراعي تلك الظروف وما يترتب عليها من نتائج عند التكييف الفقهي للواقعة المستجدة على القاعدة الكلية.
ومن أمثلة هذا النوع: مشروعية السعي فوق سطح المسعى عملًا بالقاعدة الفقهية: "الهواء يأخذ حكم القرار".
ثالثًا: التكييف على نصٍّ فقهي لفقيه:
نصُّ الفقيه: هو الحكم الذي دلَّ عليه بلفظ صريح، أو فهمه أصحابه من طريق دلالة الاقتضاء أو التنبيه أو الإيماء.
ويمكن التَّعَرُّف على نصوص الفقهاء من خلال كتبهم، أو نقل تلاميذهم عنهم، وقد يختلف النقل فيصار إلى الترجيح على المنهج الذي بينه أصحاب هذا الفقيه وأتباعه، ويكون الراجح نصًّا للفقيه ومذهبًا له (1).
ومن أمثلته: جواز ما يسمَّى بـ (البوفيه المفتوح) تخريجًا على صور إجازة الفقهاء الانتفاع بالحمامات مع تفاوت استهلاك المياه والصابون وغيرها وثبات الأجرة.
رابعًا: التكييف عن طريق الاستنباط:
أي: استخراج الحكم بالاجتهاد، وقد يستخرجه عن طريق الاستصلاح، أو سدِّ الذرائع، أو الاستحسان، أو نحو ذلك من الطرق.
ومن أمثلته: الحكم بجواز عقود التوريد والمقاولات والصيانة ونحوها؛ استصلاحًا أو استحسانًا؛ لدفع حرج أو مشقة ونحوها.
(1) تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد، د. عياض السلمي، مطابع الإشعاع، السعودية، ط 1، 1415 هـ، (ص 19).
ومنهج الاستنباط ذكره الزركشي رحمه الله فقال:
"اعلم أنه حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى ذلك سبيلًا؛ لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل، وما أحسن قول الشافعي في الأم: وإنما يؤخذ العلم من أعلى.
وقال -فيما حكاه عنه الغزالي في المنخول-: إذا وقعت الواقعة فليعرضها (المجتهد) على نصوص الكتاب، فإن أعوزه فعلى الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعًا عليها اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا ويقدمها على الجزئيات. . . فإن عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد ألحق به، وإلا انحدر إلى قياس مخيل، فإن أعوزه تمسك بالشبه، ولا يعول على طرد.
قال الغزالي: هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي، ولقد أخر الإجماع عن الأخبار، وذلك فيه تأخير مرتبة لا تأخير عمل؛ إذ العمل به مقدم، ولكن الخبر مقدم في المرتبة عليه فإنه مستند قبول الإجماع (1).
وخالف بعضهم فقال: الصحيح أن نظره في الإجماع يكون أولًا؛ إذ النصوص يحتمل أن تكون منسوخة، ولا كذلك الإجماع، وإنما قدَّم الشافعيُّ النصَّ على الظاهر تنبيهًا على أنه يطلب من كل شيء ما هو الأشرف، فأوَّل ما يطلب من الكتاب والسنة النص، فإن لم يجد فالظاهر، فإن لم يجد في منطوقها ولا مفهومها رجع إلى أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في تقريره بعض أمته، فإن لم يجد
(1) المنخول، للغزالي، (ص 466 - 467).