الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجواب: بعدم التسليم بأن التابع في الأمثلة التي يذكرها الفقهاء ليس له ثمن، بل إن له تأثيرًا في قيمة أصله فالناقة الحامل -بلا شك- أغلى ثمنًا من غيرها؛ ولهذا كان تغليظ الدية في القتل العمد بإيجاب أربعين خلفةً -أي: ناقةً حاملًا- على الجاني. وفي بيع النخل بثمره للمشتري أن يشترط الثمرة، أو لا يشترط، ولا شك أن الثمن يختلف بوجود هذا الشرط من عدمه.
والثالث: أن التأمين بذاته محرم بخلاف الحمل والثمرة واللبن ونحوها؛ فإنها مباحة في ذاتها.
والجواب: أنه لا فرق بين التأمين وهذه الأشياء المذكورة في هذا الجانب، فالكل إذا أُفْرِدَ بالعقد صار بيعه محرَّمًا (1).
الحالة الثانية: إذا مسَّتِ الحاجة إلى التأمين:
وُيشترط أن تكون الحاجة حقيقية معتبرة، وألَّا يوجد ما يدفعها من بديل شرعي، وينبغي أن تكون الحاجة ليست باليسيرة حتى يتأتى ترخيص.
قال النووي: "فرع: الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث، والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه، فأمَّا ما تدعوا إليه الحاجة، ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار، وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر، وذكر أو أنثى، وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن، ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع.
ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير؛ منها: أن الأُمَّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة، وإن لم يُرَ حشوُها، ولو باع حشوَها منفردًا لم يصح، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا، مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء
(1) بحث التأمين في أمريكا، د. يوسف الشبيلي، ضمن بحوث المؤتمر الثالث لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، (ص 613 - 614).
بعوض، مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء، أو مكثهم في الحمام.
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه؛ وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا. . . جاز البيع، وإلَّا فلا.
وقد يختلف العلماء في بعض المسائل، كبيع العين الغائبة، وبيع الحنطة في سنبلها، ويكون اختلافهم مبنيًّا على هذه القاعدة، فبعضهم يرى الغرر يسيرًا لا يؤثر، وبعضهم يراه مؤثرًا. والله سبحانه وتعالى أعلم" (1).
ولهذا؛ فإن هذه الفتوى مبنية على قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في صورتي الغرر المغتفر في الأصل، وهو ما خَفَّ ودَعَتِ إليه حاجة، وفي صورة المحرم أصلًا، واشتدت وطأة الحاجة، ولم يمكن الاحتراز في حالة التأمين التجاري في أوروبا؛ لفرضه بالقانون، ولمسيس الحاجة المنزلة منزلة الضرورة إليه (2).
قال الشافعي رحمه الله: "وليس يحلُّ بالحاجة محرمٌ إلَّا في الضرورات"(3).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن مثل هذه الصورة وإن أبيحت إلا أنها مكروهة، وأن الأَولى تجنبُ التعامل مع التأمين التجاري مطلقًا.
يقول الدكتور محمد الزحيلي:
- يجوز التعامل مع التأمين التجاري عند الضرورة الشرعية التي تهدد دينه ونفسه وعقله ونسله وماله؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
- يجوز التعامل -مع الكراهة- مع التأمين التجاري عند الحاجة التي تنزل منزلة
(1) المجموع، للنووي، (9/ 258).
(2)
صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيه، (ص 392 - 393).
(3)
الأم، للشافعي، (4/ 52).
الضرورة، لرفع المشقة والضيق الذي يلحق المسلم، والأَولى له تحمُّلُ هذا، واجتنابُ التعامل مع التأمين التجاري لمجرد الحاجة (1).
- كما ذهب الدكتور محمد فؤاد البرازي إلى أنه لا يحلُّ من هذه العقود إلا ما كان إجباريًّا بحكم القانون في تلك الديار، إضافةً إلى التأمين التعاوني في حال وجوده، ومنع ما سوى ذلك (2).
وتختلف الحاجة باختلاف الأحوال والأشخاص والأمكنة والأزمنة، فما يحتاجه صاحب المركبة العامة غير ما يحتاجه صاحب المركبة الخاصة، والحاجة إلى تأمين المسكن في البلاد التي تكثر فيها الكوارث تختلف عن البلاد التي يندر فيها ذلك.
ومن الأمثلة التي تدخل في هذه الحال:
1 -
التأمين الطبي في البلاد التي تكون تكلفة العلاج فيها باهظة، ولا يتحملها المقيم بدون تأمين.
2 -
تأمين المركبة إذا كان نظام البلد الذي يقيم فيه الشخص يُلزِم بذلك. ويجب أن يُقْتَصرَ في ذلك على الحد الذي تندفع به الحاجة، وهو الحد الأدنى الذي يُلزِم به نظامُ البلد.
3 -
تأمين المساكن والمراكز الإسلامية والمدارس الإسلامية ضد الحوادث والسرقات والحريق إذا كانت الحاجة تقتضي مثل ذلك.
وبالجملة فإن مسيس الحاجة مع انعدام البديل الشرعي وغلبة الحرام، وتعذر التحول إلى مواطن يتسنى فيها البديل المباح -كل ذلك يبيح الترخص في المحرمات المتوسطة النهي وما كان من جنس الوسائل المفضية إلى المقاصد، وما كان النهي فيه
(1) بحث التأمين وصوره المنتشرة في المجتمع الأمريكي ما يحل منه وما يحرم، ضمن بحوث المؤتمر الثالث لمجمع فقهاء الشرعة بأمريكا، (ص 588).
(2)
قرارات وفتاوي المجلس الأوروبي للإفتاء، (ص 155).
بواسطة عمومات دخلها التخصيص كثيرًا.
فإن وقع الترخص بذلك مع الاكتفاء بمقدار الحاجة، ومَنْعِ ما يزيد عنها، أو ما يدخل في محض التوسع أو الترفه -فإن الله تعالى هو المسئول أن يعفو عن المكلف، وقد قال سبحانه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286].
وقد سبق قول إمام الحرمين الجويني رحمه الله-في غياث الأمم-: "إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تُشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر"(1). ثم ضَبَطَ ذلك بضابط جليًّ حين قال: "فالمرعي إذن رفع الضرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم"(2).
وقال العز ابن عبد السلام -رحمة الله تعالى-، في قواعد الأحكام في مصالح الأنام:"لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام، ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال الحلال، بل يُقْتَصَرُ على ما تمس إليه الحاجة، دون أكل الطيبات، وشرب المستلذات، ولبس الناعمات التي بمنازل التتمات، فاظفر بهذا التحقيق فإنه نفيس، وضعه نصب عينيك لتَرُدَّ إليه أشباهه من كل مقيس"(3).
(1) غياث الأمم، للجويني، (ص 344 - 345).
(2)
المرجع السابق، (ص 346).
(3)
قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز ابن عبد السلام، (2/ 313 - 314).