الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مجتمع تلك الدولة (1).
المطلب الثاني: تصوير النازلة وتكييفها:
التجنس بجنسية دولة غير مسلمة، يعني: أن يَطلبَ مسلم إلى دولة لا تحكم بالإسلام، وأكثر أهلها غير مسلمين أن تقبل به في عداد رعاياها، وعن هذا القبول تنشأ من الحقوق والواجبات ما يلزم كلا طرفي هذا العقد المستحدث.
إن أهم أثر يترتب على التجنس هو كسب صفة الوطني، والتي تستوجب التمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها الوطني الأصلي، والالتزام بكافة الواجبات التي يلتزم بها، ولعل من أهم هذه الحقوق والواجبات ما يلي:
أولًا: الحقوق:
يكون المتجنس مساويًا في الحقوق للوطني في الجملة، وإن اسْتُثْنِيَتْ بعض الأمور كالتقدم لوظائفَ حَسَّاسةٍ، ومن بين هذه الحقوق:
1 -
الحصول على حق المواطنة.
2 -
التمتع بالإقامة الدائمة.
3 -
تكفل الدولة الحماية الدبلوماسية للمنتسب إليها، وتتولى القنصليات رعاية أحواله الشخصية خارج البلد.
4 -
التمتع بالحقوق السياسية كحق الانتخاب، وبممارسة الحريات الأساسية.
ثانيًا: الواجبات، ومن أهمها:
1 -
خضوع المتجنس لقوانين الدولة والاحتكام إليها.
(1) الجنسية والتجنس وأحكامها في الفقه الإسلامي، د. سميح عواد الحسن، دار النوادر، دمشق، ط 1، 1429 هـ - 2008 م، (ص 236 - 237).
2 -
المشاركة في جيشها والتزام الدفاع عنها في حالة الحرب.
3 -
تمثيل الدولة خارجيًّا.
4 -
مشاركته في بناء صرح الدولة (1).
والتجنس مسألة حادثة، ونازلة لم تكن على عهد السلف والأئمة؛ لأنه نادرًا ما كان يحتاج المسلم للإقامة الدائمة في غير ديار المسلمين؛ لوجود الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها المسلمُ، ويتفيأُ ظلالَهَا، ولانعدام الحدود بين الدول الإسلامية، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلاده لا يُحِسُّ بغربة ولا وحشة، وكانت العزة الإسلامية التي يتمتع بها المسلم تمنعه من هذا، فهو ليس بحاجة للإقامة في بلاد الكفر، فضلًا عن التجنس بجنسياتها، ذلك أن التجنس بجنسية الدول الكافرة مُوَطِّئٌ للإقامة في بلاد الكفر، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على خلل أو ضعف حلَّ بالمسلمين، والخلل العظيم في هويتهم؛ إذ المهزوم والضعيف هو الذي يريد أن يُشَابِهَ المنتصرَ والقوي فيقتدي به.
ومَنْ نظر في التاريخ وَجَدَ أن هذا أمر مطَّرد، فوقتَ أن كانت الدولة للمسلمين كان المشركون حريصين على تعلم لغتهم، والعيش في بلادهم؛ ليتمتعوا بالأمن والعدل ورغد العيش الذي كانت بلادهم قفرًا منه، وبلاد الأندلس شاهدةٌ!
ثم إنه بعد سقوط الخلافة الإسلامية وانتشار الغزو الصليبي لبلاد الإسلام، أو ما سُمي -زورًا- بالاستعمار، فَتَحَتْ دولُ الكفار أوائل القرن الميلادي المنصرم بابَ التجنس لمن يرغب من المسلمين المقيمين، وفقًا لشروطهم!
ومسألة التجنس من حيث الحكم ترتبط ارتباطًا أوليًّا بمسألة الإقامة بتلك البلاد، وهي مسألة بحثها العلماء قديمًا.
(1) الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، لسليمان محمد توبولياك، (ص 78 - 79)، الهجرة إلى بلاد غير المسلمين، لعماد عامر، (ص 276 - 277).
ولا شك أن التجنس إقامةٌ وزيادةٌ، بل من شروطه الإقامةُ لمدة معلومةٍ، ويمكن أن يقال: إن الإقامة على ضربين: مؤقتة، ودائمة، والدائمة تعرف بالاستيطان عند الفقهاء الأقدمين، وبالجنسية في عرف علماء القانون.
وإقامة الأقلية المسلمة في ديار الأكثرية غير المسلمة، قد ذهب المالكية والظاهرية (1) إلى حرمتها في دار غير المسلمين، سواء خشي الفتنة أم لم يخشها، وذهب الجمهور (2) إلى الإباحة لن قدر على إظهار دينه، وأمن الفتنة، بل ذهب الشافعية إلى أنه إن قدر على إظهار دينه صارت البلد به دارَ إسلام، ونقل ابن حجر عن الماوردي قوله:"إذا قدر المسلم على إظهار دينه في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامةُ فيها أفضلُ من الرحلة منها؛ لما يرتجى من دخول غيره في الإسلام"(3).
وقد أصدر مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا قرارًا يتبنى فيه التأكيد على جواز ومشروعية، بل ووجوب الإقامة في بعض الأحوال، وجاء فيه:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بولاية سوكوتو بدولة نيجيريا في الفترة من 15 - 19 جمادى الآخرة 1426 هـ - الموافق 21 - 25 يوليو 2005 م.
بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية المقدمة من السادة أعضاء المجمع وخبرائه بخصوص موضوع: "الإقامة خارج ديار الإسلام"، والمناقشات المستفيضة التي دارت حوله.
قرر المجمع ما يلي:
- الأصل أن يقيم المسلم داخل ديار الإسلام؛ تجنبًا للفتنة في الدين، وتحقيقًا
(1) المحلى، لابن حزم، (11/ 200)، المقدمات الممهدات، لابن رشد، (2/ 153).
(2)
المبسوط، للسرخسي، (10/ 6)، روضة الطالبين، للنووي، (10/ 282)، المغني، لابن قدامة، (13/ 151).
(3)
فتح الباري، لابن حجر، (7/ 229).
للتناصر بين المؤمنين، وأنه لا تحل له مفارقتها إلا بنية حسنة؛ كطلب العلم، أو الفرار بالدين، أو الدعوة إلى الله عز وجل، أو السعي للرزق ونحوه، مع استصحاب قصدِ العودة متى امتهد له سبيل إلى ذلك، قال تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55، 56].
- تفاوت حكم الإقامة خارج ديار الإسلام بالنسبة للجاليات الإسلامية بحسب الأحوال:
فتشرع لمن كان قادرًا على إظهار دينه، وآمنًا من أن يفتن هو أو من يعول في إسلامه، مع مراعاة ما جاء في الفقرة الأولى من هذا القرار، قال تعالى:{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، وقال تعالى:{يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56]، وما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنه:"فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء"(1)؛ لإقرار النبيِّ صلى الله عليه وسلم العباسَ ونعيمَ النحام رضي الله عنهما في مقامهما في مكة، وكانت حينئذ دارَ شرك. كما في السنن الكبرى للبيهقي (2).
- وتجب في حق من تعينت إقامته لتعليم الإسلام، ورعاية أبنائه، ودفع شبهات خصومه.
- وتحرم في حق من غلب على ظنه أن يُفْتَنَ هو أو من يعول في دينه، وحيل بينه وبين إقامة شعائر رَبِّهِ ما دام قادرًا على العودة إلى ديار الإسلام آمنًا فيها على نفسه، ولم يكن من المستضعفين الذين استثناهم الله في كتابه؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: شهد الفتح، (4312) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
السنن الكبرى، للبيهقي، (9/ 15).
فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 - 99] وعلى هذه الحالة المذكورة يُحْمَلُ قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"(1).
- على مسلمي البلاد غير الإسلامية التشبث بالإقامة في تلك البلاد، وإظهار ما يمكنهم إظهارُه من شعائر الإسلام، والصبر على ما يُصيبهم من بلاءٍ، باعتبارهم النواةَ الأساسيةَ الأقدرَ على توطين الإسلام في هذه المجتمعات، ويطبق هذا الحكم من باب أولى على من احتُلَتْ ديارهم من المسلمين فإنه يتعين في حقهم الثباتُ؛ دفعًا للصائل، ودرءًا للحرابة، وكفًّا للعدوان.
- قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أعرابيًّا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة؟ فقال:"ويحك إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله عز وجل لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا"(2).
- يوصي المجمعُ مَن أقام مِن المسلمين خارج ديار الإسلام بتبني منهج الاعتدال والوسطية، وفتح باب الحوار الهادئ مع القائمين على الأمر في هذه المجتمعات لحلِّ ما
(1) أخرجه: أبو داود، كتاب الجهاد، باب: النهي عن قتل مَن اعتصم بالسجود، والترمذي، كتاب السير، باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، (1604)، والنسائي، كتاب القسامة، باب: القود بغير حديدة، (4780) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع وزياداته، برقم، (1461).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب: زكاة الإبل، (1452)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، (1865) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.