الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعند النقص أو الخلل فإن عليهم أن يشاوروا العلماء. ولا شك أن وسائل الاتصالات اليوم قد تعددت وطرائق التواصل المباشر قد تنوعت بما يفيد الأقليات، ويعينها في حَلِّ النوازل والمشكلات وذلك بالتواصل المباشر مع العلماء حول العالم.
وقد نص المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته المنعقدة بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، من 1 - 6 ذي القعدة 1415 هـ بشأن التحكيم ما يلي:
"أولًا: التحكيم اتفاق طرفي خصومة معينة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق الشريعة الإسلامية، وهو مشروع سواء أكان بين الأفراد أو في مجال المنازعات الدولية.
ثانيًا: يشترط في الحكم بحسب الأصل توافر شروط القضاء" (1).
حجية الحكم عند صدوره:
يقع الحكم حجةً نافذةً إذا صدر بإجماع أعضاء اللجنة، وهو ظاهرُ عباراتِ المالكية، وقياس قولهم في الحَكَمينِ، كما جاء في المدونة:"قلت: فلو أنهما اختلفا فطلَّق أحدُهما ولم يُطَلِّقِ الآخرُ؟ قال: إِذًا لا يكون هناك فراق؛ لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه باجتماعهما عليه"(2).
وقال الباجي: "ولو حكَّما جماعةً فاتفقوا على حكم نفَّذوه وقضوا به جاز، قاله ابن كنانة في المجموعة، ووجه ذلك أنهما إذا رضيا بحكمِ رجلينِ، أو رجال فلا يلزمُهُمَا حكم بعضهم دون بعض"(3).
الترجيح:
(1) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، دار ابن القيم، دمشق، 1418 هـ (ص 207)، قرار رقم، (91)، ومجلة المجمع، العدد التاسع، (4/ 5).
(2)
المدونة، لمالك رواية سحنون، (2/ 268).
(3)
المنتقى، لأبي الوليد الباجي، (7/ 217).
يترجح قول من قال بأن الطلاق المدني لا يرتب بمفرده حصول الطلاق شرعًا، وأن على المرأة المسلمة أن ترفع أمرها في بلاد الأقليات إلى المراكز الإسلامية لينظروا قضيتها، ويحققوا في إمكان إيقاع الطلاق شرعًا، وما يترتب عليه من آثار، وقد قال الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم:"وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"(1).
وأخيرًا فإن مسلمي الأقليات ينبغي لهم أن ينصتوا إلى هذه النصائح المهمة في هذا الباب:
أولًا: يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفقَ الأحكام الشرعية ما أمكن ذلك؛ لأنه وإن كان عقد الزواج وفقَ القوانين الأوربية يُعْتَبَرُ جائزًا من حيث إنه عقد، إذا جرى ضمن الضوابط الشرعية، إلا أن الزوجين بعد ذلك يخضعانِ إلى هذه القوانين في كل ما يتعلق بآثار الزواج، ومنها: الطلاق والإرث، ولا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى غير شرع الله برضاه. وبناءً على ذلك فإن من واجب المسلم أن يعقد زواجه في دولته المسلمة طالما كان ذلك ممكنًا ما دام قانون دولته مستمَدًّا من الأحكام الشرعية ولو كانت فيه بعض المخالفات.
ثانيًا: المسلم والمسلمة من أصحاب الجنسية الأوروبية، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين فأسلموا، أو من المسلمين الذين تجنسوا بجنسية أوروبية، فليس أمامهم إلا أن يعقدوا زواجهم مدنيًّا حسب قوانين بلادهم. ثم يجرى عقد زواج شرعي بعد العقد المدني أو قبله، لكن هذا العقد الشرعي ليس له أي مفعول أمام القضاء الأوروبي بالنسبة لآثار الزواج، وإن كان يعطي الزوجين اطمئنانًا أكثر إلى مشروعية المعاشرة الزوجية".
وإن كانا غير ملزمين بذلك؛ لأنهما لا يحملان الجنسية، بل هما مقيمان هناك، ويتمتعان بجنسية دولة إسلامية، فقد يلحقهما إثم من الإقدام على عقد الزواج وفقَ قانون أوروبي.
وفي هذه الحالة نكون أمام واقعة جديدة، وهي:
(1) سبق تخريجه.
ثالثًا: عندما يعقد زوجان مسلمان زواجهما وفقَ قانون وضعي غير مسلم، يجب عليهما أن يتفقا على إخضاع هذا الزواج بآثاره للأحكام الشرعية ما أمكنهما ذلك. ومن الواجب أن يكون مثل هذا الاتفاق رسميًّا إذا سمح القانون بذلك، وإلا يكفي أن يكون خطيًّا في هذه الحالة، وحين يقع خلاف بينهما يختاران حَكَمًا من العلماء، أو من المسلمين القادرين على القيام بهذه المهمة، وهذا الحكم يحاول الإصلاح ما أمكن، فإن تعذَّرَ عليه ذلك حَكَمَ بالتفريق بينهما شرعًا، ويصبح تنفيذُ هذا الحكم الشرعي وفقَ الإجراءات القضائية للقوانين الأوروبية أمرًا مشروعًا، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ الحكم الشرعي إذا أراده الطرفان.
وأخيرًا فقد أباح الله تعالى للمرأة أن تبعث حكمًا من أهلها، ويبعث الرجل حكمًا من أهله، أو من غير أهلهِمَا على ما صححه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ولتأخذ برأي من يَعْتَبِرُ أن للحكمين التفريقَ إذا اجتمعا عليه، وهم جمع من فقهاء المالكية مع الإمام مالك، وهو أحد قولي الإمام أحمد، ورجحه ابن تيمية، وقبل ذلك هو قول جمع من الصحابة رضي الله عنهم (1).
فإذا حكما بالتفريق جازَ لهما عندئذٍ أن يعْتَبِرَا أن الفراق قد وقع حقيقةً، وجاز لها أن تنكح زوجًا غيره بعد انتهاء عدتها (2).
والله تعالى أعلم.
(1) تفسير القرطبي، (5/ 174 - 179)، مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (32/ 25 - 26)، شرح السنة، لحسين
ابن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق، ط 2، 1403 هـ - 1983 م، (9/ 190 - 191).
(2)
من أحكام الأحوال الشخصية للأقليات المسلمة، د. خالد عبد القادر، ضمن بحوث مؤتمر الأقليات المسلمة، ماليزيا 2009 م.