الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دَاوُدَ (37). وقَوْلُهُم: هو ظَنٌّ. قُلْنا: بل هو اجْتِهَادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وإدْرَاكِه بالخَرْصِ، الذي هو نَوْعٌ من المَقَادِيرِ والمَعَايِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وَوَقْتُ الخَرْصِ حين يَبْدُو الصَّلاحُ (38)، لِقَوْلِ عائشةَ، رضي الله عنها: كان (39) يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ، قبلَ أن يُؤْكَلَ منه. ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزكاةِ، وإطْلاقُ أَرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرُّفِ فيها، والحاجَةُ إنَّما تَدْعُو إلى ذلك حين يَبْدُو الصَّلاحُ، وتَجِبُ الزكاةُ فيه (40).
فصل:
ويُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَثُ ابنَ روَاحَةَ، فيَخْرُصُ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، ولأنَّ الخَارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إليه، فهو كالحاكِمِ والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ في الخارِصِ أن يكونَ أمِينًا غيرَ مُتَّهَمٍ.
فصل: وصِفَةُ الخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الثَّمَرَةِ (41)، فإنْ كان نَوْعًا واحِدًا، فإنَّه يُطِيفُ بكلِّ نَخْلَةٍ أو شَجَرَةٍ، ويَنْطُرُ كَم في الجَمِيعِ رُطَبًا أو عِنَبًا، ثم يُقَدِّرُ ما يجىءُ منها (42) تَمْرًا، وإنْ كان أنوَاعًا خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ على حِدَتِه؛ لأنَّ الأنْواعَ تَخْتَلِفُ، فمنها ما يَكْثُرُ رُطَبُهُ ويَقِلُّ تَمْرُهُ، ومنها ما يكونُ بِالعَكْسِ، وهكذا العِنَبُ، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كُلِّ نَوْعٍ، حتى يُخْرِجَ عُشْرَهُ، فإذا خَرَصَ
(37) في: باب متى يخرص التمر، من كتاب الزكاة، وفي: باب في الخرص، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 1/ 372، 2/ 236.
كما أخرجه الدارقطني، في: باب في قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض، من كتاب الزكاة. سنن الدارقطني 2/ 134. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 163.
(38)
في أ، م:"صلاحه".
(39)
سقط من: أ، ب، م.
(40)
سقط من: أ، م.
(41)
في أ، م:"الثمر".
(42)
في الأصل: "منه".
على المالِكِ، وعَرَّفَهُ قَدْرَ الزكاةِ، خَيَّرَهُ بينَ أن يَضْمَنَ قَدْرَ الزكاةِ، ويَتَصَرَّفَ فيها بما شاءَ من أكْلٍ وغَيْرِه، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجَذَاذِ والجَفَافِ، فإن اخْتَارَ حِفْظَها ثم أتْلَفَها أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، فعليه ضَمَانُ نَصِيبِ الفُقَرَاءِ بِالخَرْصِ، وإنْ أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ، فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ. والفَرْقُ بينهما أنَّ رَبَّ المالِ وَجَبَ عليه تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، ولهذا قُلْنَا في مَن أتْلَفَ أُضْحِيتَهُ المُعَيَّنَةَ (43): عليه أُضْحِيَةٌ مَكَانَها. وإن أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ فعليه قِيمَتُها. وإن تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ من السَّماءِ، سَقَطَ عنهم الخَرْصُ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبل اسْتِقْرَارِ زكاتِها، وإن ادَّعَى تَلَفَها بِغيرِ تَفْرِيطِه، فالقَوْلُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، [على ما](44) تَقَدَّمَ، وإن حَفِظَها إلى وَقْتِ الإخْراجِ، فعليه زكاةُ المَوْجُودِ لا غيرُ، سَواءٌ اخْتَارَ الضَّمانَ، أو حَفِظَها على سَبِيلِ الأمانَةِ، وسَواءٌ كانت أكْثَرَ ممَّا خَرَصَهُ الخارِصُ أو أقَلَّ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَلْزَمُهُ ما قال الخَارِصُ، زَادَ أو نَقَصَ، إذا كانَتِ الزكاةُ مُتَقَارِبَةً؛ لأنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السَّاعِي، بِدَلِيلِ وُجُوبِ ما قال عندَ تَلَفِ المالِ. ولَنا، أنَّ الزكاةَ أمَانَةٌ، فلا تَصِيرُ مَضْمُونَةٌ بالشَّرْطِ كالوَدِيعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قالَ (45) السَّاعِي، وإنَّما يُعْمَلُ بِقَوْلِه إذا تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ، ولم يَعْلَمْ قَدْرَها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إصابَتُه. قال أحمدُ: إذا خَرَصَ على الرَّجُلِ، فإذا فيه فَضْلٌ كَثِيرٌ، مثل الضَّعْفِ، تَصَدَّقَ بالفَضْلِ؛ لأنَّه يَخْرُصُ بالسَّوِيَّةِ. وهذه الرِّوَايَةُ تَدُلُّ على مِثْلِ قَوْلِ مالِكٍ. وقال: إذا تَجَافَى السُّلْطَانُ عن شيْءٍ من العُشْرِ، يُخْرِجُه فيُؤَدِّيه. وقال: إذا حَطَّ من الخَرْصِ عن الأرْضِ، يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ ما نَقَصُوهُ من الخَرْصِ. وإن أخَذَ منهم أكْثَرَ من الوَاجِبِ عليهم، فقال أحمدُ: يُحْتَسَبُ لهم من الزكاةِ لِسَنَةٍ أُخْرَى. ونَقَلَ عنه أبو دَاوُدَ: لا يُحْتَسَبُ بالزِّيادَةِ، لأنَّ
(43) في أ، م:"المتعينة".
(44)
في أ، م:"كما".
(45)
في أ، ب، م:"قاله".