الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نِصْفَ شاةٍ. وإن كان الأوَّلُ أخْرَجَ الزَّكَاةَ من غيرِ المالِ، وقُلْنَا: الزَّكاةُ تَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ. وَجَبَ على المُشْتَرِى نِصْفُ شاةٍ. وإن قلنا تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. فقال القاضى: يَجِبُ نِصْفُ شاةٍ أيضا؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالعَيْنِ، لا بِمَعْنَى أنَّ الفُقَراءَ مَلَكُوا جُزْءًا من النِّصابِ، بل بِمَعْنَى أنه تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الجنايَةِ بالجانِى، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا شىءَ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالعَيْنِ نَقَصَ النِّصابَ. وهذا الصَّحِيحُ؛ فإنَّ فَائِدَةَ قَوْلِنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. إنَّما تَظْهَرُ فى مَنْعِ الزكاةِ، وقد ذَكَرَهُ القاضى فى غير هذا المَوْضِعِ. وعلى قِيَاسِ هذا، لو كان لِرَجُلَيْنِ نِصابُ خُلْطَةٍ، فبَاعَ أحدُهما خَلِيطَهُ فى بعض الحَوْلِ، فهى عَكْسُ المَسْأَلَةِ الأُولَى فى الصُّورَةِ، ومِثْلُها فى المَعْنَى؛ لأنَّه كان فى الأَوَّل خَلِيطَ نَفْسِه، ثم صارَ خَلِيطَ أَجْنَبِىٍّ، وهاهُنا كان خَلِيطَ أَجْنَبِىٍّ، ثم صارَ خَلِيطَ نَفْسِه. ومثلُه لو كان رَجُلَانِ مُتَوَارِثَانِ، لهما نِصابُ خُلْطَةٍ، فمات أحَدُهما فى بعضِ الحَوْلِ، فوَرِثَهُ صَاحِبُه، على قِياس قَوْلِ أبى بكرٍ، لا يَجِبُ عليه شىءٌ حتى يَتِمَّ الحَوْلُ على المَالَيْنِ، من حِينِ مِلْكِهِ لهما، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما بِمُفْرَدِه يَبْلُغُ نِصابًا. وعلى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حامِدٍ تَجِبُ الزكاةُ فى النِّصْفِ الذى كان له خَاصَّةً.
فصل:
إذا اسْتَأْجَرَ أجِيرًا يَرْعَى له بِشاةٍ مُعَيَّنَةٍ من النِّصابِ، فحالَ الحَوْلُ، ولم يُفْرِدْها، فهما خَلِيطانِ تَجِبُ عليهما زكاةُ الخُلْطَةِ. وإن أفْرَدَها قبلَ الحَوْلِ، فلا شىءَ عليهما؛ لِنُقْصانِ النِّصابِ. وإن اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ فى الذِّمَّةِ، صَحَّ أيضا، فإذا حَالَ الحَوْلُ، وليس له ما يَقْتَضِيهِ غيرَ النِّصَابِ، انْبَنَى على الدَّيْنِ، هل يَمْنَعُ الزكاةَ فى الأمْوَالِ الظَّاهِرَةِ؟ وسنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى.
413 - مسألة؛ قال: (وتَرَاجَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بالْحِصَصِ)
قد ذَكَرْنا أنَّ الخُلَطَاءَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ من أمْوَالِهم، كما تُؤْخَذُ من مَالِ الوَاحِدِ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ السَّاعِىَ يَأْخُذُ الفَرْضَ من مالِ أىِّ الخَلِيطَيْنِ شاءَ، سَوَاءٌ
دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك، بأن تكون الفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لا (1) يُمْكِنُ أخْذُها من المَالَيْنِ جَمِيعًا، أو لا يَجِدَ فَرْضَهُما جَمِيعًا إلَّا فى أحَدِ المَالَيْنِ، مثل أن يكونَ مالُ أحدِهما صِحَاحًا كِبَارًا، ومالُ خَلِيطِه صِغَارًا أو مِرَاضًا، فإنَّه تَجِبُ صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ، أو لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَجِدَ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ من المَالَيْنِ فيه. قال أحمدُ: إنَّما يَجِىءُ المُصَدِّقُ فيَجِدُ المَاشِيَةَ، فيُصَدِّقُها، ليس يَجِىءُ فيقولُ: أىُّ شىءٍ لك؟ [وأىُّ شىءٍ لك؟ ](2) وإنَّما يُصَدِّقُ ما يَجِدهُ، والخَلِيطُ قد يَنْفَعُ وقد يَضُرُّ. قال الهَيْثَمُ بن خَارِجَةَ لأبى عبدِ اللهِ: أنا رَأَيْتُ مِسْكِينًا كان له فى غَنَمٍ شَاتَانِ، فجاءَ المُصَدِّقُ فأخَذَ إحْدَاهما. والوَجْهُ فى ذلك قولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:"مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُما يَتَرَاجَعَانِ بالسَّوِيَّةِ"(3). وقولُه: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ"(3). وهما خَشْيَتَانِ: خَشْيَةُ رَبِّ المالِ من زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ، وخَشْيَةُ السَّاعِى من نُقْصَانِها. فليس لأرْبابِ الأمْوالِ أن يَجْمَعُوا أمْوَالَهُم المُتَفَرِّقَةَ، التى كان الوَاجِبُ فى كُلِّ واحِدٍ منها شَاةً، لِيَقِلَّ الوَاجِبُ فيها، ولا أن يُفَرِّقُوا أمْوَالَهُم المُجْتَمِعَةَ، التى كان فيها باجْتِماعِها فَرْضٌ، لِيَسْقُطَ عنها (4) بِتَفْرِقَتِها (5)، وليس لِلسَّاعِى أن يُفَرِّقَ بين الخُلَطَاءِ، لِتَكْثُرَ الزَّكَاةُ، ولا أن يَجْمَعَها إذا كانت مُتَفَرِّقَةً لِتَجِبَ الزكاةُ، ولأنَّ المَالَيْنِ قد صارَا كالمالِ الوَاحِدِ فى وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فكذلك فى إخْرَاجِها. ومتى أخَذَ السَّاعِى الفَرْضَ من مَالِ أحَدِهما، رَجَعَ على خَليطِه بِقَدْرِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ من الفَرْضِ، فإذا كان لأحَدهما ثُلُثُ المالِ، ولِلْآخَر ثُلُثَاهُ، فأخَذَ الفَرْضَ من مَالِ صَاحِبِ الثُّلُثِ، رجع بِثُلُثَىْ
(1) فى الأصل: "ولا".
(2)
سقط من: م. أى لا يتجه إلى كل من الخليطين فيقول له هذا القول.
(3)
تقدم تخريجه فى صفحة 10.
(4)
فى الأصل: "منها".
(5)
فى ب: "بتفريقها".