الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلَى الوَارِثِ مُؤْنَةُ المَوْرُوثِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه مُؤْنَتُهُ، فَيُغْنِيهِ بِزَكَاتِه عن مُؤْنَتِه، ويَعُودُ نَفْعُ زَكاتِه إليه، فلم يَجُزْ، كدَفْعِها إلى والِده، أو قضاءِ دَيْنِه بها. والحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فيُحْمَلُ عليها. فعلَى هذا إن كان أحَدُهما يَرِثُ الآخَرَ، ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالعَمَّةِ مع ابْنِ أخيها، والعَتِيقِ مع ابنِ (5) مُعْتِقِه، فعلَى الوَارِثِ منهما نَفَقَةُ مَوْرُوثِه (6)، ولَيْسَ له دَفْعُ زَكَاتِه إليه، وليس على المَوْرُوثِ منهما نَفَقَةُ وَارِثِه، ولا يُمْنَعُ من دَفْعِ زَكَاتِه إليه، لِانْتِفَاءِ المُقْتَضِى لِلْمَنْعِ. ولو كان الأخَوَانِ لأحَدِهما ابْنٌ، والآخَرُ لا وَلَدَ له، فعلَى أبي الابْنِ نَفَقَةُ أخِيهِ، وليس له دَفْعُ زَكَاتِه إليه، ولِلَّذِي (7) لا وَلَدَ له، له دَفْعُ زَكَاتِه إلى أخِيهِ، ولا يَلْزَمُه نَفَقَتُهُ؛ لأنَّه مَحْجُوبٌ عن مِيرَاثِه. ونحوُ هذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. فأمَّا ذَوُو الأرْحَامِ في الحالِ التي يَرِثُونَ فيها، فيجوزُ دَفْعُها إليهم، في ظَاهِرِ المذهبِ؛ لأنَّ قَرَابَتَهم ضَعِيفَةٌ، لا يَرِثُ بها مع عَصَبَةٍ، ولا ذِي فَرْضٍ، غيرُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فلم تَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكاةِ، كقَرَابَةِ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، فإنَّ مَالَهُ يَصِيرُ إليهم، إذا لم يَكُنْ له وَارِثٌ.
425 - مسألة؛ قال: (ولَا لِلزَّوْجِ، ولَا لِلزَّوْجَةِ)
أمَّا الزَّوْجَةُ فلا يجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها إجْماعًا. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ الرَّجُلَ لا يُعْطِي زَوْجَتَهُ من الزكاةِ؛ وذلك لأنَّ نَفَقَتَها وَاجِبَةٌ عليه، فتَسْتَغْنِى بها عن أخْذِ الزَّكاةِ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إليها، كما لو دَفَعَها إليها على سَبِيلِ الإنْفاقِ عليها. وأما الزَّوْجُ، ففيهِ رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا يجوزُ دَفْعُها إليه. وهو اخْتِيَارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فلم يَجُزْ للآخَر دَفْعُ زَكَاتِه إليه كالآخَرِ، ولأنَّها تَنْتَفِعُ بِدَفْعِها إليه؛ لأنَّه إن كان عَاجِزًا عن الإنْفَاقِ عليها،
(5) سقط من: أ، ب، م.
(6)
في أ، م:"مورثه".
(7)
في أ، م:"والذي".
تَمَكَّنَ بِأخْذِ الزكاةِ من الإنفَاقِ، فَيَلْزَمُه، وإن لم يَكُنْ عَاجِزًا، ولكنَّه أيْسَرَ بها، لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ المُوسِرِينَ، فَتَنْتَفِعُ بها في الحَالَيْنِ، فلم يَجُزْ لها ذلك، كما لو دَفَعَتْها في أُجْرَةِ دَارٍ، أو نَفَقَةِ رَقِيقِها أو بَهَائِمِها. فإن قِيلَ: فيُلْزَمُ على هذا الغَرِيمُ؛ فإنه يَجُوزُ له دَفْعُ زَكَاتِه إلى غَرِيمِه، ويُلْزَمُ الآخِذُ بذلك وَفَاءَ دَيْنِه؛ فيَنْتَفِعُ الدَّافِعُ بِدَفْعِها إليه. قُلْنَا: الفَرْقُ بينهما من وَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ آكَدُ من حَقِّ الغَرِيمِ، بِدَلِيلِ أنَّ نَفَقَةَ المَرْأَةِ مُقَدَّمَةٌ في مَالِ المُفْلِسِ على أدَاءِ دَيْنِه، وأنها تَمْلِكُ أَخْذَها من مَالِه بِغيرِ عِلْمِه، إذا امْتَنَعَ من أدَائِها. والثاني، أنَّ المَرأةَ تَنْبَسِطُ في مَالِ زَوْجِها بِحُكْمِ العَادَةِ، ويُعَدُّ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما مَالًا للآخَر، ولهذا قال ابْنُ مسعودٍ، في عَبْدٍ سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَةِ سَيِّدِه: عَبْدُكم سَرَقَ مَالَكم. ولم يَقْطَعْهُ. وَرُوِيَ ذلك عن عمرَ. وكذلك لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما لِصَاحِبِه، بِخِلافِ الغَرِيمِ مع غَرِيمِه. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَجُوزُ لها دَفْعُ زَكَاتِها إلى زَوْجِها. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وطَائِفَةٍ من أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ زينبَ امْرَأةَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قالت: يا نَبِيَّ اللهِ، إنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وكان عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فأرَدْتُ أن أتصَدَّقَ به، فزَعَمَ ابْنُ مسعودٍ أنَّه هو وَوَلَدَه أحَقُّ مَن تَصَدَّقْتُ عليهم. فقال النَّبِي صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1). وروى أن امْرَأةَ عبدِ اللهِ سَألَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن بَنِي أخٍ لها أَيْتَامٍ في حِجْرِهَا، أفَتُعْطِيهِم زَكَاتَها؟ قال:"نَعَمْ"(2). ورَوَى الجُوزَجَانِيُّ، بإسْنَادِهِ عن عَطَاءٍ، قال: أتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا أنْ أتَصَدَّقَ بعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وإنَّ لي زَوْجًا فَقِيرًا، أفيُجْزِئُ عَنِّي أن أُعْطِيَهُ؟ قال: "نَعَمْ، لَكِ كِفْلَانِ (3) من
(1) في: باب الزكاة على الأقارب، من كتاب الزكاة. صحيح البخاري 2/ 149.
(2)
أخرجه ابن ماجه، في: باب الصدقة على ذي القرابة، من كتاب الزكاة. سنن ابن ماجه 1/ 587.
(3)
الكفل: النصيب.