الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى بُيُوتِهِنَّ، ولم يَأْذَنْ لهنَّ فى المسجدِ. وأمَّا الصلاةُ فلا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الاعْتِكافِ بها، فإنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فى بَيْتِه أفْضَلُ، ولا يَصِحُّ اعْتِكافُه فيه.
فصل:
ومَن سَقَطَتْ عنه الجماعَةُ من الرِّجالِ، كالمَرِيضِ إذا أحَبَّ أن يَعْتَكِفَ فى مسجدٍ لا تُقامُ فيه الجَمَاعَةُ، يَنْبَغِى أن يجوزَ له ذلك؛ لأنَّ الجماعةَ ساقِطَةٌ عنه، فأشْبَهَ المَرْأَةَ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ له ذلك؛ لأنَّه من أهْلِ الجماعةِ، فأشْبَهَ مَن تَجِبُ عليه، ولأنَّه إذا الْتَزَمَ الاعْتِكافَ، وكلَّفه نَفْسَهُ، فيَنْبَغِى أن يَجْعَلَهُ فى مَكَانٍ تُصَلَّى فيه الجماعةُ. ولأنَّ مَن الْتَزَمَ ما لا يَلْزَمُه، لا يَصِحُّ [إلَّا بشَرْطِه](15)، كَالمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ والصلاةِ.
فصل: وإذا اعْتَكَفَتِ المَرْأَةُ فى المسجدِ، اسْتُحِبَّ لها أن تَسْتَتِرَ بِشىءٍ؛ لأنَّ أزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أرَدْنَ الاعْتِكافَ أمَرْنَ بِأبْنِيَتِهِنَّ فَضُرِبْنَ فى المسجدِ، ولأنَّ المسجدَ يَحْضُرُهُ الرِّجالُ، وخَيْرٌ لهم ولِلنِّساءِ أن لا يَرَوْنَهُنَّ ولا يَرَيْنَهُم. وإذا ضَرَبَتْ بِناءً جَعَلَتْهُ فى مكانٍ لا يُصَلِّى فيه الرِّجالُ، لِئَلَّا تَقْطَعَ صُفُوفَهم، ويُضَيَّقَ عليهم. ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ أيضًا؛ فإنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِبِنَائِه فضُرِبَ، ولأنَّه أسْتَرُ له، وأخْفَى لِعَمَلِه. ورَوَى ابنُ مَاجَه (16)، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ فى قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، على سُدَّتِهَا (17) قِطْعَةُ حَصِيرٍ. قال: فأخَذَ الحَصِيرَ بِيَدِه، فنَحَّاهَا فى نَاحِيَةِ القِبْلَةِ، ثمَّ أطْلَعَ رَأْسَهُ، فكَلَّمَ النَّاسَ. واللهُ أعلمُ.
529 - مسألة؛ قال: (ولَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ، أوْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُعْتَكِفَ ليس له الخُرُوجُ مِن مُعْتَكَفِه، إلَّا لما لا بُدَّ له منه،
(15) فى أ، ب، م:"بدون شروطه".
(16)
فى: باب الاعتكاف فى خيمة المسجد، من كتاب الصِّيام. سنن ابن ماجه 1/ 564.
كما أخرجه مسلم، فى: باب فضل لَيْلَة القدر. . .، من كتاب الصِّيام. صحيح مسلم 2/ 825.
(17)
السدة: باب الدار.
قالتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها: السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لما لا بُدَّ له منه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (1). وقالتْ أيضًا: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا اعْتَكَفَ يُدْنى إلىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عليه (2). ولا خِلافَ في أنَّ له الخُرُوجَ لما لا بُدَّ له منه. قال ابنُ المُنْذِرِ (3): أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أن يَخْرُجَ من مُعْتَكَفِه لِلْغَائِطِ والبَوْلِ. ولأنَّ هذا ممَّا لا بُدَّ منه، ولا يُمْكِنُ فِعْلُه لنى المسجدِ، فلو بَطَلَ الاعْتِكافُ بِخُرُوجِه إليه، لم يَصِحَّ لأحدٍ الاعْتِكافُ، ولأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كان يَعْتَكِفُ، وقد عَلِمْنا أنَّه كان يَخْرُجُ لِقَضاءِ حاجَتِه، والمُرَادُ بِحاجَةِ الإِنْسانِ البَوْلُ والغائِطُ، كَنَى بذلك عنهما؛ لأنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَحْتاجُ إلى فِعْلِهما، وفى مَعْنَاه الحاجَةُ إلى المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، إذا لم يَكُنْ له مَن يَأْتِيه به، فله الخُرُوجُ إليه إذا احْتاجَ إليه، وإن بَغَتَهُ القَىْءُ، فله أن يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأَ خارِجَ المسجدِ، وكلُّ ما لا بُدَّ له منه، ولا يُمْكِنُ فِعْلُه فى المَسْجِدِ، فله الخُرُوجُ إليه، ولا يَفْسُدُ اعْتِكافُه وهو عليه، ما لم يُطِلْ. وكذلك له الخُرُوجُ إلى ما أوْجَبَهُ اللهُ تعالى عليه، مثل مَن يَعْتَكِفُ فى مسجِدٍ لا جُمُعَةَ فيه، فيحْتاجُ إلى خُرُوجِه لِيُصَلِّىَ الجُمُعَةَ، ويَلْزَمُهُ السَّعْىُ إليها، فله الخُرُوجُ إليها، ولا يَبْطُلُ اعْتِكَافُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَعْتَكِفُ فى غير الجامِعِ، إذا كان اعْتِكَافُه يَتَخَلَّلُه جُمُعَةٌ. فإن نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتابِعًا، فَخَرَجَ منه لِصلاةِ الجُمُعَةِ، بَطَلَ اعْتِكَافُه، وعليه الاسْتِئْنَافُ؛ لأنَّه أمْكَنَهُ فَرْضُه بحيثُ لا يَخْرُجُ منه، فبَطَلَ بِالخُرُوجِ، كالمُكَفِّرِ إذا ابْتَدَأَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ المُتَتَابِعَيْنِ فى شعبانَ أو ذِى الحِجَّةِ. ولَنا، أَنَّه خَرَجَ لِوَاجِبٍ، فلم يَبْطُلِ اعْتِكافُه، كالمُعْتَدَّةِ تَخْرُجُ لِقَضَاءِ العِدَّةِ، وكالخَارِجِ لإِنْقاذِ غَرِيقٍ، أو إطْفَاءِ حَرِيقٍ، أو أدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَتْ
(1) فى: باب المعتكف يعود المريض، من كتاب الصِّيام. سنن أبي داود 1/ 575.
(2)
تقدَّم تخريجه فى صفحة 461.
(3)
فى أ: "ابن عبد البر".