الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي الحديث: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) انتهى.
[هل يجوز أن يخلو الزمان عن مجتهد
؟]
قال ابن أبي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد اختلفوا في جواز خلو الزمان عن مجتهد فذهب الأكثرون إلى جواز خلوه عن مجتهد مطلق ومقيد وهو المجتهد في مذهب المجتهد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) .
وذهبت الحنابلة إلى عدم جواز الخلو محتجين بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) .
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في شرح العنوان وهو المختار عندنا: لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. ويوافقه قوله في خطبة شرح الإلمام: والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بدلها من سالك أداء الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى ويتتابع بعده مالا يبقى معه إلا قدوم الأخرى.
وقال والده الشيخ مجد الدين في كتابه تلقيح الأفهام عن المجتهد في هذه الأعصار: وليس ذلك لتعذر حصول آلة الاجتهاد بل لإعراض الناس في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك. انتهى ما حكاه ابن أبي زرعة.
وقال الفهامة الشعراني في الميزان نقلاً عن الجلال السيوطي إن الاجتهاد
المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الذين ذكرناهم كأبي يوسف ومحمد قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة الإمام محمد بن جرير الطبري ولم يسلم له ذلك اهـ.
ويحتمل أن العلماء الذين كانوا يفتون الناس على المذاهب الأربعة أطلعهم الله تعالى على عين الشريعة الأولى وشهدوا اتصال جميع أقوال الأئمة المجتهدين بها - إلى أن قال: ولما ادعى الجلال السيوطي - رحمه الله تعالى - مقام الاجتهاد المطلق المنتسب كان يفتي الناس بالأرجح من مذهب الشافعي فقالوا له: لم لا نفتيهم بالأرجح عندك؟ فقال: لم يسألوني ذلك وإنما سألوني عما عليه الإمام وأصحابه: فيحتاج من يفتى الناس على الأربعة المذاهب أن يعرف الراجح عند أهل كل مذهب ليفتى به المقلدين، إلا أن يعرف من السائل أنه يعتمد علمه ودينة وينشرح صدره لما يفتيه ولو كان مرجوحاً فمثل هذا لا يحتاج إلى الاطلاع ما هو الأرجح عند أهل كل مذهب - انتهى.
ونقل أيضاً في الميزان عن الإمام أحمد أنه كان يقول: كثرة التلقيد عمى في البصيرة كأنه يحث العلماء على أن يأخذوا أحكام دينهم من عين الشريعة ولا يقنعوا بالتقليد من خلف حجاب أحد المجتهدين.
وروى الطبراني مرفوعاً: ((أن شريعتي جاءت على ثلثمائة وستين طريقة ما سلك أحد طريقة منها إلا نجا)) ونقل عن الشيخ محيى الدين أنه قال في الفتوحات: لا ينبغي لأحد أن يخطئ مجتهداً أو بطعن في كلامه لأن الشرع الذي هو حكم الله تعالى قد قرر حكم المجتهد فصار شرعاً لله تعالى بتقرير الله تعالى إياه.
قال: وهذه مسألة يقع في محظورها كثير من أصحاب المذاهب لعدم استحضارهم ما ينبههم عليه مع كونهم عالمين به فكل من خطأ مجتهداً بعينه فكأنه خطأ الشارع فيما قرره حكماً - انتهى.
(قلت) الظاهر أن يشير بهذا إلى أن كل مجتهد مصيب وقد قال في الباب التاسع والستين من الفتوحات وكان ينبغي في هذه المسألة وأمثالها أن لا يتصور خلاف ولكن جعل الله تعالى هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعاً فيما كلفهم من عبادته.
لكن فقهاء زماننا حجروا وضيقوا على الناس ما وسع الشرع عليهم فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب: لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك وكذلك قالوا في حق كل واحد منهم وهذا من أعظم الرزايا والحرج في الدين والله سبحانه يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] والشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلده فأنف فقهاء زماننا من ذلك وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين.
وهذا غاية الجهل منهم فليس الأمر والله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ولا حصلوا درجة الاجتهاد ولا نقلوا عن أئمتهم أنهم سلكوا هذا المسلك فكذبوا أنفسهم في قولهم: إنهم ما عندهم استعداد للاجتهاد والذي حجروه على المقلدين ما يكون إلا باجتهاد نعوذ بالله تعالى من الغي والخذلان؟ فما أرسل الله تعالى رسول إلا رحمة للعالمين وأي درجة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم والخطب الملم - انتهى.
وله مثل هذا في غير موضع وسيأتي بعضه في فصل التقليد إن شاء الله تعالى وقال جد والدي لأمه العلامة الشيخ حسين العشارى الشافعي في حاشيته
على الحضرمية: جوز بعضهم تقليد غير الأربعة كالصحابة رضي الله عنهم في حق ونفسه بشرط أن يعلم نسبة ذلك القول إلى قائله وقد نظم ذلك بعضهم فقال: [رجز] .
وجاز تقليد لغير الأربعة
…
في حق نفسه ففي هذا سعه
لا في قضاء مع إفتاء ذكر
…
هذا عن السبكي الإمام مشتهر
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي قدس سره في فصل صلاة الكسوف من الفتوحات ما نصه: فإن أخطأ المجتهد فلا وزر عليه وهو مأجور، وإن ظهر له النص وتركه لقياسه الجلى في زعمه فلا عذر له عند الله تعالى وهو مأثوم وأكثر ما يكون هذا من الفقهاء المقلدين للأئمة الذين قالوا لهم: لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا فيه فإن الحديث مذهبنا وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل وما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ولهذا كان يقول مالك رحمه الله تعالى إذا سئل في نازلة: هل وقعت؟ فإن قيل: لا يقول:لا أفتى. وإن قيل له: نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله.
فأبت المقلدة من فقهاء زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها للحديث الذي أمرها به إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله تعالى في قوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر7] وعصت الرسول في قوله {فاتبعوني} وعصت إمامها في قوله: خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط.
فهؤلاء في كسوف دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة فلا هم مع الله سبحانه وتعالى ولا مع رسوله صلى الله عليه وسلم ولا مع إمامهم