الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما اقتضاه العالم من نفسه، وما أقتضى العالم من نفسه إلا هذا الوجه الذى هو عليه فيكون مختاراً. أنتهى.
قال: وقد رد عليه عبد الكريم، ويكفى في ظاهر رده قوله تعالى:{وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص 68] فتأمل، لأن المتبادر من كلام الشيخ قدس سره مشكل عند أهل السنة، والله تعالى العاصم. أنتهى كلام الوالد فتدبر.
[وهل كان يقول بالحسمية والجهة والانتقال]
(قوله بالجسمية والجهة والانتقال) - أقول: اجتمعت الفرقة الناجية أنه سبحانه منزه عن مشابهته لخلقه في ذاته وصفاته، وأنه سبحانه ليس بجسم، خلافاً للمجسمة والمشبهة فإنهم قالوا: إنه تعالى جسم، ثم اختلفوا فقالت الكرامية - وهم أصحاب أحمد بن كرام أى فرقة منهم -: وهو جسم أى موجود.
وقوم آخرون منهم قالوا: هو جسم أى قائم بنفسه، فلا نزاع معهم على التفسير إلا في التسمية أى إطلاق لفظ الجسم عليه سبحانه، ومأخذها التوقيف ولا توقيف هنا.
والمجسمة قالوا: هو جسم حقيقة، فقيل: مركب من لحم ودم، كمقاتل ابن سليمان وغيره قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقيل هو نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله شبعة أشبار من شبر نفسه.
ومن المجسمة من يبالغ ويقول: إنه على صورة إنسان، فقيل: شاب أمرد جعد قطط أى شديد الجعودة. وقيل: هو شيخ أشمط الرأس واللحية.
وقال السفاريني الحنبلي: هم أقسام، فمنهم مشبهه غلاة الشيعة، ومنهم مشبهه الحشوية قالوا: هو سبحانه من لحم ودم، وله الأعضاء، حتى قال بعضهم
لأصحابه: أعفوني من اللحية والفرج، وسلونى عما وراءهما، ومنهم مشبهه الكرامية أصحاب عبد الله بن أبى محمد بن كرام - كشداد - قالوا: إن الله تعالى على العرش من جهة العلو. وتجوز عليه الحركة والنزول، فقيل يملأ العرش. واختلفوا بعد أمتناه أو غيره. ومنهم من اطلق عليه لفظ الجسم.
قالوا: وتحل الحوادث في ذاته تعالى، وإنما يقدر عليها دون الخارجة عن ذاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! ولهم اعتقادات أخر من أرادها فليرجع إلى الكتب المفصلة: أنتهى.
وقد شذ بعض من الحنابلة فأومأوا إلى التجسيم كأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء، فقد قال ابن الوردى في ترجمته عنه: انتشر مذهب أحمد وله كتاب الصفات فيه كل عجيبة، ويدل على التجسيم المحض حتى كان ابن التميمى الحنبلى يقول: لقد نجس أبو يعلى الفراء، الحنابلة بشئ لا يغسله الماء.
وكذا ابن الجوزى تكلم في ابن الزاغوانى الحنبلى ومن وافقه بمثل ذلك، وبين أن مذهب الإمام أحمد قد شانته بالتجسيم اقوال أولئك. وأما الإمام وسائر متابعته فحاشاهم من التجسيم، كما لا يخفى على منصف نبيه ومطلع سليم.
وقال الأصفهاني في شرح الطوالع: أعلم أن جميع المجسمة اتفقوا على أنه تعالى في جهة. والكرامية اختلفوا فقال محمد بن الهضيم منهم: إنه تعالى في جهة فوق العرش لا نهاية لها، والبعد بينه وبين العرش أيضاً لا نهاية له. وقال بعض أصحابه: البعد متناه، وكلهم نفوا عنه خمساً من الجهات، واثبتوا له التحت الذى هو مكان غيره وباقى اصحاب محمد بن الهضيم قالوا بكونه على صورة أي صورة إنسان قلت: ولعل شبهتهم ما روى: ((أن الله خلق آدم على صورته)) وأمثال ذلك من المتشابه. وقالوا بمجيئه وذهابه.
واحتج المصنف على نفى الجهة، ولم يحتج على نفى الجسمية، لأن نفى الجهة يستلزم نفي الجسمية، ولأن الحجة على نفي الجهة مشتملة على نفي الجسمية. إذا عرفت هذا فنقول: لو كان الله تعالى في جهة وحيز فإما أن ينقسم فيكون جسماً وكل جسم مركب ومحدث، فيكون الواجب مركباً ومحدثاً وهذا خلف.
أولاً ينقسم فيكون جزءاً لا يتجزأ وهو محال بالاتفاق.
وأيضاً لو كان الله تعالى في جهة وحيز لكان متناهي القدر، واللازم باطل فالملزوم مثله. قيل: والأولى أن يقال: لو كان الله تعالى جهة وحيز لكان قابلاً للقسمة والأشكال والأكوان، إى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وكل ذلك في حقه تعالى محال، لأن وجوب الوجود ينافى هذه الأمور.
واحتج المثبتون للجهة والحيز بالعقل والنقل، أما العقل فمن وجهين:
الأولى: أن بديهة العقل حاكمة بان كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر كالجوهر وعرضه. أو أحدهما مبايناً عن الآخر في الجهة كالسماء والأرض، والله سبحانه ليس محلاً للعالم ولا حالا فيه، فيكون مبايناً عن العالم في الجهة.
الثاني: الجسم يقتضي الحيز والجهة، لكونه موجوداً قائماً بنفسه فيكون مشاركاً للجسم في اقتضاء الحيز والجهة، فيكون في حيز وجهة.
وأما النقل فآيات وأحاديث تشعر بالجسمية والجهة، منها قوله تعالى:{والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر 67] وقوله تعالى: {لما خلقت بيدى} [ص 75] وقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح 10] وقوله تعالى:
{الرحمن على العرش أستوى} [طه 5] وقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر 10] وقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} [الرحمن 27] . وقوله تعالى: {وجاء ربك} [الفجر 22] وقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} [الملك 19] وقوله تعالى: {يا هامان ابن لي صرحاً} [غافر 36] وقوله تعالى: {دنا فتدلى} [النجم 8] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((قلب المؤمن بين أصبعين من اصابع الرحمن)) وقوله عليه السلام: ((يضع الجبار قدمه على النار)) وقوله عليه السلام: ((الكرسى موضع القدمين)) وقوله عليه السلام ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقوله عليه السلام: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) وقوله عليه السلام: ((إن الله عز وجل خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مه، فقالت: هذا مكان العائد بك من القطيعة)) وقوله عليه السلام: ((إن نفس الرحمن من قبل اليمن)) وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال الأصفاني: أوجيب عن الوجه الأول بمنع الحصر، بأنا لا نسلم أن كل موجودين يجب أن يكون أحدهما سارياً في الآخر أو مبايناً له في الجهة، لجواز أن يكون مبايناً له في الذات والحقيقة لا في الجهة، ويمنع شهادة البديهة لاختلاف العقلاء فيه فإنه لو كان بديهة العقل شاهدة بأن كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً عنه في الجهة لما أختلف العقلاء فيه.
وأجيب عن الوجه الثاني بأن الجسم يقتضى الحيز والجهة بحقيقة المخصوصة والله سبحانه لا يشاركه في اقتضاء الحيز والجهة.
وأجيب عن الآيات المذكورة القابلة للتأويل: بأنها لظهورها لا تعارض القواطع العقلية التى لا تقبل التأويل لقطعها. وحينئذ إما أن تفوض علمها إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف. وقول من أوجب الوقف على ((إلا الله)) في