الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قد استوى بشر على العراق *
وتعقب بأن الاستيلاء معناه، حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه تعالى، وأيضاً يقال: أستولى فلان على كذا، وإذا كان له منازع ينازعه وهو في حقه تعالى محال أيضاً. وأيضاً إنما يقال ذلك إذا كان المستولى عليه موجوداص قبل، والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه. وأيضاً الاستيلاء واحد إلى كل المخلوقات، فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.
[أنتصار الرازى لتأويلات الخلف]
واجاب الإمام الرازى بانه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المصنف.
وقال الزمخشرى: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على العرش ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك، لأنه أشرح وأبسط وادل على صورة الامر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت. حتى إن من لم يبسط يده قط بالنوال، أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة، لمساواته عندهم قولهم جواد، ومنه قوله تعالى {وقالت اليهود يد الله} الآية. عفوا الوصف بالبخل، ورد عليهم بانه جل جلاله جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط. أهـ.
وتعقبه الإمام قائلاً: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون ايضاً، المراد من قوله تعالى:{أخلع نعليك} الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل. وقوله تعالى: {يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم} المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام عن يد ذلك الظالم من
غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبته. وكذا القول في كل ماروى في كتاب الله تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقة، إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه - وليت من لم يعرف شيئاً لم يخ فيه أهـ.
ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات. إذ لا داعى لها هناك، والداعى للتأويل بما ذكره الزمخشرى قوى عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزاله المعنى. فإن ما أختاره أجزل من معنى الاستيلاء، سواء كان معنى حقيقياً للاستواء، كما هو ظاهر كلام الصحاح والقاموس وغيرهما أو مجازاً كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلاً.
واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه:
الأول: أنه سبحانه كان ولا عرش، لما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنبا عنه.
الثاني: أن المستقر على العرش لابد أن يكون الجزء الفاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره، فيكون سبحانه في نفسه مؤلفاً وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث.
الثالث: أن المستقر على العرش إما أن يكون متمكناً من الانتقال والحركة، ويلزم حينئذ أن يكون سبحانه محل الحركة والسكون، وهو قول بالحدوث. أو لا يكون متمكناً من ذلك فيكون رجل وعلاً كالزمن بل أسوأ حالاً منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الرابع: أنه قيل بتخصصه سبحانه بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص، وهو افتقار ينزه الله تعالى منه. وإن قيل: بأنه عز وجل يحصل بكل مكان لزم ما لا يقوله عاقل.
الخامس: أن يقول تعالى {ليس كمثله شئ} عام في نفي المماثلة، فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس، فحينئذ تبطل الآية.
السادس: أنه تعالى لو كان مستقراً على العرش لكان محمولاً للملائكة لقوله تعالى، {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} وحامل حامل الشئ حامل لذلك الشئ، وكيف يحمل المخلوق خالقه؟؟
السابع: أنه لو كان المستقر في المكان إلهاً ينسد باب القدح في إلهية الشمس والقمر.
الثامن: أن العالم كرة، فالجهة التى هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت بالنسبة إلى آخرين وبالعكس، فليزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه إثبات الجهة المقابلة لها أيضاً بالنسبة إلى بعض. وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال: المعبود تحت.
التاسع: أن الأمة اجتمعت على أن قوله تعالى {قل هو الله أحد] من المحكمات، وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب والانقسام، فلا يكون سبحانه أحداً في الحقيقة فيبطل ذلك الحكم.
العاشر: أن الخليل عليه السلام قال: ((لا أحب الآفلين)) فلو كان تعالى مستقرا على العرش لكان جسماً ىفلاً أبداً، فيندرج تحت عموم هذا القول. أهـ.
ثم إنه عفا الله تعالى عنه ضعف القول بأنا انقطع أنه ليس مراد الله تعالى ما يشعربه الظاهر، بل مراده سبحانه شئ آخر، ولكن لا نعين ذلك المراد خوفاً من الخطأ بأنه عز وجل لما خاطبنا بلسان العرب وجب ألا نريد باللفظ إلا موضوعه في لسانهم، وإذا كان لا معنى للاستواء في لسانهم إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقار فوجب حمله على الاستيلاء، وإلا
لزم تعطيل اللفظ وأنه غير جائز، وإلى نحو هذا ذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال في بعض فتاويه: طريقة التأويل بشرطه - وهو قرب التأويل - أقرب إلى الحق، لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه، وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه، لأنه سبحانه قال:{ثم إن علينا بيانه} و {لتبين للناس ما نزل إليهم} . وهذا عام في جميع آيات القرآن، فمن وقف على الدليل أفهمه الله تعالى مراده من كتابه، وهو اكمل ممن لم يقف على ذلك، إذ لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفيه توسط في المسألة.
وقد توسط ابن الهمام في المسايرة وقد بلغ رتبة الاجتهاد كما قال عصرينا ابن عابدين الشامي في رد المختار حاشية الدار المختار - توسطاً أخص من هذا التوسط، فذكر ما حاصله: وجوب الإيمان بأنه تعالى استوى على العرش مع نفى التشبيه كون المراد استولى فأمر جائز الإرادة لا وواجبها، إذ لا دليل عليه. وإذا خيف على العامة عدم فهمهم بالاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية، فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فإنه قد يثبت إطلاقه عليه لغة في قوله:[طويل]
فلما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر
وقوله: قد أستوى بشر.. البيت المشهور.
وعلى نحو ما ذكر: كل ما ورد مما ظاهرة الجسمية في الشاهد كالأصبع والقدم واليد. ومخلص ذلك التوسط في القريب بين أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو لذلك. ونقل أحمد زروق عن أبي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهه لا ترتفع إلا به. وأنت تعلم أن طريقة كثير من الأعلام وأساطين الإسلام - الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التشبيه والتجسيم، منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزى،