الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[القول في فناء النار]
(قوله: وقال إن النار تفنى) وقد شنع عليه أيضاً في كتابه الزواجر بما نصه: لا ينافي ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو: ((ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها احد)) وذلك بعد ما يلبثون فيها احقاباً، لأن في سنده من قالوا: إنه غير ثقة، وصاحب أكذاب كثيرة عظيمة.
نعم، نقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة. قال ابن تيميه: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وحماد بن سلمة، وبه قال على بن طلحة الوالبى، وجماعة من المفسرين. انتهى.
ويرد ما نقله الحسن البصري قول غيره، قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره، والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شئ، وعلى التنزيل فمعنى كلامهم كما قال العلماء: ليس فيها احد من عصاة المسلمين.
وأما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها ابداً، كما ذكره تعالى في آيات كثيرة.
وفي تفسير الفخر الرازى قال: إن عذاب الله تعالى منقطع وله نهاية واستدلوا بقوله تعالى: {إلا ماشاء ربك) وبـ {لا بثين فيها أحقابا} وبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم. انتهى مافي الرواجز. وسيتبين لك إن شاء الله تعالى تفصيل هذا المطلب، وينجلى ببسط المذاهب فيه الغيهب، فأقول:
[هل الجنة والنار موجودتان؟ وأين؟ وهل هما ابديتان
؟]
أختلف أقوال المسلمين في وجود الجنة والنار الآن، وفي أبدية النار وعدم فنائها ومحلهما. فأهل السنة ذهبوا إلى أن النار كالجنة مخلوقة الآن. والمعتزلة
إلى عدم وجودها الان، وقالوا: بل ينشئها يوم المعاد لأن خلقها الآن عبث. وتأولوا الجنة في قصة آدم عليه السلام. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كافية في ردهم، دامغة لرءوسهم.
واما محلهما - فالصحيح أن الجنة فوق السماء السابعة وسقفها العرش. وان النار في الأرض السابعة. وقيل: الجنة في السماء الرابعة. وقيل: كلاهما فوق السماوات. وقيل: النار تحت سبعة أبحر. وأخرج أبو الشيخ عن كعب في قوله تعالى: {والبحر المسجور} قال البحر يسجر فيصير جهنم.
وأما أبديتهما فقد قال العلامة ابن القيم في كتابه ((حادى الأرواح)) أما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد فمما يعلم بالاضطرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، قال الله تعالى:{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود 108] أى غير مقطوع. ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} نعم، أختلف السلف هذا الاستثناء فقال الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة. وقالت فرقة: العزيمة وقعت لهم من الله سبحانه بالخلود الدائم، إلا أن يشاء الله تعالى خلاف ذلك إعلاماً لهم مع خلودهم في مشيئة الله سبحانه. وهذا كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك} وغيره. ونظير ذلك مما يخبر به سبحانه عباده: أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقالت فرقة: المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبداً. وقيل غير ذلك. فقوله تعالى: {غير مجذوذ} وقوله سبحانه {أكلها دائم وظلها} ، {وما هم بمخرجين} والأحاديث العديدة في ذلك نصوص
قاطعة في عدم فناء الجنة. ولم يقل بفنائها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من ائمة المسلمين. ومن قال به فهو ضال مبتدع منحرف عن الصواب.
وزعمت الجهمية، أن الجنة والنار يفنيان، وهو قول إمامهم جهم بن صفوان - وليس له في ذلك سلف.
واما أبدية النار - ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف. والأصح عدم فنائها أيضاً، قال الفاضل السفارينى في كتابه ((البحور الزاخرة في أحوال الآخرة)) ناقلاً عن المحقق ابن القيم في ((حادى الأرواح)) وثمة أقوال سبعة - يعنى ما عدا القول المشهور لدى الجمهور: من دخول بعض عصاة المسلمين وخروجهم بالشفاعة، ورحمة رب العالمين، وتخليد الكفرة الفاجرين.
احدها - من يدخل النار لا يخرج منها أبداً، بل كل من دخلها يخلد فيها، وهذا هو قول الخوارج والمعتزلة.
الثاني - أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم ينقلب عليهم، وتبقى طبيعتهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم. وهذا قول ابن عربي صاحب الفتوحات. وهو مخالف لما علم بالاضطرار من الايات القرآنية والأخبار المحمدية.
الثالث - أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود. ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون.
وهذا قول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، فاكذبهم نص اليهود على كذبهم - فهو قول اليهود ومن سلك هذا المسلك، فسلفه فيه اليهود أهل المكر والخداع، وقد علم فساده من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
الرابع - قول من يقول: يخرجون منها وتبقى ناراً على حالها ليس فيها أحد يعذب، حكاه شيخ الإسلام عن بعض الفرق - والكتاب والسنة يردانه.
الخامس - أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقائه - وهذا قول جهم وشيعته، ولا فرق عنده، ولا فرق بين الجنة والنار.
السادس - انها تفنى حركات أهلها وحياتهم، ويصيرون جماداً لا يتحركون ولا يحسون بألم - وهذا قول أبي الحسين العلاف، إمام المعتزلة.
السابع - قول من يقول: بل ينفيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمداً تنتهى إليه ثم نفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: ونقل هذا عن عمر بن حميد وهو من أجل علماء الحديث عن الحسن رحمه الله تعالى قد: قال عمر رضي الله عنه: لو لبث أهل النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
واعلم أن الإمام ابن القيم قدس الله تعالى روحه انتصر لهذا القول أنتصاراً عظيماً، ومال إليه ميلاً جسيماً، وذكر له خمسة وعشرين دليلاً، ثم رجع القهقرى وقال: إن قيل إلى أين أنتهى قدمك في هذه المسالة العظيمة؟ قيل: إلى قوله تعالى: {إن ربك فعال لما يريد} وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فيها، حيث ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما كان من خطإ فهو مني ومن الشيطان، والله تعالى ورسوله بريئان منه.
وقال السفاريني في شرح قصيدته: إن لشيخ الإسلام أيضاً ميلاً إلى هذا القول انتهى. وفي الدر المنثور للإمام السيوطي على تفسير هذه الأية في سورة هود ما نصه: أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر رضي الله عنه لو لبث في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. وأخرج إسحق بن راهوية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سيأتى على جهم يوم لا يبقى فيها احد، وقرأ {فأما الذين شقوا} الآية – وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية: {خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهم اسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً. انتهى – وفي شرح عقيدة الإمام الطحاوى بعد كلام طويل ما نصه:
السابع – أنه سبحانه يخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ثم يبقيها ما يشاء ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهى إليه.
الثامن - أن الله تعالى يخرج منها ما يشاء كما ورد في السنة ويبقى فيها الكفار بقاء لا لانقضاء كما قال الشيخ يعنى الطحاوى: وما عدا هذين القولين م الأقوال المتقدمة ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة، ولينظر في دليلهما، فمن أدلة القول الأول قوله تعالى:{قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} وقوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لما يريد} ولم يات بعد هذين الاستثنائين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله:{عطاء غير مجذوذ} وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} وهذا القول أعنى بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم، ورواه عن عمر عبد ابن حميد في تفسيره المشهور.