الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبحق البيت والمشعر الحرام - مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وأما حديث الخارج إلى الصلاة: أسالك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى، وبحق نبيك والأنبياء من قبله فغني لم أخرج أشراً ولا يطرأ، ولا رياء ولا سمعه، وبكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذنى من النار وان تدخلنى الجنة)) فرواه العوفى، وفي رواية وهن.
وعلى فرض صحتها، فالمراد بهذا الحق ما أوجبه الله تعالى على نفسه، وذلك من أفعاله عز وجل، لأن حق السائلين الإجابة، وحق المطيعين الإثابة، وحق الأنبياء التقريب والتفضيل بما يخص أولئك العصابة، صلى الله عليه وسلم وذلك كقوله تعالى:{ولكان حقاً علينا نصر المؤمنين} .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله تعالى أن لا يعذبهم)) أو السؤال بالأعمال لأن الممشى إلى الطاعة امتثالاً لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى:{يايها الذين أمنوا أتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ومن نظر إلى الدعية الواردة في الكتاب والسنة وعن الصحابة والأئمة لم يجدها خارجة عما ذكرنا.
[سقوط الاستدلال بحديث الأعمى]
وقالوا في الجواب عن حديث الأعمى الذى رواه عثمان بن حنيف رضي الله عنه، الذى دل على الجواز في حياته عليه الصلاة والسلام، وفي الرواية الأخرى بعد وفاته، وهو ما نقل العلامة السويدى العمدة في الاستدلال عند المجوزين، لأن غيره من الأحاديث إما أن يكون ضعيفاً لا يصلح للاستدلال، أو انه دليل على المجوزين لا لهم، كحديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنه.
فاعلم أنه قد روى النسائى والترمذى عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً ضريراً أتاه عليه الصلاة والسلام فقال: أدع الله تعالى ان يعافيني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن شئت أخرت وهو خير، إن شئت دعوت)) قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه. وفي رواية: ويصلى ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم اني اسألك) أى أطلب منك (وأتوجه إليك نبيك محمد) صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك قصر السؤال الذى هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به الصلاة والسلام أى بدعائه كما قال عمر، كنا نتوسل إليك بنبيك عليه الصلاة والسلام. فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد. ولذا قال في آخره: اللهم فشفعه في. إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعاً.
ولو كان المراد بذاته الشريفة فقط، لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله:((بنبيك)) كاف في إفادة هذا المعنى. وأيضاً قول الأعمى للنبي صلى الله عليه وسلم: أدع الله تعالى أن يعافيني، وجوابه عليه الصلاة والسلام له:((إن شئت أخرت وهو خير وإن شئت دعوت)) ، وقول الأعمى ((فادعه)) دليل واضح، وبرهان راجح، على ان التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة عليه الصلاة والسلام. وقوله:(يا محمد انى وجهت بدعائك بك إلى ربي)، قال الطيبى: الباء في بك للأستعانة، أى استعنت بدعائك إلى ربي.
وقوله: (إنى توجهت) بعد قوله: (أتوجه إليك) فيه معنى قوله تعالى: {من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه} فيكون خطاباً لحاضر معين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة والسلام، الذى هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك
أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام، فكأنه استحضر وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية، والقرائن الاعتبارية، كما يقول المصلى في تشهده: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته.
ونقل السويدى عن أقتضاء الصراط المستقيم للشيخ: أن الإنسان يفعل مثل هذا كثيراَ، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به والسؤال به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، فإنه يراد به التسبب به لكونه داعياَ وشافعاً مثلاً، أو لكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره، مقتدياً به.
فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد الإقسام والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا شىء منه ولا شىء من السائل؛ بل بذاته لمجرد الإقسام به على الله تعالى فهذا الثاني هو الذى نهوا عنه. وكذلك لفظ السؤال قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.
ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار، وهو حديث مشهور؛ فهم دعوا الله تعالى بصلاح الأعمال؛ لأنها من أعظم ما يتوسل به العبد إليه تعالى ويسأله به؛ لأنه وعد الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله. اهـ.
وقوله: (في حاجتي هذه لتقضى) أي ليقضيها ربي بشفاعته أي في دعائه، وذلك مشروع مأمور به؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام الدعاء، وكان يدعوا لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلاً صالحاً فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلبه
من الأدنى كما طلب النبي عليه أكمل الصلاة وأفضل السلام من الفاروق رضي الله عنه في عمرته بأن قال له: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك)) . قال عمر: ما يسرني بها حمر النعم، وكذلك أمر أمته أن يسألوا له الوسيلة.
وقال العلامة المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير: سأل الله تعالى أولا أن يأذن لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يشفع له، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ملتمساً شفاعته له، ثم كرَّ مقبلاً على ربه أن يقبل شفاعته.
والباء في ((بنبيك)) للتعدية وفي ((بك)) للاستعانة، وقوله:(اللهم فشفعه فيّ) أي أقبل شفاعته في حقي، والعطف بالفاء على معطوف عليه مقدر: أى أجعله شفيعاً لى فشفعه؛ فيكون قوله ((اللهم)) معترضة، وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك، وهو دعاؤه صلى الله عليه وسلم له بكشف عاهته، وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء الخاص، والدعاء أخص من النداء، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقاً، بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم.
وأما كونهم وسئل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقرب إليهم، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون كما تقدم.
قال الشارح: ثم اعلم أن المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما - أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حياً أو ميتاً، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم؛ بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية. الثاني - أن
يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله تعالى، أو نحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها السلف، وإن كان السلام على أهل القبور حائزاً، ومخاطبتم جائزة، كما كان عليه أصحابه يعلم أصحابه عليه الصلاة والسلام إذا زاروا القبور أن يقولوا:((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون)) كما سيأتي.
الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك، أو بحرمته، أو نحو ذلك. فهذا الذي تقدم عن العز بن عبد السلام أنه أفتى أنه لا يجوز في غير النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الحنابلة في أصح القولين، أنه مكروه كراهة تحريم، وهو ما تقدم نقله عن أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة، فتفطن.
وأما ورود هذا الحديث عن عثمان بن حنيف في زمن أمير المؤمنين عثمان ففي سنده مقال.
بل قال بعضهم: إن أمارات الوضع لائحة عليه، فكيف يعارض به الكتاب والسنة وعمل الصحابة؟ وهل سمعت أحداً منهم جاء إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ وهم حريصون على مثل هذه المثوبات لا سيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها؟ .
نعم كان ابن عمر يأتي القبر المكرم ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف.
وكذلك أنس وغيره. فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة؛ فلو صح عند أحدهم الطلب منه عليه الصلاة والسلام لرأيت أصحابه يتناوبون قبره المشرف زمراً زمراً. ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولأوسع الله تعالى طريقاً لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء علماء الدين، وستأتي تتمة لهذا في بحث ((شد الرحال)) بعون الملك المتعال.