الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو محمد: وقالت الأشعرية كلها: إن الله تعالى لم يزل قائلاً لكل ما خلق أو يخلق في المستأنف ((كن كن)) إلا أن الأشياء لم تكن إلا حين كونها، صرح الأشعرى بذلك في كتابه المبتذل عند أصحابه الموسوم بالشرح والتفصيل، فقال فيه: إنه عز وجل لم يزل قائلاً لنوح عليه السلام ولغيره كل ما أخبر عز وجل أنه قاله أو أنه يقوله.
قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله عز وجل مكشوف: إذ يقول عز وجل: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس 72] فبين عز وجل أنه لا يقول لشئ كن إلا إذا أراد تكوينه، وأنه تعالى إذا قال: كن، كان الشئ في الوقت بلا مهلة، ولا زمان بينهما، يعنى بين قوله عز وجل وبين كونه المقول له كن، لأن هذا هو مقتضى الفاء في اللغة التى بها نزل القرآن. فجمعوا إلى تكذيب الله عز وجل في خبريه جميعاً إيجاب أزلية العالم، لأن الله تعالى إذا كان لم يزل قائلاً لكل ما يكون كن، فالتكوين لم يزل. وهذه دهرية محضة أهـ كلام ابن حزم الظاهرى الأندلسي، وبقى ما لا تطاوعني على قله نفسي، بل لا يكاد إلى آخر الدهر يجرى به نِقْسى (1) ، وهو بالنسبة إلى مقام الأشعرية الرفيع الجناب، كطنين ذباب، أ، كصرير باب. وإنما نقلته لك لتزداد إطلاعاً على أختلاف العلماء في مسألة الكلام، وتعلم أنها كم زلت فيها أقدام أقوام، وان الأشعرية طائفتان كما تقدم، فاستمسك بالأثرية منهما، مقل: اللهم علمنا ما لم نعلم فهو الموفق للمذهب الأسلم، والسلام.
فصل
[البيهقي يستدل لكون القرآن غير مخلوق]
ولنذكر بعض ما ذكره الإمام الحافظ ابو بكر أحمد الشافعي البيهقى في
(1) النقس - بالكسر - الذي يكتب به.
كتاب الصفات فإنه قال فيه: (باب ما جاء في إثبات صفة الكلام، وأ، هـ غير مخلوق) قال الله عز وجل: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} [الكهف 109] . وقال تعالى: {لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله} [لقمان 27] وقال عز من قال: {وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة 6] ولم يقل حتى يرى خلق الله، ونظائرها كثيرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((تكفل الله عز وجل لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة)) رواه البخارى في الصحيح. وروى مسلم في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى)) وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة - ثم يقول - كان أبوكم إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحق)) وعن على رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه: ((اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من كل شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم إنك تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك)) فاستعاذ صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر بكلمات الله عز وجل كما استعاذ بوجهه الكريم. فكما أن وجهه الذي أستعاذ به غير مخلوق، فكذلك كلمات الله تعالى التى أستعاذ بها غير مخلوقة،