الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيئاً مما نهاكم الله تعالى عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها فأجملوا في الطلب)) .
باب
[إسماع الرب ملائكته]
ما جاء في إسماع الرب عز وجل بعض ملائكته كلامه الذى لم ينزل به موصوفاً ولا يزال به موصوفاً، وتنزيل الملك به إلى من أرسله إليه، وما يكون في أهل السماوات من الفزع عند ذلك.
قال الله عز وجل: {حتى إذا فزع (1) عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ 23] قال سفيان بن عيينة: قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا للذى قالوا (2) الحق وهو العلى الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، هكذا بعضهم فوق بعض - وصف سفيان بعضها فوق بعض قال - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا الكلمة التى سمعت من السماء فيصدق بتلك الكلمة التى سمعت من السماء)) رواه البخاري.
وروى رجاء بن حيوة بسنده أن يوحى بأمره وكلم الوحي فإذا تكلم أخذت السماوات رجفة، أو قال رعدة شديدة - خوفاً من الله عز وجل، فإذا
(1) على هامش الأصل: ((أى ذهب الفزع، كأنه نزع الفزع عن قلوبهم)) اهـ.
(2)
كذا في الأصل. وعبارة الحديث كما في تفسير سورة الحجر في صحيح البخاري: ((قالوا للذى قال الحق)) .
سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله تعالى سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام فيكلمه الله عز وجل من وحيه بما أراد، فيمضى جبريل عليه السلام على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فينتهى جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل من السماء والأرض)) .
وروى البخاري في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يقبض الله عز وجل الأرض، ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)) .
وروى خليفة بن عدى قال: كنت عند رسول اله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان أحدهما يشكو العليلة، والآخر يشكو قطه السبيل، قال فقال:((لا يأتى عليك إلا قليل حتى تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة بغير خفير، ولا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته فلا يجد من يقبلها منه، ثم ليفيض المال، ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله عز وجل ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ترجمان فيترجم له، فيقول: ألم أوتك مالاً فيقول: بلى، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) رواه البخاري عن عبد الله عن أبي عاصم.
ثم قال الشيخ الإمام أحمد - يعنى البيهقي -: والكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما رويناه عن أمير المؤمنين عمر في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر رضي الله عنه يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلاماً قد أعجبني.
وفي رواية أخرى: وكنت زورت مقالة أعجبتنى، فسمى تزويره الكلام في نفسه كلاماً قبل التلفظ به. ثم إن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات. وإن كان المتكلم غير ذى مخارج سمع كلامه
غير ذى حروف وأصوات، فالبارئ جل ثناؤه ليس بذى مخارج فكلامه ليس بحروف ولا أصوات، فإذا نحن تلوناه تلوناه بحروف وأصوات.
وقد أخبرنا أبو عبد الحافظ قال: أخبرنا أبو العباس المحمود قال: حدثنا شعبة بن مسعود قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا همام بن يحيى عن عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الظالم قال: ((يحشر الله العباد - أو قال الناس - عراة غر لا بهما ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان)) . وهذا حديث ينفرد به القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل، وابن عقيل والقاسم لم يحتج بهما الشيخان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى، ولم يخرجا هذا الحديث في الصحيح بإسناده، وإنما أشار البخاري إليه في ترجمة الباب.
واختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه.
ولم تثبت (1) صفة الصوت في كلام الله تعالى في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديثه، فليس بنا ضرورة إلى إثباته.
وقد يجوز أن يكون الصوت إن كان ثابتاً راجعاً إلى غيره، كما رويناه عن ابن عبد الله بن مسعود موقوفاً ومرفوعاً:((إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاة)) وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان)) ففي هذين الحدثين الصحيحين دلالة على أنهم يسمعون عند الوحي صوتاً لكن للسماء ولأجنحة الملائكة، تعالى الله عن شبه المخلوقين علواً كبيراً!
(1) كيف وقد أثبت الإمام أحمد وغيره من السلف أن الله يتكلم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب والأحاديث كثيرة متواترة غير أن صوته لا يشبه صوت العباد وصوته يجرى مجرى الصفات فهو ليس كمثله وقوله هنا إن كلامه ليس بحرف ولا صوت هو من فلسفة المتأخرين وراجع الإمام أحمد في ص 353. كتبه محمد سليمان.
وأما الحديث الذى ذكره البخارى عن عمر بن حفص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار
…
..)) فهذا لفظ ينفرد به ابن حفص. أو معناه: ينادى آدم ملك بصوت.
وأما الحديث الذى روى عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لما كلم الله عز وجل موسى يوم الطور قال له موسى: يارب، هذا كلامك الذى كلمتنى به يوم ناديتنى؟ فقال: يا موسى لا، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولى قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك)) فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل قالوا له: يا موسى صف لنا كلام الرحمن؟ قال: قال: سبحان الله! من يطيق! قالوا: فشبهه لنا، قال: ألم تروا إلى أصوات الصواعق حين تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فإنه قريب منه وليس به - فبعض رواته ضعيف الحديث. أنتهى ثم ذكر ما يقرب منه، ثم ضعف لبعض وأول الباقي.
وأنت تعلم أن الأحاديث التى فيها إثبات الصوت تزيد على أربعين حديثاً، أخرج غالبها الإمام أحمد واحتج به، وكذا غيره من أئمة الحديث، كما حكاه الكوراني والسفاريني وغيرهما عن جمع السلف كما سيأتى.
ثم قال الإمام البيهقي: والذي يدل على أ، كلام الله تعالى لم يزل ولا يزل وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، أو كان ثم انقضى، فإنه لا يشبه كلامه كلام المخلوقين - أنه جل ثناؤه يقول لكل ما يريد إحداثه ((كن)) يعنى كن موجوداً فيكون، ولكل ما يريد فناءه ((كن)) يعنى فانياً فيفنى، وبقول لمن قرأ الفاتحة فقال: الحمد لله رب العالمين: حمدني عبدى، ولمن قال: الرحمن الرحيم: أثنى على عبدى، ولمن قال: مالك يوم الدين: مجدنى عبدى، ولمن قال إياك نعبد وإياك نستعين: هذه الآية بينى وبين عبدى، ولمن قال
أهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها: هذه لعبدى ولعبدى ما سال، ويقول لمن أصاب ذنباً فقال: يا رب قد أذنبت ذنباً فاغفره لي: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى.
وروينا في الأبواب قبل هذا ما يقول الله عز وجل لملائكته وعباده لكل منهم في وقت واحد: كن، ولآخر: كن، ولواحد: حمدنى، ولآخر: أثنى على - وربنا ثناؤه يقول جميع ذلك في وقت واحد، ويحاسب الخلق أجمعين يوم القيامة، لا تشغله محاسبة واحد عن الآخر.
دل على أن كلامه ليس بحروف ولا أصوات، وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، ولا كان ثم انقضى، ثم يقال في كلام المخلوقين، وأن كلامه صفة قائمة بذاته تعالى لم يزل، غير أن تعلقه بالمعلوم يكون وقت وجوده. وبالله التوفيق، والله أعلم. أنتهى فتدبره.
وقال أيضاً:
باب
[ما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم
في أن القرآن كلام الله غير مخلوق]
عن ابن عباس في قوله عز وجل: {قرآنا عربياً غير ذي عوج} [الزمر 28] قال: غير مخلوق.
وعن عكرمة قال: حمل ابن عباس جنازة فلما وضع الميت في قبره قال له الرجل: اللهم رب القرآن اغفر له. فقال ابن عباس: مه! لا تقل مثل هذا، منه بدأ وإليه يعود.
قلت: قول ((منه بدأ)) معناه منه سمع، وبتعليمه تعلم، وبتفهيمه فهم.
وقوله: ((إليه يعود)) فمعناه وإليه تلاوتنا لكلامه، وقيامنا بحقه. وقيل: معناه هو الذي تكلم به، وهو الذى أمر به فيه ونهى عما خطر فيه، وإليه يعود، وهو الذي يسألك عما امرك به، ونهاك عنه.
وقال أبو الفرج بن يزيد الكلاعى: قالوا لعلى كرم الله تعالى وجهه: حكمت كافراً ومنافقاً فقال: ما حكمت مخلوقاً! ما حكمت إلا القرآن. وعن موسى بن الربيع قال: سألت جعفر بن محمد رضي الله عنه عن القرآن؟ فقال: كلام الله قلت: فمخلوق؟ قال: لا. قلت: فما القول فيمن زعمر أنه مخلوق؟ قال: يقتل ولا يستتاب. وقال مالك ابن أنس: من يقول القرآن مخلوق هو عندي كافر فأقتلوه.
وقال عبد الرحمن بن مهدى وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق فقال: إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش أستوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله عز وجل كلم موسى، وقال الله عز وجل:{وكلم الله موسى تكليماً} [النساء 164] وارادوا أن ينفوا أن القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
وقال وكيع: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر بالله العظيم.
وقال أبو يوسف القاضي: كلمت أبا حنيفة سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال الربيع: لما كلم الشافعي حفص الفرد فقال حفص: القرآن مخلوق. قال له الشافعي: كفرت باله العظيم.
وقال الربيع: سمعت البويطى يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، قال الله عز وجل:{إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}