الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهم في براءة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإمامهم فلا حجة لهم عند الله تعالى فانظروا مع من يحشر هؤلاء - انتهى.
وفي الدرر المنثورة للإمام الشعراني ما نصه: لم يبلغنا أن أحداً من السلف أمر أحداً أن بتقيد بمذهب معين ولو وقع ذلك منهم لوقعوا في الأثم لتفويتهم العمل بكل حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده والشريعة حقيقة إنما هو مجموع ما هو بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد مجتهد واحد ولم يوجب الله تعالى على أحد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين بخصوصه لعم عصمته.
ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرءوا من الأمر باتباعهم وقالوا: إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط. انتهى.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: ولا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام ومن يفعل ذلك فقد ضل ضلالا مبيناً وخرج عن دين الله تعالى - انتهى
[فتوى للإمام ابن تيميه عن التقليد]
وقد سئل الشيخ تقي الدين عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، وتبصر فيه وأشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخاً ولا مخصصاً ولا معارضاً، وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب؟ أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين.
وقد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى أفترض على العباد طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها عليه الصلاة والسلام و - رضي
الله عنه - يقول: أطيعوني ما أطعت الله تعالى، فإذا عصيت الله عز وجل فلا طاعة لي عليكم.
وأتفق كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما أمر الله تعلى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وهؤلاء الأمة الأربعة رحمهم الله تعالى أجمعين قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب. قال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن داء برأى خير منه قبلناه. ولهذا لما أجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات، ومسألة الأجناس، فأخبر مالك رحمه الله تعالى بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ومالك - رحمه الله تعالى - كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلام هذا معناه.
والشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فأضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما أختصره ذكر أنه أختصر من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه. قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده أو تقليد غيره من العلماء.
والإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كان يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقد قال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
)) ((من يرد به الله خيراً يفقهه في الدين)) ولازم ذلك: أن من لم يفقه الله عز وجل في الدين لم يرد به خيراً.
فيكون التفقه في الدين فرضاً، والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن يعرف ذلك لم يكن متفقهاً في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عنها فيلزمه ما يقدر عليه. ومن كان قادراً على الاستدلال. فقيل يحرم عليه التقليد مطلقاً. وقيل: يجوز مطلقاً. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق عن الإستدلال، وهذا القول عدل الأقوال إن شاء الله تعالى.
والإجتهاد ليس هو أمر لا يقبل التجزؤ والأنقسام، بل يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة، وكل فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في مسألة، قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين الأمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذى أشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة، بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره، وأشتغاله بمذهب إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذى ترجح في نظرة بالنصوص الدالة عليه، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذى يصلح، وغنما تنزلنا هذا التنزيل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس أجتهاده تاماً في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه، إما إذا قدر على الإجتهاد التام الذى يعتقد معه ان القول الآخر ليس معه ما يدفع النص، فهذا يجب عليه أتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله تعالى ورسوله. بخلاف من يكون القول الآخر حجة راجحة على هذا النص، ويقول أنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فأتقوا الله ما أستطعتم}
[التغابن 16] والذى نستطيعه من العلم في هذه المسألة قد دل على ان هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك.
ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير إجتهاده.
وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين من الحق فهو محمود عليه، بخلاف إقراره بقول لا حجة معه عليه، وترك قول الذى وضحت حجته. أو الإنتقال من قول إلى قول بمجرد عادة وإتباع هوى، فهذا مذموم وإذا كان المقلد قد سمع حديثاً وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضاً عدل فمثل هذا إذا وجد لا يكون عذراً في ترك النص.
وقد بينا فيما كتبناه في الدفع عن الأئمة الأعلام نحو عشرين عذراً في ترك العمل ببعض الأحاديث، وبينا أنهم معذورون في الترك لتلك الأعزار، وإنما نحن معذورون في تركها لهذا الترك. فمن ترك الحديث لاعتقاده لم يصح، أو رواية مجهول ونحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته وثقة روايته فقد زال عذر ذلك في حق هذا.
ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس أو عمل لبعض الأمصار قد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً بحقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وحقها منها أمر لا يضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية وغيرها الذين يقال لهم: لا يتركون الحديث إلا لإعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح.
وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل قد عمل
به أو سمعه منهم، أو نحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض لا للنص.
وإذا قيل لهذا المستفتى المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، وليست من هذا أولى. ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى هؤلاء نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وأبن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم من الأئمة وغيرهم.
فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شئ ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة.
وقد ترك الناس قول عمر وأبن مسعود رضي الله عنه في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري وغيره لما أحتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر رضي الله عنه في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان روى من لسان النبي صلى الله عليه وسلم قال:((هذه وهذه سواء)) .
وقد كان لبعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر قال عمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر قال عمر لما سئل عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر. فبين أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم من أبن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته. وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله تعالى به النصارى في قوله {أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة 31] والله سبحانه أعلم أنتهى.
ونقل عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني ما يؤكد هذا أنه قال في الدرر المنثورة ما نصه: ومنع أهل الله تعالى من العمل بقول مجتهد مات لاحتمال أنه لو عاش إلى اليوم ربما كان يرجع عنه، فلا يعمل بكلام أحد بعد موته تقليداً من غير معرفة دليله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وربما تدين مقلد في مذهب بقول إمام من طريق الرأى، فصحت الأحاديث في مذهب آخر بضد ذلك الرأى، فوقف مع مذهبه ففاته العمل بالأحاديث الصحيحة فأخطأ طريق السنة.
وقول بعض المقلدين: لولا أن الرأى إمامي دليلاً ما قال به، جمود وقصور وتعصب، مع ان نفس إمامة قد تبرأ من العمل بالرأى ونهى غيره عن أتباعه.
فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: حرام على من لم يعرف دليلى أن يفتى بكلامي. وكان يقول لمن أفتاه: هذا رأى أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو الأولى والصواب.
ونقل عن الإمام المزني أنه قال في أول كتابه المختصر: كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ينهى عن تقليده وتقليد غيره، وكان يقول: إذا رأيتم كلامي يخالف السنة فخذوا بالسنة واضربوا بكلامي الحائط. وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقيل للإمام أحمد بن حنبل. لم لا تصنع لأصحابك كتاباً في الفقه؟ قال: أو لأحد كلام مع كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم! ؟ أنتهى.
وإن شئت زيادة الإطلاع على مباحث الاجتهاد، فعليك أولاً بكتاب (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) للعلامة المجتهد الرباني شيخ شيوخنا قاضي القضاة محمد بن على الشوكاني - رحمه الله تعالى - وثانياً بكتاب شيخنا العلامة ابي الطيب الحسيني البخاري القنوجي (حصول المأمول من علم الأصول - وثالثاً برسالة ولده السعيد أبي الخير المسماه (بالطريقة المثلى في الإرشاد إلى أتباع ما هو الأولى) ، ففي تلك ما يكفى المسترشد، ويشفى المجتهد والمقلد.
الفصل الثاني
في التقليد
وهو أخذ قول الغير من غير معرفة دليله.
قال أبن ابي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد أختلف العلماء في تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل هلى مذاهب: أحدها - وهو المشهور - جوازه، وقد كانوا يسألونه الصحابة مع وجود أفاضلهم.
الثاني - منعه، وبه قال الإمام أحمد وابن سريج، وأختاره للقاضي حسين وغيره.
الثالث - أنه يجوز لمن يعتقده فاضلاً أو مساوياً لغيره، فإن أعتقده دون غيره أمتنع أستفتاؤه.
وكذلك أختلفوا في جواز تقليد الميت على أقوال: أحدها - وبه قال الجمهور - جوازه، وعبر عنه الشافعي رحمه الله تعالى بقوله: المذاهب لا تموت
بموت أربابها. الثاني - منعه مطلقاً. وعزاه الإمام الغزالي في (المنحول لإجماع الأصوليين) واختاره الإمام فخر الدين. الثالث - يجوز مع فقد حي ولا يجوز مع وجوده - أنتهى ملخصاً.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: والتقليد في دين الله لا يجوز عندان، لا تقليد حي ولا ميت. أنتهى فتدبر.
وقال شيخ مشايخنا ابن عابدين الشامي: ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية. وفي رواية عن أحمد وطائفة كثيرة من الفقهاء: لا يجوز ثم ذكر أنه لو ألتزم مذهباً كأبي حنيفة والشافعي قيل يلزمه وقيل لا، وهو الأصح. أنتهى بإقتصار.
ومن جملة كلام له في التقليد ما نصه: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان إلتزام مذهب معين، وانه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً فيه غير إمامه، مستجمعاً شروطه. ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله إمام آخر لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض.
وقال أيضاً: إن له التقليد بعد العمل على ما قال في البرزازية: أنه روى عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثاً. انتهى.
وقال في (الدار المختار وحاشيته) : إن الحكم الملفق باطل بالإجماع، كمتوضئ سال من بدنه دم، ولمس امرأة ثم صلى، فإن هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية - أنتهى. وبقى في المسألة كلام، من أراد فليرجع إليهما.