الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدائه (1) كما يعاقب على سائر الحقوق الشرعية.
وكذلك من خلص ماله من قطاع الطريق، أو عسكر ظالم، أو متول ظالم، ولم يخلصه إلا بما أدى عنه فإنه يرجع بذلك عليه، وهو محسن إليه بذلك، وإن لم يكن مؤتمناً على ذلك ولا مكرهاً على الأداء عنه - وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! ومن جعله في هذا متبرعاً ولم يعطه شيئاً فقد قابل الإحسان بالإساءة. والمسألة خلافية، وما ذكرناه أعدل وأقرب للأدلة الشرعية. أنتهى مختصراً.
[هل تنجس المائعات بموت حيوان]
(قوله: وإن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة) - أقول: اختلف الأئمة في مقدار الماء الذى إذا وقعت فيه نجاسة لا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، فعند الشافعي وأحمد في المشهور عنه: إذا بلغ قلتين لا يحمل خبثاً. وعند أبي حنيفة: يتنجس الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة وإن تغير أحد أوصافه، إلا إذا كان جارياً أو غير جار لكنه كثير، فإنه لا يندس إلا إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس.
وقدر الكثير عنده بالغدير العظيم الذى لا يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر، أو بما كان عشره أذرع في عشرة أذرع، فيكون وجه الماء مائة ذراع. وعند مالك: الماء لا ينجس ولو كان قليلاً إلا إذا تغير أحد أوصافه. وهذا كله مبسوط في كتب المذاهب.
وأختلفوا أيضاً في أن النجاسة هل تزال بكل مائع طاهر، أم بالماء خاصة فقالت الأئمة الثلاثة: لا تزال النجاسة إلا بالماء.
وقال إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تزال بكل مائع مزيل
(1) قوله ((على أدائه)) لعله ((على عدم أدائه)) أهـ. هامش الأصل.
غير الأدهان فإنها لا تزال بها النجاسة، وأما الخل ونحوه فإنه تزال به النجاسة.
واختلفوا ايضاً في ان سائر المائعات كالخل ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة هل ينجس مطلقاً ولو كان كثيراً، أو لا ينجس الكثير كالماء الكثير؟ فيه خلاف، وهذا هو موضوع هذه المسألة، ولنذكرك إن شاء الله تعالى أقوال العلماء في ذلك.
وحاصل قول الشيخ ابن تيميه فيما هنالك، حتى يتضح الحالك، ويبدو للسالك أنه قد سلك واضح المسالك. فقد قال المحقق الحصكفى الحنفى في الدر المختار: وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح حتى ولو وقع بول في عصير عشر في عشر، أى في حوض كبير لا يتحرك طرفه بتحرك الأخر المقدر بعشر في عشر، لم يفسد ذلك العصير أى لم يظهر أثر النجاسة. ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس. ويحل شربه، لأنه جعل في حكم الماء عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد. انتهى بتوضيح من المحشى.
وقال في موضع آخر في باب المياه أيضاً، ثم المختار: طهارة المتنجس بمجرد جريانه، وكذا البئر وحوض الحمام. قال محشيه العلامة ابن عابدين بعد كلام كثير في تطهير ماء الحوض الصغير والأواني، وأنه هل يطهر بمجرد خروج الماء منها أم لا؟ والخلاف في ذلك ما نصه: وأخبرني شيخنا حفظه الله تعالى أن بعض أهل عصره في حلب أفتى بذلك، أى بمطلق السيلان منها حتى في المائعات، وإنهم أنكروا عليه ذلك، وأقول مسألة العصير تشهد لما أفتى به، وقد مر أن حكم المائعات كالماء في الأصح.
فالحاصل أن ذلك له شواهد كثيرة، فمن أنكره وأدعى خلافه يحتاج إلى إثبات مدعاه بنقل صريح لا بمجرد أنه لو كان كذلك لذكروه في تطهير المائعات
كالزيت ونحوه. على أنه في القهستاني أن المائع كالماء والدبس (1) وغيرهما طهارته إما بإجرائه مع نجسه، وإما بالخلط مع الماء، كما إذا جعل الدهن في الخابية ثم صب فيه ماء مثله، وحرك ثم ترك حتى يعلو وثقب أسفلها حتى يخرج الماء، هكذا يفعل ثلاثاً، فإنه يطهر كما في الزاهدي أنتهى باختصار.
وفي فتاوى الشيخ ابن تيميه ما ملخصه:
مسائل في الزيت اليسير تقع فيه النجاسة، مثل الفأرة ونحوها، وماتت فيه هل ينجس أم لا؟ وإذا قيل ينجس فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا؟ وإذا قيل تجوز المكاثرة هل يلقى الطاهر على النجس أو بالعكس، أو لا فرق؟ وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع به مثل الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا؟ وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر بالمطاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا؟ .
الجواب - أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة فهل تنجس؟ إن كانت كثيرة فوق القلتين، أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقاً إلا بالتغيير؟ .
أولاً ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين؟ فيه عن أحمد ثلاث روايات: أحدها - أنها تنجس ولو مع الكثرة، وهو قول الشافعي وغيره.
والثانية - أنها كالماء سواء كانت مائية أو غير مائية، وهو قول طائفة من السلف والخلف كابن مسعود وابن عباس والزهري وابي ثور وغيرهم نقله المروزي عن ابي ثور. وحكي ذلك لأحمد، فقال: إن أبا ثور شبهه بالماء،
ذكر ذلك الخلال في جامعة عن المروزي، وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن حكم المائعات عندهم حكم الماء ومذهبهم في المائعات معروف فيه إذا كانت منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الأخر لم يتنجس كالماء عندهم.
وأما أبو ثور فإنه يقول بالقلتين كالشافعي. والقول أنها كالماء، يذكر قولاً في مذهب مالك رحمه الله تعالى، وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام الكثير روايتين. وروى عن ابن نافع من المالكية في الحباب التى بالشام للزيت تموت فيه الفأرة: أن ذلك لا يضر الزيت.
وقال ابن الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم يتغير أوصافه وكان كثيراً: لم ينجس بخلاف موتها فيه. ففرق بين موتها فيه ووقوعها فيه.
ومذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر: أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن إذا وقعت فيه فأرة، كما يقولون: إن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل. والثالثة - يفرق بين المائع المائي كخل الخمر وغير المائي كخل العنب، فيلحق الأول بالماء دون الثاني.
وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال: أحدها - أنها كالماء. والثاني أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام فإتلافها فيه فساد، ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء، أو مباينة لها من الماء. والثالث - أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، وذكرنا حجة من قال بالتنجس وأنهم احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام:((إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) رواه أبو داود وغيره. وبينا ضعف
هذا الحديث، وطعن البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه، أنهم بينوا أنه غلط فيه معمر على الزهري.
قال أبو داود في الفأرة تقع في السمن: حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة: ((أن فأرة وقعت في سمن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألقوها وما حولها وكلوا)) واما حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) قال محمد بن إسماعيل: فيه خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. وبتقدير صحة قوله ((إن كان مائعاً فلا تقربوه)) فإنما يدل على نجاسة القليل الذى وقعت فيه النجاسة كالسمن المسئول عنه، فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق القلتين يقع فيه فأرة، حتى يقال: إنه يفيد العموم، إذ السمن الذي يكون عند أهل المدينة أو في أوعيتهم يكون في الغالب قليلاً، فلو صح هذا اللفظ لم يدل إلا على نجاسة القليل.
فأما المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها نص لا صحيح ولا ضعيف ولا لإجماع ولا قياس صحيح. ومن ينجسه ظن أن النجاسة إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله فنجسته.
وقد عرف بأن هذا لم يقل بطرده أحد من المسلمين، فإن طرده يوجب نجاسة البحر. بل الذين قالوا هذا الأصل منهم من أستثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، ومنهم من أستثنى في بعض النجاسات ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما فوق القلتين، وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير، وبعضهم يتعذر التطهير. وهذه
العلل موجودة في كثير من الأذهان، فإنه يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت. ولا يمكنهم صيانته عن الواقع، فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جداً. ولهذا لم يرد في تنجيس الكثير أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة.
وأختلف قول الإمام أحمد في تنجس الكثير، وأما القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به. وقد أطلع غيره على العلة القادحة فيه، ولو أطلع عليها لم يقل به. وروى عن ابن عباس أنه سئل عن فأرة كانت في سمن؟ قال: تؤخذ الفأرة وما حولها. قلت: يا مولانا إن أثرها في السمن كله؟ فقال للسائل عضضن بهن ابيك؟ إنما كان أثرها في السمن وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت. وعن أبي حزن بن أبي السود الدؤلى قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن فقال: إنما حرم من الميتة لحمها ودمها. قلت: فقول معمر ((فلا تقربوه)) متروك عند عامة السلف والخلف، فإن جمهورهم يجزون الاستصباح به، وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله ((فلا تقربوه)) ثم ذكر مذهب مالك وغيره في الماء وأنه لا يندس عند مالك بوقوع النجاسة إذا لم يتغير. وذكر عن الغزالي أنه قال: وددت أن مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك - إلى أن قال - وفي الجملة هذا القول هو الصواب. وذلك أن الله تعالى حرم الخبائث التى هي الميتة، والدم، ولحم الخنزير ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير اصلاً، كما أن الخمر إذا أستهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شارباً للخمر، إذا أستحالت بنفسها وصارت خلاً كانت طاهرة بالاتفاق.
وهذا على أصل من يقول: إن النجاسة إذا أستحالت طهرت، وهذا قوى كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأهل الظاهر، وأحد القولين
في مذهب مالك وأحمد. فإن انقلاب النجاسة ملحاً ورماداً ونحو ذلك هو كانقلابها ماء، فلا فرق بين أن يستحيل ملحاً أو رماداً أو ماءً أو هواءاً ونحو ذلك. وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة قد أستهلكت واستحالت فيها، فكيف يحرم الطيب الذى أبيح؟ وإذا قيل: إنه خالطه الخبيث فحرم.
فالجواب عنه: أن بئر بضاعة لما ذكر له عليه الصلاة والسلام أنه يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب، فقال عليه الصلاة والسلام:((الماء طهور ولا ينجسه شئ - وقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) .
وفي لفظ ((لم ينجسه شئ)) إلى أن قال: ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول هو رواية عن أحمد يعني بعدم تنجس الماء القليل إذا لم يتغير، قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري وغيره.
فهؤلاء لا ينجسون شيئاً من املائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري لكن المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء، وكذلك في المائعات إذا سويت به. أنتهى ملخصاً. وقد أطنب وفصل فمن أراد كمال الإطلاع على هذا المفضل، فعليه الكتاب المفصل.
وفي شرح العيني لصحيح البخاري عند حديث: سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)) ما نصه: أن الجمهور ذهبوا إلى نجاسة المائع بوقوع النجاسة فيه، وإذا كان جامداً يطرح ما حول النجس وشد قوم فجعلوا المائع كله كالماء. وسلك داود ابن على مسلكهم. أنتهى.
فقد تبين لك أن الشيخ ابن تيميه لم ينفرد بهذا القول لما سرد من أدلته النقلية والعقلية، فافهم والله تعالى أعلم.