المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى) - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٤

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌حرف الدال

- ‌كتاب: الدعاء

- ‌[الباب الأول: في آدابه:

- ‌الفصل الأول: في فضله ووقته

- ‌الفصل الثاني: في هيئة الداعي

- ‌الفصل الثالث: في كيفية الدعاء

- ‌الفصل الرابع: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الثاني: في أقسام الدعاء

- ‌[القسم الأول: في الأدعية المؤقتة المضافة إلى أسبابها، وفيه عشرون فصلاً]

- ‌الفصل الأول: في ذكر اسم الله الأعظم وأسمائه الحسنى

- ‌(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى)

- ‌الفصل الثاني: في أدعية الصلاة مفصلاً - الاستفتاح

- ‌الركوع والسجود

- ‌بعد التشهد

- ‌بعد السلام

- ‌الفصل الثالث: في الدعاء عند التهجد

- ‌الفصل الرابع: في الدعاء عند الصباح والمساء

- ‌الفصل الخامس: في أدعية النوم والانتباه

- ‌الفصل السادس: في أدعية الخروج من البيت والدخول إليه

- ‌الفصل السابع: في أدعية المجلس والقيام منه

- ‌الفصل الثامن: في أدعية السفر

- ‌الفصل التاسع: في أدعية الكرب والهم

- ‌الفصل العاشر: في أدعية الحفظ

- ‌الفصل الحادي عشر: في دعاء اللباس والطعام

- ‌الفصل الثاني عشر: في دعاء قضاء الحاجة

- ‌الفصل الثالث عشر: في دعاء الخروج من المسجد والدخول إليه

- ‌الباب الرابع عشر: في دعاء رؤية الهلال

- ‌الفصل الخامس عشر: في دعاء الرعد والريح والسحاب

- ‌الفصل السادس عشر: في دعاء يوم عرفة وليلة القدر

- ‌الفصل السابع عشر: في دعاء العطاس

- ‌الفصل الثامن عشر: في دعاء داود عليه السلام

- ‌الفصل التاسع عشر: في دعاء قوم يونس عليه السلام

- ‌الفصل العشرون: في الدعاء عند رؤية المبتلى

- ‌القسم الثاني من الباب الثاني: في أدعية غير مؤقتة ولا مضافة

- ‌الباب الثالث: فيما يجري في مجرى الدعاء

- ‌الفصل الأول: في الاستعاذة

- ‌الفصل الثاني: في الاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والحوقلة

- ‌الفصل الثالث: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب: الديات

- ‌الفصل الأول: في دية النفس

- ‌الفصل الثاني: في دية الأعضاء والجراح العين

- ‌الأضراس

- ‌الأصابع

- ‌الجراح

- ‌الفصل الثالث: فيما جاء من الأحاديث مشتركاً بين النفس والأعضاء

- ‌الفصل الرابع: في دية الجنين

- ‌الفصل الخامس: في قيمة الدية

- ‌الفصل السادس: في أحكام تتعلق بالديات

- ‌كتاب: الدين وآداب الوفاء

- ‌حرف الذال

- ‌كتاب: الذكر

- ‌كتاب: الذبائح

- ‌الفصل الأول: في آداب الذبح ومنهياته

- ‌الفصل الثاني: في هيئة الذبح وموضعه

- ‌الفصل الثالث: في آلة الذبح

- ‌كتاب: ذم الدنيا وأماكن من الأرض

- ‌الفصل الأول: [في ذم الدنيا

- ‌الفصل الثاني: في ذم أماكن من الأرض

- ‌حرف الراء

- ‌كتاب: الرحمة

- ‌الفصل الأول: في الحث عليها

- ‌الفصل الثاني: في ذكر رحمة الله تعالى

- ‌الفصل الثالث: فيما جاء من رحمة الحيوان

- ‌كتاب: الرفق

- ‌كتاب: الرهن

- ‌كتاب: الرياء

- ‌حرف الزاي

- ‌كتاب: الزكاة

- ‌الباب الأول: في وجوبها وإثم تاركها

- ‌الباب الثاني: في أحكام الزكاة المالية

- ‌الفصل الأول: فيما اشتركن فيه من الأحاديث

- ‌الفصل الثاني: في زكاة النعم

- ‌الفصل الثالث: في زكاة الحلي

- ‌الفصل الرابع: في زكاة الثمار والخضروات

- ‌الفصل الخامس: في زكاة المعدن والركاز

- ‌الفصل السادس: في زكاة الخيل والرقيق

- ‌الفصل السابع: في زكاة العسل

- ‌الفصل الثامن: في زكاة مال اليتيم

- ‌الفصل التاسع: في تعجيل الزكاة

- ‌الفصل العاشر: في أحكام متفرقة للزكاة

- ‌الباب الثالث: في زكاة الفطر

- ‌الباب الرابع: في عامل الزكاة وما يجب له عليه

- ‌الباب الخامس: فيمن تحل له الصدقة ومن لا تحل

- ‌الفصل الأول: فيمن لا تحل له

- ‌الفصل الثاني: فيمن تحل له الصدقة

- ‌كتاب: الزهد والفقر

- ‌الفصل الأول: في مدحهما والحث عليهما

- ‌الفصل الثاني: فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه من الفقر

- ‌كتاب: الزينة

- ‌الباب الأول: في الحليّ

- ‌الباب الثاني: في الخضاب

- ‌الباب الثالث: في الخلوق

- ‌الباب الرابع: في الشعور شعر الرأس - الترجيل

- ‌الحلق

- ‌الوصل

- ‌السدل والفرق

- ‌نتف الشيب

- ‌قص الشارب

- ‌الباب الخامس: في الطيب والدهن

- ‌الباب السادس: في أمور من الزينة متعددة

- ‌الباب السابع: في النقوش والصور والستورذم المصورين

- ‌كراهة الصور والستور

- ‌حرف السين

- ‌كتاب: السخاء والكرم

- ‌كتاب: السفر وآدابه

- ‌النوع الأول: في يوم الخروج

- ‌النوع الثاني: في الرفقة

- ‌النوع الثالث: في السير والنزول

- ‌النوع الرابع: في إعانة الرفيق

- ‌النوع الخامس: في سفر المرأة

- ‌النوع السادس: فيما يذم استصحابه في السفر

- ‌النوع السابع: في القفول من السفر

- ‌النوع الثامن: في سفر البحر

- ‌النوع التاسع: في تلقي المسافر

- ‌النوع العاشر: في ركعتي القدوم

- ‌كتاب: السبق والرمي

- ‌الفصل الأول: في أحكامهما

- ‌الفصل الثاني: فيما جاء من صفات الخيل

- ‌كتاب: السؤال

- ‌كتاب: السحر والكهانة

- ‌حرف الشين

- ‌كتاب: الشراب

- ‌الباب الأول: في آدابه

- ‌الفصل الأول: في الشرب قائمًا: جوازه

- ‌الفصل الثاني: في الشرب من أفواه الأسقية جوازه

- ‌الفصل الثالث: في التنفس عند الشرب

- ‌الفصل الرابع: في ترتيب الشاربين

- ‌الفصل الخامس: في تغطية الإناء

- ‌الفصل السادس: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الثاني: في الخمور والأنبذة

- ‌الفصل الأول: في تحريم كل مسكر

- ‌الفصل الثاني: في تحريم المسكر وذم شاربه

- ‌الفصل الثالث: في تحريمها ومن أي شيء هي

- ‌الفصل الرابع: فيما يحل من الأنبذة وما يحرم

- ‌الفصل الخامس: في الظروف وما يحل منها وما يحرم

- ‌الفصل السادس: في لواحق الباب

- ‌كتاب: الشركة

- ‌كتاب: الشعر

الفصل: ‌(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى)

قال القرطبي (1): المرجو من الله أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على أحد المراتب أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين.

وفيها أقوال أخر سردها في "فتح الباري"(2) وقال: معنى أحصاها: حفظها، وهو الأظهر؛ لثبوته نصاً في الخبر.

وقال النووي في "الأذكار"(3): وهو قول الأكثرين.

وقيل: الإحصاء هو أن يعلم معنى كل اسم [269/ أ] بالنظر في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، ولا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواص نفعها.

وموقع العد بمقتضى كل اسم وهذا أرفع المعاني، ومنها: أن يتخلق بما يقدر عليه منها، كأن يتخلق بالحلم من صفة الحليم وبالعفو من صفة العفو ونحو ذلك، وقد روي:"تخلقوا بأخلاق الله"(4) وهي صفاته.

وسنشير في كل اسم إلى ما يليق بالعبد أن يتخلق به. [417 ب].

(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى)

في معاني الأسماء المتقاربة في المعنى من أنه: هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد؟ أم لا بد أن تختلف (5) مفهوماتها؟

ثم قالوا: كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والباري.

(1) في "المفهم"(7/ 17).

(2)

(11/ 226 - 227).

(3)

(1/ 290).

(4)

قال الألباني في "شرح العقيدة الطحاوية"(ص 120): لا نعرف له أصلاً في شيء من الكتب الستة.

(5)

انظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للفخر الرازي (ص 22 - 23).

ص: 68

قال: وهذا - أي الترادف - مع عدها في التسعة والتسعين مما يستبعده غاية الاستبعاد؛ لأن الاسم لا ترادف لحروفه بل لمعانيه، والمعاني المترادفة لا تختلف إلا حروفها، وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني، فإذا خلا عن المعنى لم يبق إلا الألفاظ، والمعنى إذا دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد، فبعيد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد، بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ مخصوص معنى - إلى أن قالوا -: فإذا رأينا لفظين متقاربين فلا بدَّ أن نتكلف إظهار مزية أحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالته بما يدل عليها الآخر.

مثلاً: الغافر (1) والغفور والغفار [418 ب] لم يكن تعبداً أن يعد هذا ثلاثة؛ لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب، حتى أن من لا يغفر إلا نوعاً واحداً من الذنوب قد لا يقال له غفور، والغفار يشير إلى كثرة على سبيل التكرار، أي: يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى أن من يغفر جميع الذنوب أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى؛ لم يستحق اسم الغفار.

وكذلك الغني (2) والملك؛ فإن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء، والملك أيضاً هو الذي لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيداً معنى الغني وزيادة. انتهى.

واعلم أن صاحب التيسير أخذ تفسير الأسماء الحسنى بما يذكره من غريب (3) جامع ابن الأثير، ولا يفاوته إلا في حذفه لشيء يسير.

(1) سيأتي شرحه.

(2)

سيأتي شرحه.

(3)

(4/ 175 - 183).

ص: 69

فإن قلنا: "فسراه" فمرادنا ابن الأثير وصاحب التيسير، ولما قد شرح هذه الأسماء الحسنى جماعة من أئمة العلم؛ رأيت من كمال الإفادة نقل غالب ما قالوه، وتركت ما يطول به من ضرب الأمثال ونحوها من الأقوال.

فإن قلت: "تفاسير ابن الأثير وصاحب التيسير" هي التفاسير بمعناها لغة، فهذه التفاسير التي أتى بها شراح [419 ب] الأسماء الحسنى ما مستندهم فيها؟

قلتُ: لا ريب أن أهل اللغة يفسرونها بالمعاني اللغوية باعتبار ما عرفوه فيمن يتصف بها من العباد، وشراح الأسماء نظروا إلى وصف الله بها، وقد علم أنه ليس مثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فإذا وجدناه قد وصف نفسه بشيء مما يطلق على العباد فلا نقتصر بتفسيره على ما فسرناه به ذلك اللفظ الذي أطلق على العباد وقاله أهل اللغة، فإنهم إنما قالوه ناظرين إلى ما عرفوه ممن اتصف به من العباد، فإن اقتصرنا عليه في اللفظ الذي أطلق عليه تعالى كان تقصيراً به عن حقه، وربما كان تشبيهاً بخلقه، فإنك تصفه بأنه عالم كما وصف به نفسه، وتصف العالم من العباد بذلك وبين العلمين من التفاوت ما لا تحيط به عبارة؛ فإن الله تعالى [ذاتي](1) بعلمه الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وعلم العباد إنما هو بتعليم الله، كما قالت الملائكة الذين - هم هم -:{لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (2)، وقال لأكرم خلقه عليه:{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} (3)، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ

(1) كذا رسمت في المخطوط (أ، ب) غير مقروءة.

(2)

سورة البقرة: 32.

(3)

سورة النساء: 113.

ص: 70

كُلَّهَا} (1)، ولذا يفسرون علم المخلوق بالصورة الحاصلة في الفعل وعند الفعل ولا يدخل علمه تعالى فيه.

فإذا عرفت هذا وأردت تفسير صفة من صفاته تعالى [420 ب] وجب عليك إمعان النظر وإتعاب الفكر والإتيان بما تظن أنه المراد بمعناه بالنظر إلى عظمة من اتصف به، ورفعة شأنه ومخالفته للموصوفين في كل شيء مع ملاحظة المعنى اللغوي؛ لأن أسماءه عربية، وهي من القرآن وهو عربي، ولذا ذهب المحققون من أئمة الدين إلى أنها لا تكيف صفاته تعالى، بل نؤمن بها ونصدقها ولا نكيفها؛ لأنه لا يعرف كيفية تعلق الصفة بالموصوف إلا من عرف كنه الموصوف، والله يقول:{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} (2) نفياً عاماً، وقال في نفي إحاطتهم بعلمه:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (3) فاستثنى وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (4) نفي عام أيضاً.

فإن قلتَ: كيف يخاطبهم بصفة لا يعرفون كيفية تعلقها به؟ وأي فائدة في ذلك؟

قلتُ: هذا شيء كثير في المخاطبات وفي كلامه تعالى، مثل خطابهم لهم بأحكام النفس والروح، وهما متعلقان بالمخاطبين ولا يعرفون ماهيتهما، ولا كيفية تعلقهما بهما، ويذكر لهم

(1) سورة البقرة: 31.

(2)

سورة طه: 110.

(3)

سورة البقرة: 255.

(4)

سورة الشورى: 11.

ص: 71

النوم والموت ولا يعرفون ذلك فيهما، بل وصف لهم الجنة ونعيمها وأخبرهم رسوله صلى الله عليه وسلم بأن:"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب"(1) وهذا شيء كثير.

وأما الفائدة في ذلك: فليعرف في وصفه بالعلم والقدرة بأن له الكمال الذي تثبتونه أنتم للمخلوقين من العالم والقادر، ولكنه علم غير العلم الذي تثبتونه كما ذكرناه، وقادر قدرة غير ما تعرفونها [421 ب] فإنه بقدرته أمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويوضحه حديث:"إن قيراط ربنا مثل أحد"(2)، وقول ابن عباس:"قليل لقيراط ربنا أن يكون كأحد".

وبالجملة: فكل أمر وصف به (3) تعالى أو أضيف إليه فهو فوق ما تتخيله الأوهام وتحوم حوله الأفهام، فمعاني صفاته إنما تفسر بالتقريب وضرب الأمثال، فهذا الذي ستسمعه

(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] ".

[أخرجه البخاري رقم (3244)، ومسلم رقم (2824)، والترمذي رقم (3197)، والنسائي في "الكبرى" رقم (11085)].

(2)

أخرجه أحمد (5/ 278)، ومسلم رقم (946)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 413)، وفي شعب الإيمان رقم (9244)، كلهم من حديث ثوبان.

وهو حديث صحيح.

(3)

وإليك بعض القواعد العامة في الصفات:

القاعدة الأولى:

"إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل". لأن الله أعلم بنفسه من غيره، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه.

انظر: "مجموع فتاوى"(3/ 3)، (4/ 182)، (5/ 26 - 28). =

ص: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= القاعدة الثانية:

"نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى". "العقيدة التدمرية"(ص 58).

لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، ورسوله أعلم الناس بربه؛ فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته، ونفي الظلم يتضمن كمال عدله، ونفي النوم يتضمن كمال قيوميته.

القاعدة الثالثة:

"صفات الله عز وجل توقيفية؛ فلا يثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يُنفى عن الله عز وجل إلا ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم". ["مجموع فتاوى" (5/ 26 - 28)].

لأنه لا أحد أعلم بالله من الله تعالى، ولا مخلوق أعلم بخالقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القاعدة الرابعة:

"التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث". ["التدمرية" (ص 65)، "مجموع فتاوى" (5/ 299)].

مثاله: لفظة (الجهة): نتوقف في إثباتها ونفيها، ونسأل قائلها: ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال: أعني أنه في مكان يحويه. قلنا: هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه، ورددناه. وإن قال: أعني جهة العلو المطلق؛ قلنا: هذا حق لا يمتنع على الله. وقبلنا منه المعنى، وقلنا له: لكن الأولى أن تقول: هو في السماء، أو في العلو؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة، وأما لفظة (جهة)؛ فهي مجملة حادثة، الأولى تركها.

القاعدة الخامسة:

"كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح؛ وافقت العقل الصريح، ولا بد". "مختصر الصواعق المرسلة"(1/ 141، 253).

القاعدة السادسة:

"قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية؛ لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: 110]. =

ص: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= القاعدة السابعة:

"صفات الله عز وجل تُثبت على وجه التفصيل، وتنفى على وجه الإجمال".

فالإثبات المفصل؛ كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، والنفي المجمل كنفي المثلية في قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

القاعدة الثامنة:

"كل اسم ثبت لله عز وجل؛ فهو متضمن لصفة، ولا عكس".

مثاله: اسم الله الرحمن متضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف

وهكذا، لكن صفاته: الإرادة، والإتيان، والاستواء؛ لا نشتق منها أسماء، فنقول: المريد، والآتي، والمستوي

وهكذا.

القاعدة التاسعة:

"صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه".

انظر: "مجموع فتاوى"(6/ 37، 515)، "بدائع الفوائد"(1/ 162، 168)، "مختصر الصواعق المرسلة"(1/ 232).

القاعدة العاشرة:

"صفات الله عز وجل ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها"، {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)} [إبراهيم: 27].

القاعدة الحادية عشرة:

"دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة: إما التصريح بها، أو تضمن الاسم لها، أو التصريح بفعل أو وصفٍ دالًّ عليها".

مثال الأول: الرحمة، والعزة، والقوة، والوجه، واليدين، والأصابع

ونحو ذلك.

مثال الثاني: البصير متضمن صفة البصر، والسميع متضمن صفة السمع

ونحو ذلك.

مثال الثالث: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]: دال على الاستواء، {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)} [السجدة: 22]: دالٌّ على الانتقام

ونحو ذلك. =

ص: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= القاعدة الثانية عشرة:

"صفات الله عز وجل يستعاذ بها ويُحلف بها"، وقد فرق بعضهم بين الحلف بالصفة الفعلية والصفة الذاتية، وقالوا: لا يجوز الحلف بصفات الفعل.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك

". رواه مسلم (486)، ولذلك بوب البخاري في كتاب الإيمان والنذور: "باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته".

انظر: "شرح السنة" للبغوي (1/ 185 - 187)، "مجموع فتاوى"(6/ 143، 229)، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى"(ص 30، 38).

القاعدة الثالثة عشرة:

"الكلام في الصفات كالكلام في الذات".

فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، كذلك إثبات الصفات.

القاعدة الرابعة عشرة:

"القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر".

فمن أقر بصفات الله؛ كالسمع، والبصر، والإرادة؛ يلزمه أن يقر بمحبة الله، ورضاه، وغضبه، وكراهيته.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضاً في قوله، متهافتاً في مذهبه، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض".

القاعدة الخامسة عشرة:

"ما أضيف إلى الله مما هو غير بائن عنه؛ فهو صفة له غير مخلوقة، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه؛ فهو مخلوق؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له".

مثال الأول: سمعُ الله، وبصرُ الله، ورضاه، وسخطُه

ومثال الثاني: بيت الله، وناقة الله

القاعدة السادسة عشرة:

"صفات الله عز وجل وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان حديثاً واحداً، وإن كان آحاداً". =

ص: 75

من تفاسير الغزالي ونحوه هو بعض ما تبلغه قدرة العبد من إيضاح معانيها، وليس فيه شيء من بيان كيفية تعلقها ولا من حرفها عن المراد بها.

= القاعدة السابعة عشرة:

"معاني صفات الله عز وجل الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، وتُفسر على الحقيقة، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة، أما الكيفية؛ فمجهولة".

القاعدة الثامنة عشرة:

"ما جاء في الكتاب أو السنة؛ وجب على كل مؤمن القول بموجبه، والإيمان به، وإن لم يفهم معناه".

القاعدة التاسعة عشرة:

"باب الأخبار أوسع من باب الصفات، وما يطلق عليه من الأخبار؛ لا يجب أن يكون توقيفياً؛ كالقديم، والشيء، والموجود .... ".

انظر: "مختصر الصواعق المرسلة"(2/ 332، 412، 433)، "التدمرية"(ص 43 - 44)، "مجموع فتاوى"(5/ 36 - 42)، "بدائع الفوائد"(1/ 162)، "مجموع فتاوى"(3/ 1 - 128، 160 - 194)، (5/ 298).

القاعدة العشرون:

"صفات الله عز وجل لا يقاس عليها".

فلا يقاس السخاء على الجود، ولا الجلد على القوة، ولا الاستطاعة على القدرة، ولا الرِّقة على الرحمة والرأفة، ولا المعرفة على العلم

وهكذا؛ لأن صفات الله عز وجل لا يتجاوز فيها التوقيف؛ كما مر في القاعدة الثالثة.

القاعدة الحادية والعشرون:

"صفات الله عز وجل لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة - كما مر -، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثرا لله به في علم الغيب عنده".

انظر: "شأن الدعاء" للخطابي (ص 111)، "بدائع الفوائد"(1/ 162، 168)، "مجمع فتاوى"(5/ 121، 298).

ص: 76

واعلم أن للعلماء قولين في أحاديث الصفات وأتى بها؛ الأول: وهو رأي أئمة التحقيق أنها تجري كما أجراها (1) الله على ظاهرها من غير بحث عن كيفية تعلقها به تعالى ولا السؤال عن ذلك، بل كما قال في تفسير الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب.

والطريقة الثانية: طريقة التأويل كما يقولون: المراد بالاستواء الاستيلاء، ونحو ذلك. والمسألة معروفة والنزاع فيها معروف.

واعلم أنا نأتي عقيب شرح كل صفة ببيان ما يتخلق به العبد منها، ونذكره بلفظ "فائدة" وهي مأخوذة من كلام شراح الأسماء، إلا أني قد أحذف شيئاً مما يذكرونه وأذكر شيئاً لم يذكروه.

ووجه إثباتي لهذه الفوائد قوله صلى الله عليه وسلم: "تخلقوا بأخلاق الله"(2) انتهى. ولم يخرج الحديث.

وقد أخرجه [](3).

فلذا أعبر في أول كل فائدة بقوله: "يتخلق العبد

" إلى آخره، والمراد بالتخلق بما ذكر هو ما ذكرنا في الفوائد للحلم؛ لأن الله حليم [422 ب] يحب الحلم، وبكريم؛ لأن الله كريم يحب الكرم.

ثم اعلم أيضاً أن ابن الأثير والمصنف في التيسير حذفا من تفسير التسعة والتسعين أسماء كثيرة، لا أدري ما وجه حذفهما تفسيرها، وكأنه لتداخل معاني بعضها ببعض، إلا أن

(1) انظر: القواعد المتقدمة.

(2)

قال الألباني في "شرح العقيدة الطحاوية"(ص 120): لا نعرف له أصلاً في شيء من الكتب الستة.

(3)

في (ب) بياض بمقدار سطر وربع تقريباً من أسطر المخطوط.

ص: 77

بعض ما شرحناه كذلك يمكن تداخل بعضها مع بعض، فالذي [شرحاه](1) من التسعة والتسعين خمسة وستين. اسماً فقط، وقد رأينا استيفاء شرح ما تركاه.

شرح (2) أسماء الله الحسنى

" القُدُّوسُ": الظاهر من العيوب.

"السَّلَامُ": ذو السلام، أي: الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة.

"المؤْمِنُ": الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان بمعنى التصديق، أو يؤمنهم يوم القيامة من عذابه، فهو من الأمان.

"المهَيْمِنُ": الشهيد، وقيل: الأمين، وأصله: مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء، وقيل: الرقيب الحافظ.

"العزِيزُ": القاهر الغالب، والعزة: الغلبة.

"الجَبَّارُ": هو الذي أجبر الخلق وقهرهم على ما أراد من أمر ونهي. وقيل: هو العالي فوق خلقه.

"المتَكَبَّرُ": المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، والتاء في "المتكبر" تاء المنفرد والمتخصص، لا تاء المتعاطى المتكلف، وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله تعالى، لا من الكبر الذي هو مذموم.

"البَارِئ": هو الذي خلق الخلق لا عن مثال، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله تعالى النسمة، وخلق السموات والأرض.

(1) في (ب) رسمت: "شرحناه".

(2)

سيأتي التعليق والشرح على أسماء الله الحسنى أثناء شرح ابن الأمير لها.

ص: 78

"المُصَوِّرُ": هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل.

"الغَفَّارُ": هو الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد مرة، وأصل الغفر: الستر والتغطية، فالله تعالى غافر لذنوب عباده ساتر لها بترك العقوبة عليها.

"الفَتَّاحُ": هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمنغلق عليهم من أرزاقهم.

"القَابِضُ": الذي يمسك الرزق عن عباده بلطفه وحكمته.

"البَاسِطُ": الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجواده ورحمته، فهو الجامع بين العطاء والمنع.

"الخَافِضُ": الذي يخفض الجبارين والفراعنة، أي: يضعهم ويهينهم.

"الرَّافِعُ": هو الذي يرفع أولياءه ويعزهم، فهو الجامع بين الإعزاز والإذلال.

"الحَكَمُ": الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّم له الحكم ورد إليه.

"العَدْلُ": هو الذي لا تميل به الأهواء فيجور في الحكم، وهو من المصادر التي يسمى بها، كرجل ضيف وزور.

"الّلطِيفُ": الذي يُوصِل إليك أربك في رفق، وقيل: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية.

"الخَبِيرُ": العالم العارف بما كان وما يكون.

"الغفُورُ": من أبنية المبالغة في الغفران.

"الشَّكْورُ": الذي يجازي عباده ويثيبهم على أفعالهم الصالحة، فشكر الله تعالى لعباده إنما هو مغفرته لهم وقبوله لعبادتهم.

ص: 79

"الكَبِيرُ": هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن.

"المُقِيتُ": هو المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق.

"الحَسِيبُ": هو الكافي، وهو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى: مؤلم، وقيل: هو المحاسب.

"الرَّقِيبُ": هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.

"المُجِيبُ": هو الذي يقبل دعاء عباده ويستجيب لهم.

"الوَاسِعُ": الذي وسع غناه كل فقير، ورحمته كل شيء.

"الوَدُودُ": فعول بمعنى: مفعول من الوُدّ، فالله تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: إن الله تعالى يودُّ عباده الصالحين، بمعنى يرضى عنهم.

"المْجِيدُ": هو الواسع الكريم، وقيل: هو الشريف.

"البَاعِثُ": هو الذي يبعث الخلق بعد الموت يوم القيامة. "الشَّهِيدُ": هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد، كعالم وعليم، أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها.

"الحَقُّ": هو المتحقق كونه ووجوده.

"الوَكِيلُ": هو الكفيل بأرزاق عباده، وحقيقته: أنه الذي يستقل بأمر الموكول إليه، ومنه قوله تعالى:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} (1).

"القَوِيُّ": القادر، وقيل: التام القدرة والقوة، الذي لا يعجزه شيء.

"المتِينُ": هو الشديد القوي الذي لا تلحقه في أفعاله مشقة.

"الوَلِيُّ": الناصر، وقيل: المتولي للأمور القائم بها كولي اليتيم.

(1) سورة آل عمران: 173.

ص: 80

"الحَمِيدُ": المحمود الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول.

"المُحصي": هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء من الأشياء دق أو جل.

"المْبْدئُ": الذي أنشأ الأشياء، واخترعها ابتداء.

"المُعِيدُ": هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة.

"الوَاجِدُ": هو الغني الذي لا يفتقر، وهو من الجِدة والغِنى.

"الوَاحِدُ": هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، وقيل: هو المنقطع القرين والشريك.

"الأحد": الفرد، والفرق بين الواحد والأحد: أن أحداً بني لنفي ما يذكر معه من العدد، فهو يقع على المذكر والمؤنث، يقال: ما جاءني أحد، أي: لا ذكر ولا أنثى، وأما الواحد؛ فإنه وضع لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول فيه: جاءني أحد من الناس، فالواحد بني على انقطاع النضير والمثل، والأحد بني على الانفراد، والوحدة عن الأصحاب، فالواحد منفرد بالذات، والأحد منفرد بالمعنى.

"الصَّمَدُ": هو السيد الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، أي: يقصدونه.

"المُقْتَدِرُ": مفتعل من القدرة، وهو أبلغ من قادر.

"المقَدِّمُ": الذي يقدم الأشياء فيضعها في مواضعها.

"المُؤَخِّرُ": الذي يؤخرها إلى أماكنها، فمن استحق التقديم قدّمه، ومن استحق التأخير أخره.

"الأوَّلُ": هو السابق للأشياء كلها.

"الآخِرُ": الباقي بعد الأشياء كلها.

"الظّاهِرُ": هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.

"البَاطِنُ": هو المحتجب عن أبصار الخلائق.

ص: 81

"الوالِي": مالك الأشياء، المتصرف فيها.

"المُتَعالِي": هو المنزه عن صفات المخلوقين تعالى أن يوصف بها عز وجل.

"البَرُّ": هو العطوف على عباده ببره ولطفه.

"المُنْتَقِمُ": هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء، وهو مفتعل من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهية حدّ السخط.

"العَفُوُّ": فعول من العفو بناء مبالغة، وهو الصفوح عن الذنوب.

"الرَّؤُوفُ": هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، والفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهية.

"ذُو الجِلَالِ والإكْرَامِ": مصدر جليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال.

"المُقْسِطُ": العادل في حكمه، أقسط الرجل إذا عدل، فهو مقسط، وقسط: إذا جار، فهو قاسط.

"الجَامِعُ": هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب.

"المَانِعُ": هو الناصر الذي يمنع أولياءه أن يؤذيهم.

"النُّورُ": هو الذي يبصر بنوره ذوو العماية، ويرشد بهداه ذوو الغواية.

"الُوَارِثُ": هو الباقي بعد فناء الخلائق.

"الرِّشِيْدُ": هو الذي يرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفعِل.

"الصُّبُورُ": هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى، فمعنى الصبور في صفة الله تعالى قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنون منها في صفة الحليم.

سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون علوَّاً كبيراً.

ص: 82

قوله: "هو" هذا ضمير (1) الشأن على الشأن العظيم هو الله

إلى آخره، وهو مثل ضمير:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} (2).

"الله"(3) هذا هو الاسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، وإنما استحق الوجود منه.

قال الغزالي: إن هذا الاسم أعظم الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، وسائر الأسماء إنما تدل آحادها على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره، ولأنه أخص الأسماء، إذ لا يطلقه أحد على غيره، لا حقيقة ولا مجاز. وسائر الأسماء قد يسمى بها غيره؛ كالقادر والعليم والرحيم، فلهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء.

فائدة: يتخلق من هذا الاسم بالتأله وأعني به: أن يكون مستغرق القلب والهم بالله، ولا يرى غيره، ولا يلتفت إلى سواه [423 ب] ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، وكيف لا يكون ذلك وقد فهم من هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فإنه هالك باطل، فيرى نفسه أول هالك وباطل كما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"أصدق شعر قاله شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل".

قوله: "الرحمن الرحيم" فسراه بما تراه، وفسره غيرهما: هما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة تستدعي مرحوماً، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، والرحمة التامة إفاضة الخير على

(1) انظر موسوعة: "له الأسماء الحسنى"(2/ 15 - 20)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 107 - 109).

(2)

سورة الإخلاص: 1.

(3)

انظر: "تفسير السعدي"(5/ 298)، "مدارج السالكين"(1/ 34)، "بدائع الفوائد"(1/ 164).

ص: 83

المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة [هي](1) التي تناول المستحق وغير المستحق، ورحمته (2) تعالى تامة وعامة.

أما إتمامها؛ فمن حيث أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاءها.

وأما عمومها؛ فلشمولها المستحق وغيره، وعم الدنيا والآخرة وتناول الضروريات والحاجيات والمزايا الخارجة عنها، فهو تعالى الرحيم المطلق.

واعلم أن الرحمن أخص (3) من الرحيم، ولذلك لا يسمى به غير الله، والرحيم قد يطلق على غيره، فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله الجاري مجرى العلم، وإن كان هذا مشتقاً من الرحمة قطعاً [270/ أ] ولذا سوى الله بينهما في قوله:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} (4)، فالرحمن العطوف على عباده بما لا نحصيه من أياديه.

فائدة: حظ العبد من هذين الاسمين أن يرحم عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنصح وبطريق اللطف دون العنف (5)، وأن لا يدع فاقة لمحتاج إلا سدها بقدر طاقته، ولا يترك فقيراً إلا يسعى في تعهده بماله أو [424 ب] بجاهه، فإن عجز عن ذلك أعانه بالدعاء له.

(1) زيادة من (أ).

(2)

"مجموع فتاوى"(6/ 68)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (671 هـ)، (1/ 77 - 80).

(3)

انظر: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 62 - 63)، موسوعة "له الأسماء الحسنى"(1/ 28 - 29).

(4)

سورة الإسراء: 110.

(5)

ثم قال الغزالي: وأن ينظر إلى العاصين بعين الرحمة، لا بعين الإيذاء، أو الازدراء، وأن ينظر إلى كل معصية تقع من غيره كأنها تقع من نفسه، فلا يألو جهداً في إزالتها قدر طاقته إشفاقاً على ذلك العاصي أن يتعرض لغضب الله وسخطه، فيستحق البعد عن جوار ربه.

ص: 84

قلت: وقد ذكر عباده بما صدر عن صفته رحمته فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} (1)، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (2)، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (3).

[](4) وها هنا سؤال أوردوه في المقام وأجابوا عنه جواباً نفيساً، قالوا ما معناه: فإن قلت: ما معنى كونه رحيماً وأرحم الراحمين وأنت ترى الدنيا طافحة بأهل الابتلاء من الأمراض والمحتاجين وغير ذلك، وهو تعالى قادر قطعاً على إزالة ما بهم وإماطة كل بلية وحاجة وفقر؟

والجواب (5): أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة، والأب العاقل يحمله عليها قهراً، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام ابنه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه، وتمام شفقته، وأن الأم عدو له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سبباً للذة الكثيرة لم يكن شراً، بل كان خيراً، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي

(1) سورة يونس: 67. ولعله يشير إلى قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73].

(2)

سورة النور: 21.

(3)

سورة يونس: 58.

(4)

في المخطوط (ب) بياض بمقدار كلمة.

(5)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 64 - 65)، وانظر:"الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (1/ 62 - 64).

ص: 85

ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر أعظم، فقطع اليد لسلامة البدن شر لكن في ضمنه خير [425 ب]، [والنظر](1) الأول في قطعها السابق إلى نظر القاطع السلامة التي هي خير محض، فهي غرض الغرض، فإن السلامة مطلوبة لذاتها أولاً، والقطع مطلوب لغيره ثانياً لا لذاته (2).

والمراد لذاته قبل المراد لغيره؛ فإنه مطلوب ثانياً والكل مراد، لكن إرادة الخير لذاته وإرادة الشر لغيره، وهو ما في ضمنه من الخير، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلاً، فإن خطر ببالك نوع من الشر ما ترى تحته خيراً، أو خطر لك أن ذلك الخير ممكن حصوله بغير حصول الشر، فاتهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين (3)، ولا تشكنَّ أصلاً في أنَّه تعالى الرحمن الرحيم أرحم الراحمين.

قوله: "الملك" لم يفسراه كما تراه.

(1) كذا في (أ، ب)، والذي في "المقصد الأسنى": والمراد.

(2)

ثم قال الغزالي: فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته، والآخر مراد لغيره.

(3)

قال الغزالي: أما في قولك: إن هذا الشرك لا خير تحته؛ فإن هذا مما تقصى العقول عن معرفته، ولعلك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرًّا محضاً، أو مثل الغبي الذي يرى القتل قصاصاً شراً محضاً؛ لأنه ينظر إلى خصوص المقتول، لأنه في حقه شر محض، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة، ولا يدري أن التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض، ولا ينبغي أن يهمله.

أو اتهم عقلك في الخاطر الثاني، وهو قولك: إن تحصيل ذلك لا من ضمن ذلك الشر ممكن، فإن هذا أيضاً دقيق غامض، فليس كل محال وممكن مما يدرك إمكانه واستحالته لبديهة، بل ربما عرف ذلك بنظر عامل دقيق يقصر عنه الأكثرون.

فاتهم عقلك في هذين الطرفين، ولا تشكن أصلاً في أنه أرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه.

ص: 86

وقال غيرهما (1): هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء (2) لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في وجوده، ولا في بقائه، بل كل شيء فوجوده منه، أو مما هو منه، فكل شيء سواه فهو له مملوك في ذاته وصفاته، وهو مستغن عن كل شيء، فهذا هو الملك المطلق.

فائدة (3): العبد لا يتصور أن يكون [ملكاً](4) مطلقاً أصلاً؛ فإنه أبداً مفتقر إلى الله وإن استغنى عما سواه، ولا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء، لكن يستغني عنه أكثر الموجودات، نعم .. للعبد مملكة خاصة به وهي قلبه وقالبه، وجنده شهوته وغضبه وهواه، ورعيته لسانه ويداه وعيناه وسائر أعضائه، فإذا ملكها ولم تملكه وأطاعته ولم يطعها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإذا انضم إليه استغناؤه عن [كل](5) الناس واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة فهو الملك في العالم الأرضي، وهذه رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك [426 ب] العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قوتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن [الإرشاد](6)، وهذا الملك عطية من الملك الحق للعبد يعطيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 66).

(2)

في (أ، ب) زيادة: "في شيء".

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى".

(4)

كذا في المخطوط (أ، ب)، والذي في "المقصد الأسنى":"مالكاً ملكاً".

(5)

سقطت من (أ، ب).

(6)

كذا في (أ، ب)، والذي في "المقصد الأسنى": الاسترشاد.

ص: 87

قوله: "القُدُّوْسُ"(1) فسراه بما تراه وقال غيرهما: هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو لقصوره خيال أو سبق إليهم وهم، أو يختلج به ضميراً أو يقضي به تقدير. ولست أقول: منزه عن العيوب والنقائص، فإن ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب فليس من الأدب أن يقول القائل: ملك البلد ليس بحائك ولا حجام؛ فإن نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الإيهام نقص بل أقول القدوس، ثم قال: هو مضموم الأول، وقد روي بفتحه وليس بالكثير، ولم يجئ مضموماً من هذا الباب إلا: قدوس وسبوح وذروح.

وقال سيبويه (2): ليس في هذا الكلام فعول بالضم. انتهى.

هو المنزه (3) عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق؛ لأن الخلق أولاً نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال، ولكن وصفهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم واختيارهم، ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني وقالوا: إن هذه هي أسماء الكمال.

(1) يوصف الله عز وجل بأنه سبحانه القدوس، وهي صفة ذاتية، والقدوس اسم له ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب: قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: 23].

الدليل من السنة: حديث عائشة رضي الله عنها: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". مسلم رقم (487). وقال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن"(ص 8)، ومن صفاته:"قدوس" وهو حرف مبني على فُعُّول، من "القدس" وهو الطهارة.

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 40): القدوس الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد، والأولاد، والقدس: الطهارة.

انظر: "زاد المسير"(8/ 225)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 194 - 196).

(2)

انظر الكتاب (4/ 84، 111 - 113)، و (3/ 478).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 67).

ص: 88

[ووضعوها](1) إلى ما هو نقص في حقهم مثل: جهلهم وعجزهم، وعماهم وصممهم وخرسهم، فوضعوا [271/ أ] بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ، ثم كان غايتهم في الثناء على الله [تعالى أن وصفوه بما هو من أوصاف كلامهم](2) من علم وقدرة وسمع وبصر وتكلم، [وإن نضوا](3) عنه ما هو صفات [427 ب] بعضهم، والله تعالى منزه عن أوصاف كمالهم، كما أنه منزه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة تتصورها للخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاقها عليه. انتهى.

قلت: حاصله أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته.

قوله: "السَّلام"(4) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: هو الذي سلم ذاته عن العيوب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، حتى إذا كان كذلك لم يكن في الوجود سلامة إلا

(1) سقطت من (أ، ب)، وأثبتناه من "المقصد الأسنى".

(2)

في (أ، ب): "في وصفه إن وصفوه بما هو صفة كمالهم"، وما أثبتناه من "المقصد الأسنى".

(3)

في (أ، ب) غير مقروءة، وما أثبتناه من "المقصد الأسنى".

(4)

السلام: يوصف الله عز وجل بأنه السلام، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب: قال تعالى: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23].

الدليل من السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (591) عن ثوبان رضي الله عنه: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام

".

قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 41): السلام في صفة الله سبحانه هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه.

وقال السعدي في تفسيره (5/ 300): القدوس السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها، وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المنزه عن جميع العيوب، والمنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال.

وقال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 55): السلام: هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته.

ص: 89

وكانت مغرية إليه صادرة منه، وقد فهمت أن أفعاله (1) سالمة عن الشر أعني الشر المطلق المراد لذاته لا لخير حاصل في ضمنه أعظم منه، وليس في الوجود شر بهذه الصفة كما سبقت إليه الإشارة.

(1) قال ابن القيم في "بدائع الفوائد"(2/ 135): "

وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم، وفعل واقع عن غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله. فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء، والسمي والمماثل والسلام من الشريك، ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاماً مما يضاد كمالها، فحياته سلام من الموت ومن السنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة.

وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه. وإلهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو، وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته، وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه، أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلماً أو تشفياً أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله، ووضعه الأشياء مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه وثوابه ونعمه

ص: 90

فائدة (1): كل عبد سلم قلبه من الغش والحقد والحسد، [وسلم قلبه من](2) إرادة الشر، [وسلمت](3) عن الآثام والمحظورات جوارحه، وسلمت عن الانتكاس والانعكاس صفاته - فهو الذي يأتي الله بقلب سليم، وهو السلام من العباد والقريب في وصفه من السلام المطلق. قال: وأعني بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسير شهوته وغضبه، إذ الحق عكسه؛ وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يصير الأمير مأموراً، والملك عبداً، ولن يوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكيف يوصف به من لم يسلم [هو](4) من نفسه؟!

قوله: "المؤمن"(5) فسراه بما ترى.

(1) فيها يشير الغزالي إلى من يستحق من العباد أن يوصف بصفة السلام. وانظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 73 - 74).

(2)

سقطت من (أ، ب).

(3)

في (أ، ب): "وسلم". وما أثبتناه من "المقصود الأسنى".

(4)

زيادة من (أ).

(5)

يوصف الله عز وجل بأنه المؤمن، وهو اسم له ثابت بالكتاب.

الدليل: قوله تعالى: {السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23].

قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن"(ص 9): "ومن صفاته (المؤمن)، وأصل الإيمان: التصديق

فالعبد مؤمن؛ أي: مصدق محقق، والله مؤمن؛ أي: مصدق ما وعده ومحققه، أو قابل إيمانه.

وقد يكون (المؤمن) من الأمان؛ أي: لا يأمن إلا من أمَّنه الله

... وهذه الصفة من صفات الله جل وعز لا تتصرف تصرف غيرها، لا يقال: أمن الله؛ كما يقال: تقدس الله، ولا يقال: يؤمن الله؛ كما يقال: يتقدس الله

وإنما ننتهي في صفاته إلى حيث انتهى، فإن كان قد جاء من هذا شيء عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله عن الأئمة؛ جاز أن يطلق كما أطلق غيره". اهـ =

ص: 91

وقال غيرهما: هو الذي يعزى إليه الأمن والإيمان بإفادة أسبابه، وسده طرق المخاوف، ولا يتصور أمن إلا في محل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم والنقص والهلاك، والمؤمن المطلق هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلا ويكون مستفاداً من جهته وهو الله تعالى، والعبد ضعيف في أصل [428 ب] فطرته، وهو عرضة الأمراض والجوع والعطش من باطنه،

= وقال ابن منظور في "اللسان": "المؤمن من أسماء الله تعالى الذي وحد نفسه؛ بقوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، وبقوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، وقيل: المؤمن الذي آمن أولياءه عذابه، وقيل: المؤمن في صفة الله الذي أمِن الخلق من ظلمه، وقيل: المؤمن الذي يصدُق عباده ما وعدهم، وكل هذه الصفات لله عز وجل؛ لأنه صدق بقوله ما دعا إليه عباده من توحيد، وكأنه أمن الخلق من ظلمه، وما وعدنا من البعث والجنة لمن آمن به والنار لمن كفر به، فإنه مصدق وعده، لا شريك له".

وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله"(ص 221): "المؤمن في صفات الله عز وجل على وجهين:

أحدهما: أن يكون من الأمان؛ أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذاب، فيأمنون ذلك؛ كما تقول:"آمَنَ فلان فلاناً"؛ أي: أعطاه أماناً ليسكن إليه ويأمن، فكذلك أيضاً يقال: الله المؤمن، أي: يُؤْمِن عباده المؤمنين، فلا يأمن إلا من آمنه

والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: الله المؤمن؛ أي: مصدق عباده المؤمنين؛ أي: يصدِّقُهم على إيمانهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه. والآخر: أن يكون الله المؤمن؛ أي: مصدق ما وعده عباده؛ كما يقال: صَدَقَ فلان في قوله وَصَدَّقَ؛ إذا كرر وبالغ، يكون بمنزلة ضَرَبَ وضَرَّبَ؛ فالله عز وجل مصدق ما وعد به عباده ومحققه.

فهذه ثلاثة أوجه في المؤمن، سائغ إضافتها إلى الله.

ولا يصرف فعل هذه الصفة من صفاته عز وجل، فلا يقال: آمن الله؛ كما يقال: تقدس الله، وتبارك الله، ولا يقال: الله يؤمن، كما يقال: الله يحلم ويغفر، ولم يستعمل ذلك؛ كما قيل: تبارك الله، ولم يقل: هو متبارك، وإنما تستعمل صفاته على ما استعملتها الأمة وأطلقتها".

ص: 92

[وعرضة لهدفات](1) من ظاهره، ولم يؤمنه من هذه المخاوف إلا الذي أعدّ له الأدوية النافعة دافعة لأمراضه، والأطعمة مزيلة لجوعه، والأشربة حميتة لعطشه، والأعضاء دافعة عن بدنه، والحواس جواسيس منذرة مما يقرب من مهلكاته، ثم خوفه الأعظم من مهلكات الآخرة، ولا يحصنه عنها إلا كلمة التوحيد، والله هاديه إليها ومرغّبه فيها حيث قال:"لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي" فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو المتفرد بخلقها، والهداية إلى استعمالها، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فهو المؤمن المطلق حقاً. انتهى.

وعرفت أنه اختار أنه من الأمان.

فائدة (2): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ودنياه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه"(3)، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سبباً لأمن العباد من عذاب الله بالهداية إلى طريق الله والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهو حرفة الأنبياء عليهم السلام، والعلماء.

(1) كذا في المخطوط (أ، ب)، والذي في "المقصد الأسنى":"وعرضة للآفات المحرقة والمفرقة والجارحة والكاسرة".

(2)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 76 - 79).

(3)

أخرج البخاري رقم (6136، 6138)، ومسلم رقم (48) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

ص: 93

ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تهافتون في النار تهافت الفراش، وأنا آخذ بحجزكم"(1).

قوله: "المهَيْمِنْ"(2) فسره بما تراه، وقال الغزالي (3): معناه في حق الله أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليها باطلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرف على كنه الأمور ومستول عليه حافظ له، فهو مهيمن عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل، فالجامع بين هذه المعاني اسمه [429 ب] المهيمن، ولن يجمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله.

فائدة (4): كل عبد راقب الله تعالى حتى أشرف على أغواره وأسراره واستولى مع ذلك على تقويم أحواله وأوصافه وقام بحفظه على الدوام على مقتضى تقويمه؛ فهو مهيمن بالإضافة إلى قلبه.

(1) أخرجه أحمد (1/ 390)، والطيالسي في "المسند" رقم (402)، والطبراني في "الكبير" رقم (10511)، والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم (1131) بإسناد حسن.

(2)

الهيمنة صفة ثابتة لله عز وجل بالكتاب، من اسمه المهيمن، قال تعالى:{الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23].

قال ابن جرير في "جامع البيان"(8/ 486) في تفسير الآية (48) من سورة المائدة: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]

الآية. وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده، قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن.

وقال ابن منظور في "اللسان": المهيمن اسم من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة، والمهيمن: الشاهد، وهو من أمن غيره من الخوف.

وقال الكسائي: المهيمن: الشهيد.

وقال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 55): المهيمن: هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل، وهو من صفات ذاته، وقيل: هو الأمين. وقيل: هو الرقيب على الشيء والحافظ له.

(3)

في "المقصد الأسنى".

(4)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 81).

ص: 94

قوله: "العَزِيْزُ"(1) فسراه بما تراه، وغيرهما قال (2): هو الخطير الذي [لا يحل](3) وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة لم يطلق اسم العزيز عليه، ثم فسر الثلاثة وضرب الأمثال، وأبان أنها لا تكون إلا لله، فشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته، وليس ذلك على الكمال إلا لله، والكمال في صعوبة المنال أن يستحيل الوصول إليه على معنى الإحاطة بكنهه، وليس ذلك على الكمال إلا لله، فقد بينا أنه لا يعرف الله إلا الله.

فائدة (4): يتخلق العبد من هذا بأن يكون ممن يحتاج إليه خلق الله في أهم أمورهم وهي الحياة الأبدية والأخروية، وذلك مما يقل وجوده ويصعب إدراكه وهي رتبة الأنبياء عليهم السلام، ويشاركهم في العز من ينفرد بالقرب في عصره من درجتهم كالخلفاء، وورثتهم من العلماء، وعزة كل واحد منهم بقدر علو رتبته، وبقدر عنايته في إرشاد العباد.

(1) العزيز: هو المنيع الذي لا يغلب، والعزّ في كلام العرب على ثلاثة أوجه:

أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عزَّ بزّ، أي: من غلب سلب، يقال عنه: عز يُعزّ بضم العين من يُعزُّ، ومنه قوله تعالى:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)} [ص: 23].

والثاني: بمعنى الشدة والقوة، يقال منه: عزّ يعَزُّ بفتح العين.

والثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عزّ الشيء يعِزُّ بكسر العين من يعِزُّ.

انظر: "شأن الدعاء"(ص 47 - 48)، "تهذيب اللغة" للأزهري (7/ 147).

وقال الغنيمان في شرح "كتاب التوحيد"(1/ 249): والعزة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعزته، وقهر بها كل شيء، وكل عزة حصلت لخلقه، فهي منه.

انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس (2/ 219).

(2)

في "المقصد الأسنى".

(3)

كذا في (أ، ب)، والذي في المقصد:"يقل".

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"، وانظر:"شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 84 - 87).

ص: 95

قوله: "الجَبَّار"(1) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: الجبار هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، والذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، فالجبار المطلق هو الله تعالى، فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد.

(1) الجبروت صفة ذاتية لله عز وجل، من اسمه (الجبار)، وهي ثابتة بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23].

الدليل من السنة:

1 -

حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فلما ركع؛ مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه:"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". وهو حديث حسن، وقد تقدم.

2 -

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الرؤية: "

قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة

" رواه البخاري (7439).

قال ابن القيم في "النونية"(2/ 95):

وكَذلِكَ الجَبَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ

وَالجَبْرُ فِي أوْصَافِهِ نَوْعَانِ

جَبْرُ الضَّعِيفِ وَكُلُّ قَلْبٍ قَدْ غدَا

ذَا كَسْرَةٍ فالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ

والثّاني جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذي

لَا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسانِ

وَلَهُ مُسَمَّى ثالِثٌ وَهوَ العُـ

ـلُوّ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسانِ

مِنْ قَوْلهِم جَبّارةٌ للنَّخْلَةِ العُلْيَا

التي فاتَتْ لِكُلِّ بَنانِ

وقال الهراس في شرحه لهذه الأبيات: "وقد ذكر المؤلف هنا لاسمه (الجبار) ثلاثة معان، كلها داخلة فيه، بحيث يصح إرادتها منه:

أحدها: أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله؛ فكم جبر سبحانه من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، وأزال من شدة، ويسر من عسير، وكم جبر من مصاب، فوفقه للثبات والصبر، وأعاضه من مصابه أعظم الأجر، فحقيقة هذا الجبر هو إصلاح حال العبد بتخليصه من شدته ودفع المكاره عنه. =

ص: 96

فائدة (1): الجبار من العباد من ارتفع عن الاتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلو رتبته، بحيث يجبر الخلق [430 ب] بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته. [272/ أ].

قوله: "المُتَكَبِّر"(2) فسراه بما ترى.

= الثاني: أنه القهار، دان كل لشيء لعظمته، وخضع كل مخلوق لجبروته وعزته؛ فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ومشيئته؛ فلا يستطيعون الفكاك منه.

والثالث: أنه العلي بذاته فوق جميع خلقه؛ فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه.

وقد ذكر العلامة الشيخ السعدي رحمه الله أن له معنى رابعاً، وهو أنه المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له كفو أو ضد أو سمي أو شريك في خصائصه وحقوقه". اهـ

(1)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 87).

(2)

الكبر والكبرياء صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، و (المتكبر) من أسماء الله تعالى.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23].

2 -

وقوله: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)} [الجاثية: 37].

الدليل من السنة:

1 -

حديث: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". رواه البخاري (7444)، ومسلم (180).

2 -

حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: "العز إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته". رواه مسلم (2620)، وأبو داود بلفظ: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري

".

قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن"(ص 18): "وكبرياء الله: شرفه، وهو من (تكبَّر): إذا أعلى نفسه". اهـ

وقال قوَّام السنة في "الحجة"(2/ 186): "أثبت الله العزة والعظمة والقدرة والكبر والقوة لنفسه في كتابه".

وقال الغنيمان في "شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري"(2/ 161): "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".

ص: 97

وغيرهما قال (1): هو الذي يرى الكل صغيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد، فإن كانت هذه الرؤية كانت صادقة كان التكبر حقاً، وكان صاحبها متكبراً حقاً، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا لله تعالى. انتهى.

قلت: ولا حقّ للعبد (2) في التخلق بهذه الصفة.

قوله: "الخالِقُ البَارِئُ المصَوِّرُ" فسراه بما ذكرا، وقال غيرهما: قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق (3) والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل كل ما

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى".

(2)

لقوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)} [الزمر: 72]. وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)} [غافر: 35].

(3)

الخلقُ: صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، مأخوذة من اسميه (الخالق) و (الخلاق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معاً.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].

2 -

وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)} [الحجر: 86].

3 -

وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16].

4 -

وقوله: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24].

الدليل من السنة:

1 -

حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة". رواه البخاري (5953)، ومسلم (2111).

2 -

حديث عائشة رضي الله عنها في التصاوير: " .. أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله

". رواه البخاري (5954)، ومسلم (3/ 1668). =

ص: 98

يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى إيجاد على وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً، والله تعالى خالق من حيث أنه مقدر، وبارئ (1) من حيث أنه مخترع موجد، ومصور (2) من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب.

= قال الأزهري في "تهذيب اللغة"(7/ 26): "ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله جل وعز.

والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه.

وقال أبو بكر بن الأنباري: الخلق في كلام العرب على ضربين:

أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير.

وقال في قول الله جل وعز: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} [المؤمنون: 14] معناه: أحسن المقدورين.

انظر: "مجموع فتاوى"(12/ 435 - 436).

(1)

البارئ: يوصف الله عز وجل بأنه البارئ، وهو اسم له سبحانه وتعالى، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: 24].

2 -

وقوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54].

الدليل من السنة:

حديث أبي جحيفة قال: سألت علياً رضي الله عنه: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما عندنا إلا ما في القرآن؛ إلا فهماً

" رواه البخاري (6903).

وقال الزجاج في "تفسير الأسماء الحسنى"(ص 37): البرء: خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءاً".

(2)

المصور: يوصف الله عز وجل بأنه المصور، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و (المصور) من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6].

2 -

وقوله: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24]. =

ص: 99

وهو كالبنيان مثلاً، فإنه محتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن، ومساحة الأرض وعدد الأبنية بطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس ويصوره، ثم يحتاج إلى بانٍ يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية ثم يحتاج إلى من ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء، وليس كذلك في أفعال الله إذ هو المقدر والموجد والمزين، فهو الخالق البارئ المصور [فهو باعتبار تقدير هذه الأمور وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق، وباعتبار مجرد الإيجاد والإخراج من العدم بارئ](1).

وأما المصور فهو له تعالى من حيث رتب صور الأشياء أحسن [431 ب] ترتيب وصورها أحسن تصوير، وهذا الترتيب والتصوير موجود في كل جزء من أجزاء العالم وإن صغر، حتى في النملة، بل في كل عضو من أعضاء النملة، وهكذا في كل صورة لكل حيوان ولكل نبات، بل لكل جزء من كل حيوان ونبات.

= الدليل من السنة:

1 -

حديث أنس رضي الله عنه: "لما صور الله آدم في الجنة؛ تركه ما شاء الله أن يتركه

" رواه مسلم (2611).

2 -

حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "

سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشق سمعه وبصره" رواه مسلم (771).

قال ابن منظور في "لسان العرب": "ومن أسماء الله المصوِّر، وهو الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها".

قال الشيخ ابن سعدي في "التفسير"(5/ 301): "الخالق البارئ المصور: الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصوره بحمده وحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم.

(1)

كذا العبارة في المخطوط، والذي في "المقصد الأسنى": فهو باعتبار تقدير الأمور خالق، وباعتبار الإيجاد والاختراع من العدم إلى الوجود بارئ، وباعتبار جعل المخلوقات على وفق سابق علمه مصور

".

ص: 100

قوله: "الغَفَّار"(1) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: أنه الذي يظهر الجميل ويستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح التي يسترها بإسبال الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة.

والعفو: هو الستر، وأول ستره على العبد: أن جعل متاع بدنه الذي تستقبحه الأعين مستورة في باطنه مغطاة بجمال ظاهره، فكم بين باطن العبد وظاهره في النظافة والقذارة، والقبح والجمال، فانظر ما الذي أظهره وما الذي ستره.

وستره الثاني: أن جعل خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سرّه، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله من مخازي وساوسه، وما ينطوي عليه ضميره من الغش والخيانة وسوء الظن بالناس لمقتوه، بل سعوا في هلاكه، فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوراته.

وثالث ستره على عبده: مغفرة ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها على رءوس الخلائق.

فائدة (2): يتخلق العبد من هذه الصفة أن يستر على غيره ما يجب أن يستره عليه، فلا يفشي عن خلق الله إلا أحسن ما يعلم، وكل مخلوق لا ينفك عن كمال ونقص وعن قبح وحسن، فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو نصيب من التخلق بهذا الوصف، كما

(1) قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن"(ص 14): "ومن صفاته الغفور وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته، كما يقال: كفرته إذا غطيته، ويقال: كذا أغفر من كذا؟ أي أستر".

وقال السعدي في تفسيره (5/ 300): العفو الغفور الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه.

انظر: "شأن الدعاء" للخطابي (ص 52)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 93).

(2)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى". (ص 101).

ص: 101

روي عن عيسى أنه مرّ هو والحواريون بكلب ميت فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة؟ فقال عيسى عليه السلام: ما أحسن بياض أسنانه! تنبيهاً على أن الذي [432 ب] ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو حسن.

قوله: "القَهَّار" فسراه بما تراه، وهذه الصفة ثابتة في القرآن، {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)} (1) وفيه:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (2).

وقال غيرهما: هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال، بل الذي لا موجود إلا وهو تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته.

فائدة (3): للعبد من هذه الصفة أن يتخلق بقهر شهواته وقهر شيطانه، [ومن](4) قهر شهواته فقد قهر الناس جميعاً؛ لأنهم إنما ينافسونه على الشهوات ومن أعرض [273/ أ] وقهرها لم يبق لهم شيء ينازعونه فيه.

(1) سورة الرعد: 16.

(2)

سورة الأنعام: 18، 61.

قال ابن جرير في "جامع البيان"(9/ 180): "القاهر" المذلل المستعبد خلقه، العالي عليهم، وإنما قال:{فَوْقَ عِبَادِهِ} لأنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم، ومن وصفه كل قاهر شيئاً أن يكون مستعلياً عليه، فمعنى الكلام إذاً، والله الغالب عباده، المذلِّلُهم العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه.

وانظر: "جامع البيان"(13/ 496)، "شأن الدعاء"(ص 53)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 38).

(3)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 104).

(4)

في المخطوط (أ، ب): "مهما"، وما أثبتناه من "المقصد الأسنى".

ص: 102

قوله: "الوَهَّاب"(1) في القرآن: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} (2) وفسراه بما تراه، وقال الغزالي (3): الهبة هي العطية الخالية من الأعواض (4)، فإذا كثرت العطايا بهذه الصفة سمي صاحبها جواداً ووهَّاباً، ولن يتصور الجود والهبة حقيقة إلا من الله تعالى، فهو الذي لا يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل أو آجل، ومن وهب [و](5) له في هبته غرض عاجل أو آجل من ثناء أو مدح أو مودة أو نحو ذلك، فهو مقابل معتاض وليس بواهب ولا جواد، وإنما الجود الحق هو الذي تفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض (6) يعود إليه. انتهى.

(1) يوصف الله عز وجل بأنه الوهاب، يهب ما يشاء لمن يشاء كيف شاء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وهي صفة فعلية، والوهاب من أسمائه تعالى.

انظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 231 - 232).

(2)

سورة آل عمران: 8.

(3)

في "المقصد الأسنى".

(4)

والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهّاباً، وهو من أبنية المبالغة. قاله ابن منظور في "لسان العرب".

وانظر: "شأن الدعاء" للخطابي (ص 53 - 54).

(5)

سقطت من (ب).

(6)

قال أبو القاسم الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص (126): "الوهاب: الكثير الهبة والعطية، وفعَّال في كلام العرب للمبالغة؛ فالله عز وجل وهَّاب، يهب لعباده واحداً بعد واحد ويعطيهم، فجاءت الصفة على فعَّال لكثرة ذلك وتردده، والهبة: الإعطاء تفضلاً وابتداءً من غير استحقاق ولا مكافأة" اهـ.

وانظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 232 - 233)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (1/ 397 - 398).

ص: 103

قوله: "الرَّزَّاق"(1) فسراه بما تراه، وقال غيرهما: الرزاق هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها، والرزق رزقان، ظاهره: وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطنة: وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهو أشرف الرزقين، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد [433 ب]، والله هو المتولي لخلق الرزقين، والمتفضل بإيصاله إلى الخلق، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

فائدة: يتخلق العبد بأن يعلم أن الرزقين منه تعالى فلا يطلبهما (2) من غيره، فإذا رزق العبد الرزق الباطن، فرزقه علماً هادياً ولساناً مرشداً معلماً، ليكون سبباً لوصول الأرزاق

(1) الرَّزْق صفة فعلية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، والرزَّاق، (الرَّزاق) من أسمائه تعالى.

قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [النحل: 114].

وقال تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)} [الحج: 58].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 58].

قال الهراس: "ومن أسمائه سبحانه (الرزاق)، وهو مبالغة من (رازق)؛ للدلالة على الكثرة، مأخوذ من الرَّزق - بفتح الراء - الذي هو المصدر، وأما الرزق - بكسرها -؛ فهو لعباده الذين لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين، والرزق كالخلق، اسم لنفس الشيء الذي يرزق الله به العبد؛ فمعنى الرزاق: الكثير الرزق، صفة من صفات الفعل، وهو شأن من شؤون ربوبيته عز وجل، لا يصح أن ينسب إلى غيره، فلا يسمى غيره رازقاً كما لا يسمى خالقاً، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]؛ فالأرزاق كلها بيد الله وحده، فهو خالق الأرزاق والمرتزقة، وموصلها إليهم، وخالق أسباب التمتع بها؛ فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو مولاها وواهبها".

انظر: "شأن الدعاء" للخطابي (ص 54)، "استشاق أسماء الله" للزجاجي (ص 126).

(2)

قال القشيري في "شرح الأسماء الحسنى"(ص 109): "ومن عرف أن الله هو الرزاق أفرده بالقصد إليه وتقرب إليه بدوام التوكل عليه، قال الله تعالى:{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26].

ص: 104

الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله، فيكون هذا شكراً لنعمة الله عليه بالرزق الباطن، ويعلم أن وصف الرزاق لا يستحقه إلا الله فلا ينتظر الرزق إلا منه.

يروى: أنه قيل لحاتم الأصم (1): من أين تأكل؟ قال: من خزائنه، قال الرجل: يلقى عليك الخبز من السماء! فقال: لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء، فقال الرجل: أنتم تقولون الكلام، قال: لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام، فقال الرجل: أنا لا أقوى على مجادلتك، قال: لأن الباطل [لا يقوم](2) مع الحق.

قوله: "الفَتَّاح"(3) فسراه بما تراه وهو لفظ قرآني: {وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)} (4).

وقال (5) غيرهما (6): هو الذي بعنايته ينفتح كل منغلق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)} (7)، وتارة لرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال

(1) ذكره القشيري في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 109 - 110).

(2)

في المخطوط (أ، ب): "لا يقوى"، وما أثبتناه من "شرح القشيري"(ص 109).

(3)

الفتح: صفة لله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة، والفتاح اسم من أسمائه تعالى. قال تعالى:{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: 89].

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (3124)، ومسلم رقم (1747) عن أبي هريرة: "

اللهم احبسها علينا - يعني الشمس - فحبست حتى فتح الله عليه

".

(4)

سورة سبأ: 26.

(5)

انظر: "شأن الدعاء" للخطابي (ص 56)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 189)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 236 - 237).

(6)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى".

(7)

سورة الفتح: (1). قال الرازي في شرحه (ص 236 - 237): الفتاح في وصفك لله يحتمل معنيين: =

ص: 105

كبريائه ويقول: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} (1)، ومن بيده مفاتيح الممالك ومفاتيح الرزاق فبالحري أن يكون فتاحاً.

فائدة: يتخلق العبد من هذا الاسم أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، كما ورد في الحديث: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر

" (2) الحديث، وفيه: "فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر" هذا لفظه أو معناه، وقد [434 ب] حذفنا بعضه، وأن يكون بلسانه فاتحاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، داعياً إلى الله ذاكراً له.

قوله: "العَلِيْم"(3) فسراه بما تراه.

= أحدهما: أنه الحاكم بين الخلق، وذلك أن الحاكم يفتح الأمر المستغلق بين الخصمين، والله تعالى ميز بين الحق والباطل، وأوضح الحق وبينه، ودحض الباطل وأبطله، فهو الفتاح.

الثاني: أنه الذي يفتح أبواب الخير على عباده، ويسهل عليهم ما كان صعباً، ثم تارة يكون هذا الفتح في أمور الدين وهو العلم، وأخرى في أمور الدنيا فيغني فقيراً، وينصر مظلوماً، ويزيل كربة.

وانظر: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (1/ 225).

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 56): ويكون الفاتح أيضاً بمعنى الناصر، كقوله سبحانه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19].

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(7/ 386): أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.

(1)

سورة فاطر: 2.

(2)

أخرجه ابن ماجه رقم (237)، وابن أبي عاصم في "السنة"(1/ 127 - 128)، والطيالسي رقم (2082) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه"، وهو حديث حسن.

(3)

العلم صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (العليم).

الدليل من الكتاب: =

ص: 106

وقال غيرهما (1): هو أن يحيط علماً بكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، عاقبته وفاتحته، وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها، ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون مستفاداً من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه.

فائدة: يتخلق العبد من هذا بأن يبالغ في تعلم العلم النافع ويتوسع فيه وهو علم الكتاب والسنة، وأن يعلم أنه وإن صار عليماً بما فتح الله به عليه؛ فإن علمه يقصر عن علم الله في كل شيء، بل ما علمه وعلم جميع الخلائق في علم الله إلا كما يأخذه العصفور بمنقاره من

= قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].

قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)} [المائدة: 97].

قال تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)} [المائدة: 109].

قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام:73، الرعد: 9، التغابن: 18].

الدليل من السنة:

منها: ما أخرجه البخاري رقم (6382) وفيه: "اللهم إني أستخيرك بعلمك

".

قال الغنيمان في شرح "كتاب التوحيد" للبخاري (1/ 103): "

وعلمه تعالى من لوازم نفسه المقدسة، وبراهين علمه تعالى ظاهرة مشاهدة في خلقه وشرعه، ومعلوم عند كل عاقل أن الخلق يستلزم الإرادة، ولا بد للإرادة من علم بالمراد، كما قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14].

ثم قال: "وهو يعلم ما في السماوات السبع، والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وكل شجرة وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة".

(1)

انظر: "شأن الدعاء"(ص 57)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 50 - 53).

ص: 107

البحر، كما قاله الخضر (1) لموسى عليه السلام ويعلم أن علمه يقصر عن علم الله بدرجات لا تنحصر نذكر منها ثلاثاً (2):

الأول: معلومات العبد، وإن اتسعت فهي محصورة في قلبه، فأنى تناسب ما لا نهاية له.

والثاني: أن كشفه وإن اتضح لا يبلغ الغاية التي لا يمكن وراءها، بل يكون [274/ أ] كأنه يراها من وراء ستر رقيق (3).

(1) تقدم، وهو حديث صحيح.

(2)

انظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 241).

(3)

لم يذكر الثالث.

ومن هذه الفروق أو الدرجات:

- أن الله بالعلم الواحد يعلم جميع المعلومات، بخلاف العبد.

- أن علم الله لا يتغير بتغير المعلومات بخلاف العبد.

- أن علم الله غير مستفاد من الحواس ولا من الفكر، بخلاف العبد.

- أن الله سبحانه وتعالى لا يشغله علم عن علم، بخلاف العبد.

وانظرها أيضاً في "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 241).

ص: 108

قوله: "القَابِضُ (1) البَاسِط (2) " في القرآن: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} (3) وفسراه بما تراه.

وقال غيرهما (4): هو الذي يقبض الأرواح [و](5) الأشباح عند الممات، ويبسط الأرواح في

(1) القبض: صفة فعلية لله عز وجل ثبتت بالكتاب والسنة، والقابض من أسماء الله تعالى.

قال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)} [البقرة: 245].

وأخرج البخاري رقم (7382)، ومسلم رقم (2787) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: "يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة

".

قال أبو يعلى الفراء في "إبطال التأويلات"(ص 168) بعد ذكر حديث: "إن الله خلق آدم من قبضته قبضها

" اعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سبحانه، وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم؛ لأنه مخلوق باليد من هذه القبضة، فدل على أنها قبضة باليد، وفي جواز إطلاق ذلك أنه ليس في ذلك ما يُحيلُ صفاته ولا يخرجها عمَّا تستحقه.

انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 140)، "الصواعق المرسلة"(2/ 171).

(2)

البسط صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة، والباسط اسم من أسمائه عز وجل.

قال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)} [البقرة: 245].

وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الإسراء: 30].

عن أنس رضي الله عنه: "

إن الله هو المسعَّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو الله أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال".

[أخرجه أحمد في "المسند" (3/ 156)، والترمذي رقم (1314)، وأبو داود رقم (3451)، وابن ماجه رقم (2200)، وابن حبان في صحيحه رقم (4935)، وهو حديث صحيح].

وقال ابن مندة في "كتاب التوحيد"(2/ 93): "ومن أسماء الله عز وجل الباسط، صفة له".

انظر: "التدمرية"(ص 29)، "شأن الدعاء" للخطابي (ص 57 - 58).

(3)

سورة البقرة: 245.

(4)

وهو القشيري في شرحه لأسماء الله الحسنى (ص 120).

(5)

في المخطوط (من)، وما أثبتناه من شرح القشيري.

ص: 109

الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات عند الأنبياء، ويبسط الأرزاق [للضعفاء](1) ويبسط الرزق للأغنياء حتى لا تبق فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا تبقى طاقة [435 ب] ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة منالاته وتعاليه وجلاله، ويبسطها بما ينعرف لها من بره ولطفه وجماله.

قلت: ويبسطها بما يهديه إليها من وعده الصادق، ويقبضها بما يرد عليها من وعيده الحق، وغير ذلك.

فائدة (2): يتخلق العبد من هذين الاسمين أن يبسط قلوب العباد بما يذكرهم به من نعم الله التي قصر عنها التعداد، وزادت على المراد من نعمة الإيجاد من العدم، والإمداد بالجلائل والدقائق من النعم، ويقبض القلوب بما يذكرهم به من عواقب المعاصي والذنوب، وأنها أخلت الديار وأنزلت بأهلها الدمار، وألزمتهم الذلة والصغار، وأنه لا بلاء في الدنيا والآخرة إلا سببه الذنوب والأوزار، وهذه كانت طريقة سيد الأبرار محمَّد المختار صلى الله عليه وسلم آناء الليل وأطراف النهار، كان يذكر بالجنة ويشوق إليها، وإلى نعيمها، فتنبسط إليها شوقاً قلوب الأخيار، ويحذر من النار وما أعده الله فيها للفجار فيضيق قلوب السامعين من الأخيار والأشرار.

واعلم أنه لم يرد إفراد أحد الاسمين عن الآخر، ولا ورد اللفظ المشتق في القرآن إنما ورد الفعلان كما ذكرناهما، وهذا يتم على جواز اشتقاقها - الصفات له تعالى - من الأفعال التي أثبتها لنفسه، وفيه خلاف.

(1) في (أ، ب) غير مقروءة، وما أثبتناه من "المقصد الأسنى".

(2)

انظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 242 - 243).

ص: 110

قال الرازي (1): الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة ثابتة في حق الله قطعاً، وممتنعة [قطعاً](2) وثابتة لكن مقرونة مبتدعة.

فالقسم الأول منه: ما يجوز ذكره مفرداً لا مضافاً، وهو كثير جداً؛ كالقادر والقاهر.

ومنه ما يجوز مفرداً، ويجوز مضافاً لأمر؛ كالخالق. ويجوز: خالق كل [436 ب] شيء مثلاً، ولا يجوز: خالق القدرة، ومنه عكسه يجوز مضافاً، ولا يجوز مفرداً كالمنشئ، فيجوز منشئ الخلق ولا يجوز المنشئ فقط.

والقسم الثاني: إن ورد السمع بشيء منه أطلق وحمل على ما يليق به.

والقسم الثالث: إن ورد السمع بشيء منه أطلق ما ورد منه، ولا يقاس عليه ولا يتصرف فيه بالاشتقاق، كقوله:"مكر الله، يستهزئ" فلا يجوز: ماكر ومستهزئ. انتهى.

فعرفت من كلامه أنه لا يجوز اشتقاق الصفات من الأفعال التي نسبت إليه، إلا أن في منعه لإطلاق خالق القدرة تأملاً، إذ لا يظهر وجه منعه ذلك، فينظر.

قال القرطبي (3): أسماء الله وإن تعددت فلا تعدد في ذاته، لا محسوساً كالحسيات ولا عقلياً؛ كالمحدودات، وإنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هي (4) من جهة دلالتها على أربعة أضرب:

الأول: الدال على الذات مجرَّدة كالجلالة؛ فإنه يدل دلالة مطلقة غير مقيدة، وذكر ما قدمناه، قال: ولهذا كان الأصح أنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة.

الثاني: ما يدل على الصفات الثابتة للذات؛ كالعليم والقدير والسميع والبصير.

(1) في تفسيره (1/ 134 - 140)، "وشرح أسماء الله الحسنى"(ص 47).

(2)

في (ب): حقّاً.

(3)

في "المفهم"(7/ 15 - 16).

(4)

أي: هذه الأسماء.

ص: 111

الثالث: ما يدل على إضافة أمر ما إليه؛ كالخالق والرازق.

الرابع: ما يدل على سلب شيء عنه كالعلي والقدوس.

وهذه الأقسام الأربعة منحصرة في النفي والإثبات. انتهى.

وذهب أئمة التحقيق (1) إلى تفصيل فيما يطلق عليه تعالى [437 ب] فقال: أسماء الله في باب الدعاء توقيفية، أي: لا تدعى إلا بما ورد به الشرع، كما أشار إليه قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (2) فلا يدعى إلا بما سمى به نفسه، فلا يقال: يا شيء، ويا موجود اغفر لي. وأما في الأخبار فيجوز أن يخبر عنه بما لم يرد مثل: موجود، ومذكور، وواجب الوجود، وصانع العالم، وكل ما كان معناه حقاً في حقه تعالى، وهذا تفصيل حسن. وسِرُّه: أن في باب الدعاء يتوسل إليه بأسمائه ولذلك يذكر الداعي في كل مطلوب ما يناسبه، ففي طلبه المغفرة يقال: يا غفور يا رحيم اغفر لي، وبه وردت الأدعية النبوية والقرآنية، ومن تتبع ذلك كتاباً وسنة وجده صحيحاً وعلم صحة هذا التفصيل [275/ أ].

قوله: "الخَافِضُ الرَّافِع" هذان مما لم يرد في القرآن أيضاً، وجاء الفعل:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (3).

(1) انظر: "مجموع فتاوى"(6/ 143، 229)، "شرح السنة" للبغوي (1/ 185 - 186)، "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 40)، "مختصر الصواعق"(1/ 232)، "التدمرية"(ص 43، 65).

(2)

سورة الأعراف: 180.

(3)

سورة المجادلة: 11.

قال القرطبي في "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 364): وليس في القرآن خافض لا مضافاً ولا مفرداً، ولا فيه فعل يشتق منه هذا الوصف، وأما رافع فلم يرد في القرآن اسماً بهذه الصيغة، إلا أنه جاء مضافاً في قوله تعالى:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وورد:{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} [غافر: 15]. =

ص: 112

وأما خفض فلم يحضرني أنه أتى بها القرآن. فسراه بما تراه، وقال الغزالي (1): هو الذي يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، يرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، ومن رفع مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات وإرادته عن ذميم الشهوات فقد رفعه إلى أفق الملائكة المقربين، ومن قصر مشاهدته على المحسوسات وهمته على ما يشارك فيه البهائم من الشهوات، فقد خفضه إلى أسفل سافلين، ولا يفعل ذلك إلا الله فهو الخافض الرافع.

فائدة (2): تخلق العبد من هذين الاسمين أن يرفع الحق ويخفض الباطل، فيعادي أعداء الله خفضاً لهم، ويوالي أولياءه [438 ب] رفعاً لهم وينشر العلم النافع رفعاً له، ويخفض البدع، ويهجر أهلها خفضاً لها، وهذا يدخل فيه أنواع كثيرة.

قوله: "المعزُّ المذل"(3) لم يردا في القرآن.

= ثم قال: فهو سبحانه الواضع قدر من شاء والرافع المعلي لقدر من شاء، كما روى مسلم رقم (817) عن عامر ابن واثلة: "

إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".

"شأن الدعاء"(ص 58).

(1)

في "المقصد الأسنى"(ص 91).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى".

وانظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 123).

وقال الرازي في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 244): وأما حظ العبد: فهو أن يرفع جانب الروح، ويخفض جانب النفس أو ينصر أولياء الله، وينازع أعداء الله.

(3)

"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 245)، "شأن الدعاء"(ص 58)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 370 - 373).

ص: 113

إنما ورد فعلاهما: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} (1)، قال الغزالي (2): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عما يشاء، والملك الحقيقي: الخلاص عن ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن كشف الحجاب عن قلبه وشاهد جمال حضرته، ورزقه القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وأتاه الملك عاجلاً وسيعزه في الآخرة بالتقريب ويناديه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} (3).

ومن مد عينيه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالكفاية، واستدرجه بمكره حتى اعتز بنفسه وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذله وسلبه الملك، وهذا غاية الذل.

فائدة: يتخلق العبد من هذين بأن يعز نفسه بالطاعة: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (4) ولا يذلها بالمعصية (5)، ويعزها بتعلم العلم النافع ولا يذلها بالجهل، ويعزها بالقناعة ولا يذلها بالأطماع.

قوله: "السَّمِيْع"(6)

(1) سورة آل عمران: 26.

(2)

في "المقصد الأسنى".

(3)

سورة الفجر: 27 - 30.

(4)

سورة فاطر: 10.

(5)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 126).

(6)

السمع: صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، و"السميع" من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب: =

ص: 114

قال الشراح (1): هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فيسمع السر والنجوى، بل ما هو أدق من ذلك وأخفى ويدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء

= 1 - قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)} [طه: 46].

2 -

وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

3 -

وقوله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1].

الدليل من السنة:

1 -

حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة وقولها: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات". رواه البخاري تعليقاً (13/ 372)، والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن أبي عاصم في "السنة"(625).

2 -

حديث عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة

(وفي الحديث): فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمَّد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال

"، رواه البخاري (3231)، ومسلم (1795).

فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

قال أبو الحسن الأشعري في "رسالة إلى أهل الثغر"(ص 225): "وأجمعوا على أنه عز وجل يسمع ويرى".

وقال الحافظ ابن كثير في رسالته "العقائد": "فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك؛ وجب اعتقاد حقيقته؛ من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك".

انظر: "علاقة الإثبات والتفويض"(ص 51) لرضا نعسان معطي.

(1)

انظر: "شأن الدعاء"(ص 59 - 60)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 127 - 128)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 246 - 247).

ص: 115

في الليلة الظلماء، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ودعاء الداعين فيستجيب لهم، سميع بغير أصمخة وآذان [439 ب] كما يفعل بغير جارحة (1) ويتكلم بغير لسان (2)، وسمعه منزه عن أن يطرق إليه الحدثان.

فائدة (3): يتخلق العبد من هذا الاسم بعد الإيمان به بأن لا يصغي سمعه إلا إلى فائدة يستمليها أو ذكر لله ويحفظ لسانه؛ لأن يسمع ما يفوه به.

قوله: "البَصِيْر"(4) قال الشراح (5): هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى، وإبصاره أيضاً منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما تنطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان.

(1) انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي (2/ 398)، "الفتوى الحموية"(ص 308).

(2)

قال السعدي في تفسيره (4/ 412): قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

(3)

انظر: "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 128).

(4)

البصر: صفة من صفات الله عز وجل الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و"البصير" اسم من أسمائه تعالى.

من الكتاب: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)} [النساء: 58].

وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

من السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6384) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".

(5)

"شرح القشيري"(ص 127)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 65 - 71).

ص: 116

فائدة: يتخلق العبد من هذه الصفة بأن لا يطلق بصره في محرم، ولا يطلقه إلا فيما يقربه إلى الله من نظر في آيات سماواته وأرضه يزداد بها إيماناً بربه، ومن نظر في مصحف يبشره أو كتاب هداية يذكره وليذكر بهاتين الصفتين، قوله تعالى:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)} (1) فيراقب مولاه في جميع أموره، في حركاته وسكناته.

قوله: "الحَكَمْ"(2) قال شراح الأسماء (3): هو الحاكم المحكم لا رادّ [لحكمه](4) ولا معقب لحكمه ولا لقضائه، فهو الحاكم بأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، و {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)} (5)، ويعني: حكمه للبر بالسعادة وللفاجر بالشقاوة أنه جعل البر والفجور سببين يسوقان صاحبهما إلى السعادة والشقاوة، كما جعل الأدوية والسموم أسباباً تسوق متناولهما إلى "الشفاء" والهلاك، وإذا كان معنى حكمه

(1) سورة طه: 46.

(2)

الحاكم والحَكَم: يوصف الله عز وجل بأنه الحاكم والحَكَم، و"الحَكَم" اسم لله عز وجل ثابت بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب: قال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114].

وقال تعالى: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: 87].

ومن السنة: ما أخرجه أبو داود رقم (4145)، والنسائي رقم (4980) من حديث هانئ بن يزيد رضي الله عنه: أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم"، وهو حديث صحيح.

انظر: "شأن الدعاء"(ص 61 - 62)، "شرح القشيري"(ص 130 - 131).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 95 - 62)، والرازي في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 248 - 250).

(4)

زيادة من (أ).

(5)

سورة الانفطار: 13 - 14.

ص: 117

ترتيب الإنسان وتوجيهها إلى المسببات كان حكماً مطلقاً؛ لأنه مسبب كل الأسباب [276/ أ] جملها وتفصيلها، ومن الحكم يتشعب القضاء والقدر: فتدبيره أصل في وضع الأسباب ليتوجه [440 ب] إلى المسببات، حكمه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول: كالأرض والسماوات السبع والكواكب والأفلاك، وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله، قضاؤه كما قال:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} (1).

وتوجيهه هذه الأسباب بحركاتها المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة، قدره.

فالحكم (2) هو التدبير الأول الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر.

والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره.

قوله: "العَدْل"(3):

(1) سورة فصلت: 12.

(2)

ذكره الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 96).

(3)

العدل: ليس اسم لله تعالى، بل صفة ثابتة لله عز وجل بالأحاديث الصحيحة.

منها: ما أخرجه البخاري رقم (3150)، ومسلم رقم (1062) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وسلم للذي قال: والله، إن هذه لقسمة ما عدل فيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله".

قال الهراس في "شرح النونية"(2/ 98): وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلاً، فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة.

ص: 118

هو العادل (1) الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم، ولن (2) يعرف العادل من لا يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لا يعرف فعله، فمن أراد أن يعرف هذا الوصف، فينبغي أن يحيط علماً بأفعال الله من ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى، حتى إذا لم يرَ في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع البصر فما رأى من فطور، ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير، وقد بهره كمال العدل الإلهي وحيره اعتدال الأمور وعدلها وانتظامها وانظر (3) عدله في خلق الإنسان، فإنه خلقه أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين والأنف والأذن، فهو وضعها مواضعها الخاصة.

عدل لأنه وضع العين في أولى المواضع به من البدن، إذ لو خلقه على الرجل أو على اليد أو على القفا أو على قمة الرأس؛ لم يخف على أحد ما يتطرق إليه من النقصان والتعرض للآفات. [441 ب]

وكذا علق اليدين على المنكبين، ولو علقهما من الرأس أو من الحقو أو من الركبتين؛ لم يخفَ ما يتولد عنه من الخلل، وكذلك وضع جميع الحواس على الرأس؛ فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن، ولو وضعها على الرجل اختل نظامها قطعاً وشرح ذلك في كل عضو يطول.

وبالجملة: ينبغي العلم أنه لم يخلق شيء في موضعه إلا لأنه متعين [له، و](4) لو تيامن عنه أو تياسر أو سفل أو تعل؛ لكان ناقصاً أو باطلاً أو قبيحاً خارجاً عن التناسب كريهاً في

(1) انظر: "شأن الدعاء"(ص 62)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 130 - 132).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 100 - 101).

(3)

انظره نصاً في "المقصد الأسنى"(ص 101 - 102).

(4)

زيادة من "المقصد الأسنى".

ص: 119

المنظر، فهذا رمز إلى تفهم مبدأ الطريق إلى معرفة هذا الاسم. وشرحه يحتاج مجلدات، فإنه من الأسماء المشتقة من الأفعال ولا يفهم إلا بمعرفة الأفعال.

فائدة (1): يتخلق العبد من هذا الاسم بأن يتصف بالعدل في ما أمر به، فيعدل أولاً في صفات نفسه فيجعل شهوته وغضبه أسيرين تحت عقله ودينه، فإذا جعل العقل خادماً للشهوة والغضب فقد ظلم نفسه، ويجعل أوامر الشرع متبوعة ونواهيه مجتنبة، وعدله في أعضائه باستعمال كل عضو لما أذن فيه الشارع، ويعدل في أهله وإن اتسع نطاق ولايته عدل في رعاياه بتحكيم أوامر الله له ولهم وعليه وعليهم، وهذا باب لا تتسع لفتحه هذه التعليقة.

قوله: "اللَّطِيْفُ"(2):

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 102 - 103)، وانظر:"شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 131 - 132).

(2)

اللطف صفة ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، واللطيف من أسماء الله عز وجل.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: 103].

2 -

قوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19].

الدليل من السنة: حديث عائشة رضي الله عنها في تتبعها للنبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من عندها خفية لزيارة البقيع، وفيه قال صلى الله عليه وسلم:"ما لك يا عائش، حشياً رابية؟ " قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" رواه مسلم (974).

قال ابن منظور في "اللسان": "اللُّطف واللَّطف: البر والتكرمة والتَّحفِّي

اللطيف: صفة من صفات الله، واسم من أسمائه، ومعناه والله أعلم: الرفيق بعباده".

قال ابن القيم في "النونية"(2/ 85): =

ص: 120

فسراه (1) بما تراه، وفي شروح الأسماء (2): إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها ولطف، ثم سلك إلى المنتفع بها سبيل الرفق دون العنف.

فإذا اجتمع الرفق في الفعل والرفق في الإدراك تمَّ معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى. فأما إحاطته بالدقائق والخفايا [فلا](3) يمكن تفصيل ذلك، بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق. [442 ب].

وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل أيضاً تحت الحصر؛ إذ لا يعرف اللطف في الفعل إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها، [وتقدير اتساع المعرفة فيها بلغ](4) المعرفة بمعنى اسم [277/ أ] اللطيف، وشرح ذلك لا تتسع له المجلدات، ولنمثل ببعض ما عرفناه من لطفه:[فمن لطفه](5):

= وَهْوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ

واللَّطْفُ في أَوْصَافِهِ نَوْعانِ

إِدْرَاكُ أَسْرارِ الأمُورِ بِخبْرَةِ

واللُّطفُ عِنْدَ مَواقِعِ الإِحسان

فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ

والعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَن ذا الشَّانِ

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "التفسير"(5/ 301): "اللطيف: الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، اللطيف بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها، فهو بمعنى الخبير وبمعنى الرؤوف".

(1)

صاحب التيسير وابن الأثير.

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 103)، انظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 253 - 254).

(3)

في (أ. ب): "فقد"، وما أثبتناه من "المقصد الأسنى".

(4)

والعبارة في "المقصد الأسنى"(ص 104): "وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع".

(5)

زيادة من (أ).

ص: 121

خلقه (1) الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل فينتقل إلى التناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقامه الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة، بل تتفقأ البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال، ثم تأخير خلق الأسنان عن أول الخلقة للاستغناء باللبن عن السن، بل لو خلقت عند ولادته لأضر بحلمة الثدي، ثم إتيانها بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام، ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة، وإلى أنياب للكسر، وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع، ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن كالمجرفة، ولو ذكر لطفه بها تيسير لقمة يتناولها (2) العبد من غير كلفة يتجشمها، وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم، ومصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك، لكان لا يستوفي شرحه.

وعلى الجملة: فهو من حيث دبر الأمور حكيم، ومن حيث أوجدها جواد، ومن حيث زينها مصور، ومن حيث وضع كل شيء موضعه عدل ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوب الرفق لطيف، ولا يعرف حقائق هذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال.

ومن لطفه أنه أعطى عباده فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، ومن لطفه أن يسر لهم [443 ب] الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف بها مدة قصيرة وهو العمر، فإنه لا نسبة له إلى الأبد، ومن سرح طرف فكره فيما لطف ربه له به عرف عجائب لطفه.

فائدة (3): يتخلق العبد من هذا الوصف اللطف بالعباد والرفق بهم والتلطف بهم في الدعوة إلى الله تعالى والهداية إلى النجاة، من غير عنف ولا خصام ولا إقناط ولا ترخيص.

(1) انظره في "المقصد الأسنى" للغزالي (ص 104).

(2)

انظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (254).

(3)

انظر: "المقصد الأسنى"(ص 105)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 255).

ص: 122

قوله: "الخَبِيْر"(1) هو الذي لا تعزب (2) عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تضطرب نفس ولا تسكن إلا وهو خبير بذلك، وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة، ويسمى صاحبها خبيراً.

فائدة (3): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يكون خبيراً بما يجري في عالمه، وعالمه: قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة، والتطواف حول العاجلة، وإضمار الشر، وإظهار الإخلاص، وغير ذلك مما لا يعرفه إلا من كان ذا خبرة بصفات النفس وشرورها الكامنة فيها.

(1) الخبير: صفة ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، وذلك من اسمه الخبير.

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)} [الأنعام: 73].

وقال تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)} [الفرقان: 59].

وقال تعالى: {قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)} [التحريم: 3].

الدليل من السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (974) من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشياً رابية؟ " قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير".

قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 63): "هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته.

وقال أبو هلال العسكري في "الفروق"(ص 74): الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات عن حقائقها، نفيه معنى زائد على العلم.

وقال السعدي في تفسيره (2/ 39): الخبر: العلم المحيط بالسرائر، والبواطن والخفايا.

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 105).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 106)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 255).

ص: 123

قوله: "الحَلِيْم"(1) أسقط ابن الأثير تفسير الحليم والعظيم وتبعه المصنف، وفي شروح الأسماء (2): تفسير الحليم (3) هو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة ولا طيش، كما أشار إليه قوله تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} (4)

(1) الحلم يوصف الله عز وجل بالحلم، وهي صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)} [البقرة: 263].

وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء: 44].

الدليل من السنة: أخرج البخاري رقم (6345)، ومسلم رقم (2730) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "

لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم

".

قال الهراس في "شرح النونية"(2/ 81): ومن أسمائه (الحليم) و (العفو)، فالحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم، كما قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)} [فاطر: 45].

وانظر: "شأن الدعاء"(ص 63 - 64).

(2)

انظر: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 94 - 95)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 96).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 106)، وانظر:"شأن الدعاء"(ص 63).

(4)

سورة النحل: 61.

ص: 124

فائدة (1): يتخلق العبد من هذا بالحلم عن معاجلة عداءه بالانتقام، وعن الطيش عند طروق ما لا تطيقه الأفهام.

قوله: "العَظِيْم"(2) تقدم [444 ب] أنهما أسقطا تفسيره.

(1) قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 64): ويقال: لم يصف الله سبحانه أحداً من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به، ويقال: إن أحداً لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفاً بالحكم، وذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه دعا ربه فقال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)} [الصافات: 100]، فأجيب بقوله:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: 101]، فدل على أن الحلم أعلى مآثر الصلاح، والله أعلم.

وانظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 257).

(2)

العظمة: صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، والعظيم اسم من أسمائه.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة: 255].

2 -

وقوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)} [الواقعة: 74].

3 -

وقوله: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)} [الحاقة: 33].

الدليل من السنة:

1 -

حديث أنس رضي الله عنه في الشفاعة، وفيه:"فيقال لي: يا محمَّد! ارفع رأسك وقيل يسمع لك، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! فيمن قال: لا إله إلا الله والله أكبر. فيقول: وعزتي وجلالي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله". رواه البخاري (7510)، ومسلم (326 - 193).

2 -

حديث ابن عباس رضي الله عنه في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم

" رواه البخاري (7431)، ومسلم (2730).

قال الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"(1/ 130): "ومن أسمائه تعالى العظيم: العظمة صفة من صفات الله، لا يقوم لها خلق، والله تعالى خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضاً، فمن الناس من يعظم لمال، =

ص: 125

وفسره شراح الأسماء (1) بأنه الذي جاوزت إحاطته جميع حدود العقول حتى لم يتصور الإحاطة بكنهه، وأطالوا في تصوير إحاطة بصر البشر بالأشياء.

قالوا: لأن اسم العظيم إنما وضع في الأصل للأجسام، يقال: هذا الجسم عظيم إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه، ثم هو ينقسم إلى: عظيم يملأ العين وتأخذ منه مأخذاً، وإلى ما لا يتصور أن يحيط [البصر](2) بجميع أطرافه كالأرض والسماء، فإن الغيل عظيم والجبل عظيم، ولكن البصر يحيط بأطرافه؛ فهو عظيم بالإضافة [إلى ما دونه](3).

وأما الأرض فلا يتصور أن يحيط البصر بأطرافها وكذا السماء وذلك هو العظيم المطلق في مدركات البصر، والله أحاط كل شيء سبحانه، وقد وصف تعالى عرشه بأنه عظيم، وهذا الوصف الكريم أكثر مجيئه رديفاً للعلي، العلي العظيم وعظمته تعالى لا تحيط (4) العقول بحقيقتها كسائر أسمائه. [278/ أ]

= ومنهم من يعظم لفضل، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يعظم لسلطان، ومنهم من يعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله عز وجل يعظم في الأحوال كلها".

وقال الأزهري في "تهذيب اللغة"(2/ 303): "ومن صفات الله عز وجل: العلي العظيم

وعظمة الله لا تُكيَّف ولا تُحدُّ ولا تُمثَّل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك؛ بلا كيفية ولا تحديد". اهـ

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 107)، وانظر:"شرح أسماء الله" للرازي (ص 258)، "شأن الدعاء"(ص 64 - 65).

(2)

زيادة من "المقصد الأسنى"(ص 107).

(3)

زيادة من "المقصد الأسنى"(ص 105)، وهي من مستلزمات النص.

(4)

في (أ. ب) كلمة: "بها" مضروب عليها.

ص: 126

قوله: "الغَفُور"(1) هو بمعنى الغفار (2)، ولكنه ينبئ عن نوع مبالغة لا يبنئ عنها الغفار، فإن الغفار مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد مرة، فالغفار يبنئ عن كثرة الفعل، والغفور يبنئ عن جودته وكمال وشموله، فهو غفور تام الغفران كامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة.

(1) المغفرة والغفران صفة فعلية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، ومن أسمائه:(الغفار والغفور).

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)} [فاطر: 28].

وقال تعالى: {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)} [الزمر: 5].

وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)} [فصلت: 43].

الدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (125) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: "

بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".

قال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله"(ص 93): "

غفور - كما ذكرت لك - من أبنية المبالغة، فالله عز وجل غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطي، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما من أوصاف المبالغة في الفعل".

وقال السعدي في تفسيره (5/ 300): "العفو، الغفور، الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه".

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 108). انظر: "شأن الدعاء"(ص 65)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 93 - 94).

ص: 127

قوله: "الشَّكُور"(1) هو الذي يجازي (2) على يسير الطاعات [كبير](3) الدرجات، ويعطي على العمل في أيام معدودة نعماً في الآخرة غير محدودة، ومن كافأ الحسنة بأضعافها يقال أنه شكر تلك الحسنة، ومن أثنى على المحسن أيضاً يقال أنه شكر.

(1) الشكر: من صفات الله عز وجل الفعلية: (الشكر)، و (الشاكر)، و (الشكور) من أسماء الله عز وجل. وكل ذلك ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)} [البقرة: 158].

2 -

وقوله: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)} [التغابن: 17].

الدليل من السنة:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ساقي الكلب ماءً، وفيه: "

فنزل البئر، فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له

". رواه البخاري (2363)، ومسلم (2244).

قال ابن منظور في "لسان العرب": "والشكور: من صفات الله جلّ اسمه، معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرة لهم".

وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله"(ص 152): "وقد تأتي الصفة بالفعل لله عز وجل ولعبده، فيقال: "العبد شكور لله"؛ أي: يشكر نعمته، والله عز وجل شكور للعبد؛ أي: يشكر له عمله؛ أي: يجازيه على عمله، والعبد تواب إلى الله من ذنبه، والله تواب عليه؛ أي: يقبل توبته ويعفو عنه".

وقال ابن القيم في "عدة الصابرين"(ص 321): "وأما شكر الرب تعالى؛ فله شأن آخر؛ كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد، ويوفقه لما يشكره عليه

".

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 108 - 109).

(3)

كذا في المخطوط (أ. ب)، والذي في "المقصد الأسنى" كثير.

ص: 128

فإذا نظرت [445 ب] إلى معنى الزيادة في المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله، لأن زيادته في المجازاة [غير محصورة ولا محدودة](1) فإن نعيم الجنة لا آخر له، وهو تعالى يقول:{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)} (2).

وإن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل [مثنٍ](3) على غيره، والرب إذا أثنى على أعمال عبده وهو الذي هدى إليها وأعان عليها، فإنه الذي أعطى خلقه كل شيء ثم هدى.

فقد نوّه بعبده ورفعه بما أهداه له وأعطاه، ولذا يقول أهل الجنة:{إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)} (4) يغفر ويشكر.

فائدة (5): يتخلق العبد من هذا الوصف أن يكون شاكراً لمن أسدى إليه إحساناً، مجازياً له بإحسانه مثنياً عليه بإنعامه.

(1) في (أ): "غير محصور ولا محدود".

(2)

سورة الحاقة: 24.

(3)

في (أ. ب): "مثني"، والصواب ما أثبتناه.

(4)

سورة فاطر: 34.

(5)

انظر: "المقصد الأسنى"(ص 109).

وقال القشيري في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 147): ومن آداب من علم أنه شكور، فليجد في شكره ولا يفز ويواظب على حمده ولا يقصر.

والشكر على أقسام: فشكر بالبدن، وهو أن لا تستعمل جوارحك إلا في طاعته، وشكر بالقلب، وهو أن لا تستغله بغير ذكره ومعرفته، وشكر باللسان: وهو أن لا يستعمله في غير ثنائه ومدحه، وشكر بالمال: وهو أن لا ينفقه في غير رضاه ومحبته.

وقيل: الشكر هو أن لا تستعين بنعمه على معاصيه.

ص: 129

ولذا جاء في الحديث: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"(1)، وشكر نعم الله يصرفها في وجوه مراضيه.

قوله: "العَلِي"(2) هو الذي (3) لا رتبة فوق رتبته، فجميع المراتب منحطة عنه فهو تعالى فوق كل ذي علو ولا يحاط به ولا بكنه صفاته.

(1) أخرجه أبو داود رقم (4811)، والترمذي رقم (1954)، والبخاري في "الأدب المفرد"(218) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

(2)

العلو والفوقية: صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (الأعلى) و (المتعال).

والعلو أقسام ثلاث: علو شأن. انظر ما تقدم من صفة العظيم. وعلو قهر. انظر ما تقدم من صفة القهر. وعلو فوقية (علو ذات).

وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، في سمائه، عالياً على خلقه، بائناً منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم ومكانتهم، لا تخفى عليه خافية.

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} [الأعلى: 1].

وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].

وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

والأدلة من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (4351)، ومسلم رقم (1064) وفيه:"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء".

ومنها حديث النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة. وقد تقدم نصه وتخريجه.

انظر مزيد تفصيل في: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي (2/ 398)، "الأسماء والصفات" للبيهقي (2/ 151)، "العلو" للذهبي (ص 96 - 100)، "العلو" لابن قدامة (ص 164).

(3)

قاله الغزالي في: "المقصد الأسنى"(ص 110)، وانظر:"شأن الدعاء"(ص 66)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 108).

ص: 130

قوله: "الكَبِيْر"(1) هو ذو الكبرياء (2)، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، وكمال الذات عبارة عن كمال الوجود، وهو يرجع إلى أمرين: أحدهما: ذو أبدٍ أزلاً وأبداً، إذ كل موجود مقطوع بعدم سابق أو لاحظ فهو ناقص، فالرب أزلي لا أول لوجوده أبدي لا آخر له، والعبد أبدي غير أزلي، [بل](3) مسبوق بالعلم، والدنيا ليست بأبدية ولا أزلية، بل هي فانية.

والثاني: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود، فلذا كان كمال الوجود لله تعالى وحده.

(1) الكبير: يوصف الله عز وجل بأنه الكبير، وهو أكبر من كل شيء، وهي صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة، و (الكبير) من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)} [الرعد: 9].

وقال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} [الحج: 62].

الدليل من السنة:

الأذكار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي فيها وصف الله عز وجل بالكبر، وأنه أكبر من كل شيء كثيرة جداً.

منها: تكبيرات الأذان والصلاة "الله أكبر".

ومنها: الله أكبر كبيراً.

ومنها: "يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك

".

انظر: "شأن الدعاء"(ص 66 - 67)، "الحجة"(2/ 187)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 155 - 157).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 112 - 113).

(3)

زيادة من (أ).

ص: 131

[قوله](1): "الحَفِيْظ"(2)[446 ب] أي: الحافظ (3) لكل شيء، فهو حافظ أنفس العباد، وأن {كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)} (4) وحافظ الذكر على العباد {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} (5).

(1) زيادة من (ب).

(2)

الحفظ: صفة من صفاته تعالى الثابتة بالكتاب والسنة، من أسمائه:(الحافظ، والحفيظ).

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)} [هود: 57].

وقوله تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)} [يوسف: 64].

الدليل من السنة:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما المشهور: "

احفظ الله يحفظك

". رواه الترمذي (2518)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وهو كما قال، وأحمد (2804، 2669).

يقول ابن القيم في "النونية"(2/ 83):

وَهْوَ الحَفِيظُ عَلَيْهِم وَهْوَ الكَفِيلُ

بِحِفْظِهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ عانِ

"ومن أسمائه سبحانه: الحفيظ، وله معنيان: أحدهما: أنه يحفظ على العباد ما عملوه من خير وشر، وعرف ونكر، وطاعة ومعصية

والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون

وحفظه لخلقه نوعان: عام وخاص. فالعام هو حفظه لجميع المخلوقات

والنوع الثاني: حفظه الخاص لأوليائه حفظاً زائداً على ما تقدم؛ يحفظهم عما يضرّ إيمانهم ويزلزل يقينهم

".

انظر: "شرح النونية" للهراس (2/ 83) باختصار، "شأن الدعاء"(ص 67 - 68).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 114 - 115).

(4)

سورة الطارق: 4.

(5)

سورة الحجر: 9.

ص: 132

وحافظ [أعمالهم](1){وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} (2) وهو حافظ السماوات عن الانفطار، وحافظ الأرض عن الانشقاق، فهو ممسك (3) السماوات والأرض أن تزولا، وحفظه تعالى داخل في كل شيء لو عددناه لطال، وقد عدّده شراح الأسماء.

فائدة (4): يتخلق العبد من هذه الصفة بأن يكون حافظاً لجوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب، [وجلابة](5) الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فإنه على شفا جرف، وقد اكتنفته هذه المهلكات، ولا سلامة له إلا بحفظ الله، فالله خير حفظاً (6).

قوله: "المُقِيْت"(7) فسراه بما تراه.

(1) في (ب): "أعماله".

(2)

سورة الانفطار: 10 - 11.

(3)

لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41].

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 116).

(5)

في (ب): "وغلابة".

(6)

قال تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} [يوسف: 64].

(7)

يوصف الله عز وجل بأنه مقيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز.

انظر: "شأن الدعاء"(ص 68 - 69).

قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)} [النساء: 85].

قال ابن جرير في "جامع البيان"(8/ 583): "اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)} [النساء: 85] قال بعضهم: تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظاً وشهيداً"، ونقل بإسناده هذا القول عن ابن عباس ومجاهد.

ثم قال: "وقال آخرون: معنى ذلك: القائم على كل شيء بالتدبير"، ونقل بإسناده قول عبد الله بن كثير:"المقيت: الواهب".

ثم قال: "وقال آخرون: هو القدير، ونقل ذلك بإسناده عن السدي وابن زيد". =

ص: 133

وفي شروح الأسماء (1): أي خالق (2) الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه، إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت.

والقوت ما يكتفي به في قوام البدن. وإما أن يكون معناه المستولي على الشيء القادر عليه، والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم، وعليه يدل قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)} (3) أي: مطلقاً قادراً، فيكون معناه راجعاً إلى القدرة والعلم، فيكون على هذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده؛ لأنه دل على اجتماع المعنيين.

= ثم قال الطبري: "والصواب من هذه الأقوال قول من قال: معنى (المقيت): القدير". اهـ

وممن قال من أهل اللغة: المقيت بمعنى القدير: أبو إسحاق الزجاج في "تفسير أسماء الله الحسنى"(ص 48) - وله في قول آخر سيأتي -، وتلميذه أبو القاسم الزَّجَّاجي - المنسوب إليه - في "اشتقاق أسماء الله"(ص 136)، والفراء في "معاني القرآن"(1/ 280).

وممن قال: المقيت بمعنى الحفيظ: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه"(2/ 85)، وهذا قول آخر له، ووافقه أبو جعفر النحاس في "معاني القرآن الكريم"(2/ 147).

وقال ابن العربي في "الكتاب الأسنى" كما في "النهج الأسمى"(1/ 340): "وعلى القول بأنه القادر يكون من صفات الذات، وإن قلنا: إنه اسم الذي يعطي القوت؛ فهو اسم للوهاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال". اهـ

(1)

انظر: "اشتقاق أسماء الله"(ص 136 - 138)، "النهج الأسنى"(1/ 237)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 270 - 272).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 113).

(3)

سورة النساء: 85.

ص: 134

قوله: "الحَسِيْب"(1) فسراه بالكافي، وزاد شراح الأسماء (2): فهو حسب (3) كل أحد وكافيه، وهو وصف لا يتصور حقيقة لغيره تعالى، فإن الكفاية يحتاج إليها المكفي لوجوده

(1) يوصف الله عز وجل بأنه الحسيب، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)} [النساء: 86].

وقال تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)} [النساء: 6].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (6162)، ومسلم رقم (3000) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وفيه: "

إن كان أحدكم مادحاً لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يريك أنه كذلك - وحسيبه الله، ولا يزكي على الله أحد".

وما أخرجه البخاري رقم (2641) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "

فمن أظهر لنا خيراً أمنّاه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته

".

وأخرج ابن جرير في "جامع البيان"(6/ 429) عن السدي: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)} [النساء: 6] يقول: شهيداً.

ثم قال ابن جرير: يقال منه: قد أحسبني الذي عندي، يراد به: كفاني.

وقال في "جامع البيان"(7/ 278) في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)} [النساء: 86] أصل الحسيب في هذا الموضع عندي فعيل من الحساب، الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلاناً على كذا وكذا وفلان يحاسبه على كذا وكذا، فهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه.

فالحسيب: الحفيظ والكافي، والشهيد والمحاسب.

انظر: "شأن الدعاء"(ص 69 - 70).

(2)

"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 155 - 156)، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 129 - 130).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 117 - 118).

ص: 135

ولدوام وجوده ولكمال وجوده، [447 ب] وليس في الوجود شيء، هو وحده كافٍ لكل شيء إلا الله، فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء، أي: هو وحده كافٍ ليحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها، ويكمل به وجودها، فإنه الذي خلق لك الطعام والشراب والمسكن، وكفى الطفل بخلق اللبن في ثدي أمه، وخلق له الهداية إلى التقامه وامتصاصه، فالله وحده حسيب كل شيء وكافيه.

قوله: "الجَلِيْل"(1) هو مما حذفا تفسيره، وغيرهما قال (2): هو الموصوف بنعوت الجليل، وهي الغنى والملك والتقدس والعلم والقدرة، وغيرها من صفات كماله، فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق، والموصوف ببعضها جلالته [279/ أ] بقدر ذلك.

فكما أن الكبير يرجع إلى كمال الذات، كذلك الجليل إلى كمال الصفات، والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات. وقد أطالوا الكلام في بيان ذلك.

(1) الجليل ليس من أسمائه تعالى.

بل الجلال من أوصافه سبحانه وتعالى الجلال، وهي صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27].

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)} [الرحمن: 78].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7510) من حديث أنس رضي الله عنه وفيه: "

وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا هو".

وقال الهراس: وأوصاف الجلال الثابتة له سبحانه، مثل العزة والقهر والكبرياء والعظمة والسعة والمجد، كلها ثابتة له على التحقيق لا يفوته منها شيء".

"شرح النونية"(2/ 64).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 119 - 120)، وانظر:"شأن الدعاء"(ص 70).

ص: 136

قوله: "الكَرِيْم"(1) هو مما تركا تفسيره، وقال شراح الأسماء (2): هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفى عاتب وما استقصى، فلا يضيع من لاذ به والتجأ،

(1) يوصف الله عز وجل بالكرم، وهو وصف ذاتي ثابت له بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (الكريم) و (الأكرم).

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)} [الانفطار: 6].

وقوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)} [الفجر: 15].

وقوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 3].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (1891) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وقول الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: "والذي أكرمك بالحق، لا أتطوع شيئاً

".

قال السعدي في تفسيره (5/ 299): "الرحمن الرحيم والبر الكريم الجواد الرؤوف الوهاب" هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل.

انظر: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" للقرطبي (1/ 99 - 118).

قال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله"(ص 176): الكريم الجواد، والكريم العزيز، والكريم الصفوح، هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب كلها جائز وصف الله عز وجل بها، فإذا أريد بالكريم الجواد أو الصفوح، تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بد من متكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز، كان غير مفتعلٍ مفعولاً، أي: صفة ذات. والله أعلم.

انظر: "الفروق" للعسكري (ص 143).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 121). وانظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للقشيري (ص 155)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 277 - 278).

ص: 137

ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك الله وحده فقط.

قوله: "الَّرقِيْب"(1) فسراه بالحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، قال الشراح: فمن (2) لاحظ الشيء حتى لا يغفل عنه ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة لزوماً لو عرفه الممنوع عنه لما أقدم عليه، سمي رقيباً وكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، لكن باعتبار كونه لازماً دائماً، وبالإضافة إلى [448 ب] ممنوع عنه محروس عن التناول.

(1) الرقيب يوصف الله عز وجل بأنه الرقيب، وهو من صفات الذات والرقيب اسم من أسماء الله الثابتة بالكتاب.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].

وقوله تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117].

قال السعدي في تفسيره (5/ 301): الرقيب: المطلع على ما أكنَّته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير.

وقال القرطبي في "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 401 - 402): ورقيب بمعنى راقب، فهو من صفات ذاته الراجعة إلى العلم والسمع والبصر، فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك بكل حركة وكلام، فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات تحت رقبته الكليات والجزئيات وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات ولا خفي عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقبته التي هي من صفته، وأصل الرقبة: الحفظ، يقال: رقبت الشيء أرقبه رقوباً ورقبة ورقباناً بالكسر فيهما إذا رصدته وحفظته وحرسته ورعيته، قال تعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 18]، مع قوله تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} [الانفطار: 10، 11].

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 122).

ص: 138

فائدة (1): يتخلق العبد من هذه الصفة بأن يكون مراقباً لربه، وذلك بأن يعلم أن الله رقيبه وشاهده في كل حال، ويعلم أن نفسه عدو له والشيطان عدو له ينتهزان منه الفرص حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة؛ فيأخذ منهما حذره بمعرفته مكائدهما ومداخلهما.

قوله: "المجِيْب"(2) فسراه بما تراه وهو حسن، وأنه (3) الذي يجيب دعاء السائلين ويجيب المضطرين، بل ينعم قبل الدعاء، ويتفضل قبل النداء وليس ذلك إلا لله؛ لأنه يعلم حاجة المحتاجين قبل السؤال، بل علمها في الأزل، وقدر كفاية المحتاجين قبل ما نزل بهم من الحاجات وحلّ.

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 122)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 155 - 157)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 280).

(2)

الإجابة صفة فعلية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، و (المجيب) اسم من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} [آل عمران: 195].

وقوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)} [هود: 61].

وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

الدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2735): "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم؛ ما لم يستعجل" وقد تقدم.

قال السعدي في تفسيره (5/ 304): "

ومن آثاره الإجابة للداعين والإنابة للعابدين، فهو المجيب إجابة عامة للداعين مهما كانوا، وعلى أي حال كانوا، كما وعدهم بهذا الوعد المطلق، وهو المجيب إجابة خاصة للمستجيبين له، المنقادين لشرعه، وهو المجيب أيضاً للمضطرين ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين وقوي تعلقهم به طمعاً ورجاءً وخوفاً.

(3)

انظر: "المقصد الأسنى"(ص 123)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 282).

ص: 139

فائدة (1): يتخلق العبد من هذا الوصف بأن يكون مجيباً لمولاه فيما إليه من التكاليف دعاه، مقبلاً على ما يرضاه، مجيباً لمن سأله أمراً يقضيه له وهو قادر عليه قضاه، مجيباً لمن سأله عن علم أفتاه بلطف الجواب وتحري الصواب.

قوله: "الوَاسِعُ"(2) مشتق (3) من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، ويضاف أخرى إلى "الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر، وعلى أي شيء نزل، فالواسع المطلق هو الله تعالى؛ لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته، بل تنفد

(1) انظر: "المقصد الأسنى"(ص 123)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 283).

(2)

الواسع يوصف الله عز وجل بأنه الواسع والموسع، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و (الواسع) من أسماءه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة: 115].

وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأنعام: 80].

وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)} [الذاريات: 47].

الدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1905) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة

ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال

" وقد تقدم.

قال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 60): الواسع: هو العالم، فيرجع معناه إلى صفة العلم، وقيل: الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق.

وقال الأصبهاني في "الحجة"(1/ 150): الواسع: وسعت رحمته الخلق أجمعين، وقيل: وسع رزقه الخلق أجمعين، لا تجد أحداً إلا وهو يأكل رزقه، ولا يقدر أن يأكل غير ما رزق.

انظر: "تفسير السعدي"(5/ 305)، "اشتقاق أسماء الله"(ص 72)، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص 15).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 124 - 125).

ص: 140

البحار ولو مداداً لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه، فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وإن عظمت؛ فإنها تنتهي إلى طرف، فالذي لا تنتهي إلى طرف، هو أحق باسم السعة، والله تعالى هو الواسع المطلق.

قوله: "الوَدُوْدُ"(1) قال المصنف: فعول (2) بمعنى مفعول من الود، وهو الذي يحب الخير لجميع الخلق فيحسن [449 ب] إليهم ويثني عليهم، وهو قريب من معنى الرحيم، وإنما أفعال المودة تقتضي الإنعام على سبيل الابتداء فمودته إرادته النعمة والكرامة، وللناس (3) كلام كثير في محبة الله عباده، ومحبتهم إياه معروف لا نطول به ولعله يأتي، والمصنف هنا قد جعل منه تعالى لعباده رضاه عنهم.

قوله: "المَجِيْد"(4):

(1) الودود: يوصف الله عز وجل بأنه الودود، الذي يود ويحب عباده الصالحين ويودونه، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، و (الودود) من أسماءه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)} [هود: 90].

وقوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)} [البروج: 14].

(2)

انظر: "اشتقاق أسماء الله"(ص 152)، "شأن الدعاء"(ص 74)، "المقصد الأسنى"(ص 127).

(3)

"شرح الأسماء الحسنى" للرازي (ص 288).

(4)

المجد صفة ذاتية لله عز وجل، و (المجيد) اسم من أسمائه ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} [هود: 73].

وقوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)} [البروج: 14، 15].

الدليل من السنة: =

ص: 141

في شرح الأسماء (1) أنه الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكل شريف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي ماجداً أو مجيد أيضاً، لكن أحدهما دال على المبالغة، وكأنه يجمع (2) اسم الجليل والوهاب والكريم.

قوله: "البَاعِث"(3) هو الذي يحيي الخلق يوم النشور ويبعث من في القبور ويحصل ما في الصدر، والبعث هو النشأة الآخرة.

= حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه: "ربنا ولك الحمد

أهل الثناء والمجد، أحق ما قاله العبد

" مسلم رقم (477).

قال ابن القيم في "جلاء الأفهام"(ص 174): "وأما المجد؛ فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، كما يدل على موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والإجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، فلا إله دال على ألوهيته وتفرده فيها، فألوهيته مستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته".

وقال السعدي في تفسيره (5/ 300): "والمجيد الكبير العظيم الجليل: وهو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال

".

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 129).

(2)

قال ابن منظور في "لسان العرب" المجد: المروءة والسخاء، والمجد: الكرم والشرف، والمجيد: من صفات الله عز وجل، وفعيل أبلغ من فاعل، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهّاب والكريم.

(3)

قال القرطبي في "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 474): ورد في القرآن فعلاً فقال: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60]، وقال:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56]، وقال:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، وجاء في حديث أبي هريرة الباعث، وأجمعت عليه الأمة.

انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 168)، "شأن الدعاء"(ص 75)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 289 - 290).

ص: 142

ومعرفة هذا الاسم موقوفة على معرفة حقيقة البعث، وقد أطال الغزالي (1) في تحقيقه بما فيه دقة، ثم قال: حقيقة البعث يرجع إلى إحياء الموتى بإنشائهم نشأة أخرى.

قال (2): والجهل هو الموت الأكبر، والعلم هو الحياة الأشرف، وقد ذكر الله العلم والجهل في الكتاب وسمَّاه حياة، وموتاً، ومن زف غيره من الجهل إلى المعرفة فقد أنشأه نشأةً أخرى، وأحياه حياة طيبة، فإن كان للعبد مدخل في إفادة الخلق ودعاؤهم إلى الله فذلك نوع من الإحياء، وهي رتبة الأنبياء عليهم السلام ومن ورثهم من العلماء.

قوله: "الشهيد"(3):

(1)"المقصد الأسنى"(ص 130).

(2)

أي الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 132).

(3)

الشهيد: يوصف الله عز وجل بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18].

وقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19].

وقوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (7078)، ومسلم رقم (31/ 1679) من حديث حجة الوداع وفيه:

"اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب

".

قال السعدي في تفسيره (3/ 303): "الشهيد، أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه".

انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي (ص 132 - 134).

ص: 143

هو يرجع (1) معناه إلى العلم مع خصوص إضافة؛ بأنه تعالى عالم الغيب والشهادة، والغيب عبارة عما بطن، والشهادة عبارة عما ظهر وهو الذي يشاهد، فإذا اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد [450 ب] وقد يعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم، والكلام في هذا الاسم يقرب من الكلام في العليم والخبير فلا نعيده.

قوله: "الحق"(2)[280/ أ] هو (3) من مقابلة الباطل والأشياء تستبان بأضدادها وكل ما يخبر عنه، فإما باطل مطلقاً، أو حق مطلقاً، وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقاً، والواجب بذاته هو الحق مطلقاً، والممكن بذاته الواجب بغيره هو حق من وجه، باطل من وجه، فهو من حيث ذاته لا وجود له فهو باطل، وهو من جهة غيره

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 132)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 291 - 293).

(2)

الحق: يوصف الله عز وجل بأنه الحق سبحانه وتعالى، وهو اسم ثابت له بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)} [الحج: 6].

وقوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون: 116].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7385) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: "

أنت الحق وقولك الحق".

قال الأصبهاني في "الحجة"(1/ 135): "ومن أسمائه تعالى: الحق، وهو المتحقق كونه ووجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق".

انظر: "تفسير السعدي"(5/ 305).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 132).

ص: 144

مستفيد الوجود، فهو من الوجه الذي يلي مفيد لوجود موجود، فهو من ذلك الوجه حق، ومن جهة نفسه باطل، فلذلك:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (1) وهو كذلك أولاً وأبداً، ليس ذلك في حال دون حال؛ لأن كل شيء سواه أزلاً، وأبداً لا يستحق الوجود، ومن جهته يستحق، فهو باطل بذاته حق بغيره.

وبهذا يعرف أن الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته الذي منه يأخذ (2) كل حق حقيقته.

فائدة (3): حظ العبد من هذا الاسم أن يرى نفسه باطلاً، ولا يرى غير الله حقاً، والعبد وإن كان حقاً فليس بحق نفسه، بل هو حق بالله؛ فإنه موجود به لا بذاته، بل هو بداية باطل لولا إيجاد الله الحق له.

قوله: "الوَكِيْل"(4):

(1) سورة القصص: 88.

(2)

قال السعدي في تفسيره (5/ 305): "

وكل شيء ينسب إليه فهو حق، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} [الحج: 62]، {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)} [الإسراء: 81] ".

(3)

انظر: "المقصد الأسنى"(ص 134 - 135)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 293 - 295).

(4)

الوكيل: يوصف الله عز وجل بأنه الوكيل، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} [آل عمران: 173].

وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)} [الأنعام: 102].

الدليل من السنة: =

ص: 145

هو (1) الموكولة إليه كل الأمور، وليس هو إلا الله، وهو المستحق بذاته أن تكون الأمور كلها موكولة إليه، والقلوب متوكلة عليه (2) لا بتولية وتفويض من جهة غيره، وذلك هو الوكيل المطلق وهو [451 ب] حقيق بالقيام بها، وفيٌ بإتمامها، والعبد قد يكون موكول إليه، لكن لا بذاته بل بتوكيل غيره له.

= ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4563) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم

".

قال ابن جرير في "جامع البيان"(6/ 245): (حسبنا الله ونعم الوكيل) يعني بقوله: (حسبنا الله) كفانا الله، يعني: يكفينا الله. (ونعم الوكيل) يقول: ونعم المولى عن وليه وكفله.

وإنما وصف تعالى نفسه بذلك؛ لأن (الوكيل) في كلام العرب: هو المسندُ إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات، قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه، ووصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم.

انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 54)، "شأن الدعاء"(ص 77).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 135).

(2)

قال الغزالي: لأن من يستحق أن يكون موكولاً إليه لا بذاته، ولكن بالتوكيل والتفويض، وهذا ناقص؛ لأنه فقير إلى التفويض والتولية.

ص: 146

قوله: "القَويُ (1) المتِيْن (2) " بالتاء الفوقية فمثناة تحتية والقوة (3) تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله من حيث أنه بالغ القدرة تامها قوي، ومن حيث أنه شديد القوة متين، وذلك يرجع إلى معنى القدرة.

قوله: "الوَليْ"(4):

(1) القوة صفة ذاتية لله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة، و (القوي) من أسماء الله تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)} [الشورى: 19].

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 58].

ما أخرجه أحمد في "المسند"(5/ 297) بسند صحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه وفيه: "

يا رسول الله! رجل صام الأبد؟ قال: لا صام ولا أفطر، قال: صوم يومين وإفطار يوم. قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: إفطار يومين وصوم يوم، قال: ليت الله قوّانا لذلك

".

انظر: "شأن الدعاء"(ص 77)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 54).

(2)

المتين، فالمتانة صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب، والمتين من أسمائه سبحانه وتعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 58].

قال ابن منظور في "لسان العرب": والمتين في صفة الله القوي، والمتانة: الشدة والقوة، فهو من حيث إنه بالغ القدرة شاقها قوي، ومن حيث إنه شديد القوة متين.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (5/ 59)، "معاني القرآن" للفراء (3/ 90).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 136).

(4)

الولي، يوصف الله عز وجل بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و (الولي) والمولى: اسمان لله تعالى ثابتان بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب: =

ص: 147

= قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)} [محمد:11].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (3129) من قول الزبير لابنه عبد الله يوم الجمل: يا بني! إن عجزت عن شيء منه (يعني: دينه) فاستعن عليه بمولاي، قال: فوالله! ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت! من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله! ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير! عنه دينه فيقضيه

".

وما أخرجه مسلم رقم (2722) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: "

اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها

".

انظر: "شأن الدعاء" ص (78).

(1)

سورة غافر: 51.

(2)

سورة محمَّد: 11.

(3)

الحميد، يوصف الله عز وجل بأنه الحميد، وهي صفة ذاتية له، والحميد اسم من أسمائه ثابتة بالكتاب والسنة.

والدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)} [البقرة: 267].

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (3370)، ومسلم رقم (406) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في التشهد: "

قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". =

ص: 148

هو المحمود (1) المثنى عليه من كل خلق، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (2) والتسبيح ثناء على الله يحمد تعالى نفسه ويحمده كل شيء.

قوله: "المحصِيْ"(3) هو العالم (4)، ولكن إذا أضيف العلم إلى المعلومات من حيث يحصر المعلومات، ويعدها ويحيط بها سمي إحصاء.

والمحصي المطلق هو الذي ينكشف في علمه كل معلوم وعدده ومبلغه، {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)} (5).

قوله: "المبدي المعيد"(6):

= قال ابن منظور في "لسان العرب": "الحميد من صفاته سبحانه وتعالى، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول".

انظر: "شأن الدعاء" ص (78)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 55).

(1)

انظر: "المقصد الأسنى"(137 - 138)، "تفسير القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 199 - 200)، "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 302).

(2)

سورة الإسراء: 44.

(3)

انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 55)، "شأن الدعاء"(ص 79).

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 138).

(5)

سورة الجن: 28.

(6)

قال القرطبي في "الأسنى أسماء الله الحسنى"(1/ 386): نطق بهما التنزيل فعلاً، فقال:{إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13)} [البروج: 13]، وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث ضعيف، تقدم نصه وتخريجه.

وقال الخطابي في "شأن الدعاء": المبدئ الذي أبدا الأشياء، أي: ابتدأها مخترعاً فأوجدها عن عدم.

والمعيد: هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، ثم يعيدهم بعد الموت إلى الحياة، كقوله:{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة: 28]. =

ص: 149

معناه (1) الموجود لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقاً بمثله يسمى إعادة، والله تعالى بدأ الخلق [452 ب] ثم هو الذي يعيدهم، أي: يعيدهم نشأة أخرى ثم يحشرهم، والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود، وبه بدأت وبه تعود.

قوله: "المميت"(2):

= وكقوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13)} [البروج: 13].

انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (ص 55 - 56).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 139).

(2)

يوصف الله عز وجل بأنه المحيي والمميت، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وهما صفتان فعليتان خاصتان بالله عز وجل، وليسا هما من أسماء الله عز وجل.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة: 28].

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)} [الحج: 66].

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [فصلت: 39].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (6314) من حديث حذيفة رضي الله عنه في دعاء الاستيقاظ من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".

وما أخرجه البخاري رقم (6351)، ومسلم رقم (2680) من حديث أنس رضي الله عنه:"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي".

قال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 62): "المحيي: هو الذي يحيي النطفة الميتة، فيخرج منها النسمة الحية، ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها، بإنزال الغيث، وإنبات الرزق. المميت: هو الذي يميت الأحياء، ويوهي بالموت قوة الأقوياء".

ص: 150

هو أيضاً راجع (1) إلى الإيجاد، ولكن الموجود إذا كان هو الحياة يسمى فعله إحياء، وإذا كان هو الموت يسمى فعله إماتة، ولا خالق للموت والحياة إلا الله {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (2).

قوله: "الحي" هو الفعَّال الدَّرَّاك، حتى أن من لا فعل له أصلاً ولا إدراك فهو ميت، [وأول](3) درجات الإدراك أن يشعر المدرك بنفسه، فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت.

فالحي (4) الكامل المطلق هو الذي منهاج جميع المدركات تحت إدراكه، وجميع الموجودات تحت فعله، حتى لا يشذ عن علمه مدرك، ولا عن فعله مفعول، [وذلك الله تعالى](5) فهو الحي المطلق، وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله، وذلك محصور قليل.

(1) وعبارة الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 139) هذا أيضاً يرجع إلى الإيجاد ..

(2)

سورة الملك: 2.

(3)

الذي في "المقصد": "أقل".

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 140).

(5)

الأولى قوله: وكل ذلك لله تعالى.

ص: 151

قوله: "القيُّوم"(1) اعلم أن (2) الأشياء تنقسم إلى ما يفتقر إلى محل كالأغراض والأوصاف، فيقال فيها أنها ليست قائمة بأنفسها، وإلى ما لا يحتاج إلى محل فيقال: إنه قائم بنفسه، مستغن عن محل يقوم به، ولكنه لا يستغني عن أمور لا بدّ منها لوجوده ويكون شرطاً في وجوده، فلا يكون قائماً بنفسه؛ لأنه محتاج [281/ أ] في قوامه إلى وجوده غيره، وإن لم يحتج إلى محل، فإن كان في الوجود موجود يكتفي [453 ب] ذاته بذاته ولا قوام له بغيره، ولا يشترط في دوام وجوده وجود غيره، فهو القائم بنفسه مطلقاً، فإن كان مع ذلك يقوم به كل

(1) القيوم: يوصف الله عز وجل بأنه القيوم، وهو وصف ذاتي ثابت لله تعالى بالكتاب والسنة، و (القيوم) اسم من أسماء الله تبارك وتعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255)} [البقرة: 255، آل عمران: 2].

وقوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ (111)} [طه: 111].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (7385، 7442، 7499)، ومسلم رقم (769) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في تهجده: "

لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن

".

قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن"(ص 7): ومن صفاته: القيُّوم والقيَّام، وقرئ بهما جميعاً، وهما (فيعول) و (فيعال) من قمت بالشيء: إذا وليته، كأنه القيم بكل شيء

".

قال ابن جرير في "جامع البيان"(4/ 528): القيوم: القيم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء، وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص.

ثم قال ابن جرير: وأول التأولين - بعد ذكرهما - ما قال مجاهد والربيع، وأن ذلك وصف من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء، في رزقه والدفع عنه، وكلاءته، وتدبيره، وصرفه في قدرته".

وانظر: "اشتقاق أسماء الله"(ص 105).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 140).

ص: 152

موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به، فهو القيوم؛ لأن قوامه بذاته وقوام كل شيء به، وليس ذلك إلا لله.

قوله: "الوَاجد"(1) بالجيم (2)، وهو الذي لا يعوزه شيء، ويقابله الفاقد، فالواجد هو الذي لا يعوزه شيء مما لا بد منه، وكل ما لا بد منه في صفات الإلهية وكمالها فهو موجود لله تعالى، فهو بهذا الاعتبار واجد، وهو الواجد المطلق، ومن عداه إن كان واجداً لشيء من صفات الكمال وأسبابه فهو فاقد لأشياء، فلا يكون واجداً إلا بالإضافة.

قوله: "الماجد"(3) هو بمعنى المجيد، كالعالم بمعنى العليم، لكن الفعيل أكثر مبالغة، وقد سبق معناه.

قوله: "الواحد"(4) هو بالحاء المهملة.

(1) قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 81): الواجد، هو الغني الذي لا يفتقر. والوجد والجدة: الغنى، يقال: رجل واجدٌ، أي: غنيٌ.

وانظر: "تحفة الأحوذي"(9/ 342).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 141)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 310 - 311)

(3)

انظر: "المقصد الأسنى"(ص 141)، "تفسير أسماء الله الحسنى"(ص 57)، "شأن الدعاء"(ص 82).

(4)

الواحد: يوصف الله عز وجل بالوحدانية بدلالة الكتاب والسنة، والواحد من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ (171)} [النساء: 171].

وقوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} [غافر: 16].

والدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (7372) من قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: "

فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى

". =

ص: 153

وهو (1) الذي لا يتجزأ أو لا يتثنى، أما الذي لا يتجزأ فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم، فيقال: أنه واحد بمعنى لا جزء له، وكذا النقطة طرف لا جزء له، والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته.

وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له؛ كالشمس مثلاً؛ فإنها وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم متجزئة في ذاتها؛ لأنها من قبيل الأجسام - فهي لا نظير لها، إلا أنه يمكن لها نظير

فإن كان في الوجود موجود ينفرد بخصوص وجوده مفرداً لا يتصور أن يشاركه فيه غيره، فهو الواحد المطلق أزلاً وأبداً، والعبد إنما يكون واحدًا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه، وبالإضافة [454 ب] إلى الوقت، إذ يمكن أن يظهر في وقت آخر مثله، وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله تعالى.

قوله: "الصَّمَد"(2):

= وقال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 63): الواحد: هو الفرد والذي لم يزل وحده بلا شريك، وقيل: هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك وهذه صفة يستحقها بذاته.

وانظر: "شأن الدعاء"(ص 82)، "تفسير أسماء الله" للزجاج (ص 57).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 141)، وانظر:"شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 216 - 217).

(2)

الصمد: صفة ذاتية لله عز وجل، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} [الإخلاص: 1 - 2]، ولم يرد هذا الاسم إلا في هذه السورة.

الدليل من السنة: =

ص: 154

هو الذي (1) يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الرغائب؛ إذ ينتهي إليه منتهى السُؤدد.

= ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4974) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه القدسي -: "كذبني ابن آدم

وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد".

وقد اختلف في معنى الصمد على أقوال كثيرة، منها:

1 -

قال مجاهد: "الصمد" المصمت الذي لا جوف له.

2 -

قال الحسن: "الصمد" الذي لا جوف له، وعن عكرمة مثله.

3 -

وقال الشعبي: "الصمد" الذي لا يطعم الطعام. وقال: الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب.

4 -

قال عكرمة: "الصمد" الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد ولم يولد.

وقال آخرون: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده.

وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يفنى. كلها أخرجا ابن جرير بأسانيد صحيحة.

انظر ذلك مفصلاً في "مجموع فتاوى"(17/ 219 - 225)، "جامع البيان"(30/ 220 - 225).

وقال أبو عبيدة: "الله الصمد" هو الذي يُصمد إليه، ليس فوقه أحد.

والعرب كذلك تسمي أشرافها.

"مجاز القرآن"(2/ 316).

وقال الزجاج في "تفسيره لأسماء الله"(ص 58): وأصحُّه أنه السيد المصمود إليه في الحوائج.

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 58): "الصمد" هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج والنوازل، وأصل الصمد: القصد، ويقال للرجل: اصمد صَمْدَ فلان، أي: اقصد قصده، وجاء في التفسير: أن الصمد الذي قد انتهى سؤدده.

وقيل: الصمد: الدائم.

وقيل: الباقي بعد فناء الخلق.

وأصح هذه الوجوه ما شهد له معنى الاشتقاق، والله أعلم.

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 142).

ص: 155

ومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم، وأجرى على يده ولسانه حوائج خلقه، فقد أنعم عليه بحظ من معنى هذا الاسم. لكن الصمد المطلق هو الذي يقصد إليه في جميع الحوائج وهو الله سبحانه وتعالى.

قوله: "القَادِر (1) المقتَدِر":

(1) القدرة صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، ومن أسمائه تعالي:(القادر)، و (القدير)، و (المقتدر).

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} [البقرة: 20].

وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا (65)} [الأنعام: 65].

وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)} [القمر: 54 - 55].

الدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2202) من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وفيه: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".

وما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1659) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه لما ضرب غلامه؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اعلم أبا مسعود! إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام".

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 85): ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدّر للشيء، يقال: قدَّرْتُ الشيء وقدَرْتُه بمعنى واحد، كقوله:{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)} [المرسلات: 23].

وقال في "شأن الدعاء"(ص 86): المقتدر: هو التام القدرة، الذي لا يمتنع عليه شيء، ولا يحتجز عنه بمنعة وقوة، ووزنه مفتعل من القدرة، إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم؛ لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه، قال الله سبحانه:{عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)} [القمر: 55] أي: قادر على ما يشاء.

انظر: "الاعتقاد" للبيهقي (ص 63)، "مجموع فتاوى"(8/ 7)، "تفسير السعدي"(5/ 301).

ص: 156

معناهما (1) ذو القوة، لكن المقتدر أكثر مبالغة. والقدرة: عبارة عن المعنى الذي يوجد الشيء متقدراً بتقدير الإرادة والعلم، واقعاً على وفقهما.

والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وليس من شرطه أن يشاء لا محالة؛ فإن الله قادر على إقامة القيامة الآن، لكنه أخرها لما جرى في سابق علمه من تقدير أجلها ووقتها وذلك لا يقدح في القدرة.

والقادر المطلق هو الذي يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره وهو الله تعالى، وأما العبد [فإن قدرته في الجملة ولكنها ناقصة](2) إذ لا يتناول إلا بعض الممكنات، ولا يصلح للاختراع، بل الله تعالى هو المخترع لمقدورات العبد بواسطة قدرته مهما هيأ جميع أسباب الوجود لمقدوره.

قوله: "المقَدِّمُ (3) المؤَخِّر"[282/ أ]:

(1) قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 143).

(2)

كذا في العبارة في المخطوط (أ. ب) وهي مضطربة. ونصها من "المقصد الأسنى": "

فله قدرة على الجملة لكنها ناقصة

".

(3)

التقديم والتأخير صفتان من صفات الذات والأفعال لله عز وجل ثابتتان بالكتاب والسنة، والمقدِّم والمؤَخِّر اسمان لله تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)} [إبراهيم: 42].

وقوله تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا (11)} [المنافقون: 11].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (1120)، ومسلم رقم (769) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: "

أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت

". =

ص: 157

هو (1) الذي يقرب ويبعد، فمن قربه فقد قدمه، ومن أبعده فقد أخَّره، وقد قدم أنبياءه وأولياءه، بتقريبهم وهدايتهم، وأخر أعداءه بإبعادهم وضربه الحجاب بينه وبينهم.

والملك إذا قرب شخصين مثلاً، وجعل [455 ب] أحدهما أقرب إلى نفسه يقال: قدمه، أي: جعله قدام غيره، والقدام تارة يكون في [المكان](2) وتارة يكون في الرتبة، وهو مضاف لا محالة إلى متأخر عنه، ولا بد فيه من مقصد يكون هو الغاية بالإضافة إليه بتقدم ما يتقدم، وبتأخر ما يتأخر. والمقصد هو الله.

والمتقدم عنده هو المقرب إليه؛ كالملائكة والأنبياء والعلماء.

[والمراد التقدم، والتأخر في الرتبة وهو الذي وفق للأعمال المقتضية للتقدم، وخذل من أخره عن هدايته](3).

= وما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6419) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة".

قال الهراس في "شرح نونية ابن القيم"(2/ 109): "والتقديم والتأخير صفتان من صفات الأفعال التابعة لمشيئة الله تعالى وحكمته، وهما أيضاً صفتان للذات؛ إذ قيامهما بالذات لا بغيرها، وهكذا كل صفات الأفعال هي من هذا الوجه صفات ذات، حيث إن الذات متصفة بها، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال".

انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب (ص 397)، "الاعتقاد" للبيهقي (ص 63).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 144)، انظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 322 - 323)، "شأن الدعاء" للخطابي (ص 86 - 87)، "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص 86).

(2)

في (ب): "المكانة".

(3)

قال الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 144 - 145): والمراد هو التقديم والتأخير في الرتبة، وتوجد إشارة إلى أنه لم يتقدم من تقدم بعلمه وعمله، بل بتقديم الله إياه. وكذلك المتأخر، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ =

ص: 158

قوله: "الأَوَّلُ (1) الآخِر":

= سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء: 101]، وقوله تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (13)} [السجدة: 13].

(1)

الأولية صفة ذاتية لله عز وجل، وذلك من اسمه (الأول) الثابت في الكتاب والسنة، ومعناه: الذي ليس قبله شيء.

والآخرية صفة ذاتية لله عز وجل، وذلك من اسمه الآخر، والذي ورد في الكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3].

والدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه (2713) عن سهيل؛ قال: كان أبو صالح يأمرنا؛ إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول:"اللهم رب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنَّوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ اقض عنا الدَّيْنَ، وأغننا من الفقر". وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه.

قال ابن القيم في "طريق الهجرتين"(ص 27):

"فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا أقرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية، فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا =

ص: 159

اعلم (1) أن الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شيء، والآخر يكون آخرًا بالإضافة إلى شيء، فهما متناقضان، فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة، فالله تعالى بالإضافة إليها أول، إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه، وأما هو تعالى فموجود بذاته ولم يستفد الوجود من غيره.

ومهما نظرت إلى مراتب السلوك، ولاحظت مراتب السائرين عليه فهو آخر، إذ هو آخر ما تترقى إليه درجات العارفين، وكل معرفة تحصل قبل معرفته، فهو مرقاة إلى معرفته، والمنزل الأقصى هو معرفة الله، فهو آخر [بالنسبة](2) إلى السلوك، أول بالإضافة إلى الوجود، فمنه المبدأ أولاً، وإليه المرجع والمصير آخراً.

هذا كلام الغزالي في "المقصد الأسنى"(3).

= والله بعده، فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهراً باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً".

انظر: "شأن الدعاء"(ص 88 - 89)، "الاعتقاد" للبيهقي (ص 64)، "مجموع فتاوى"(5/ 498 - 500).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 145).

(2)

كذا في المخطوط، والذي في "المقصد":"بالإضافة".

(3)

(ص 145).

ص: 160

قوله: [456 ب]"الظَّاهِرُ (1) البَاطِنُ" هذان (2) الوصفان أيضاً من الإضافيات، فإن الظاهر يكون ظاهراً لشيء وباطناً لشيء، ولا يكون من وجه واحد ظاهراً وباطناً، بل يكون ظاهراً من وجه واحد بالإضافة إلى إدراك، باطناً من وجه آخر. فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات، فالله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال.

فإن قلت: كونه باطناً بالنظر إلى إدراك الحواس فواضح، وأما كونه ظاهراً للعقل فغامض؛ إذ الظاهر ما لا يتمارى فيه، ولا يختلف الناس في إدراكه، وهذا مما يوقع فيه الريب الكثير للخلق فكيف يكون ظاهراً؟

قلت (3): اعلم أنه إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، فظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، ولا يفهم هذا إلا بمثال.

(1) الظاهرية: صفة ذاتية لله عز وجل، من اسمه (الظاهر) الثابت بالكتاب والسنة. [انظرها في (أدلة الأول والآخر)].

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر بقوله: "ليس فوقك شيء".

انظر: "الاعتقاد" للبيهقي (ص 64)، "شأن الدعاء"(ص 88).

الباطنية: يوصف الله عز وجل بأنه الباطن، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة. انظرها في أدلة (الأول والآخر).

قال ابن مندة في "كتاب التوحيد"(2/ 82): "الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته عز وجل".

وقال ابن جرير في "جامع البيان"(27/ 215): هو الباطن لجميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: 16].

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 145 - 146)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 325 - 327).

(3)

أي: الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 146).

ص: 161

فأقول: إذا نظرت إلى كلمة واحدة يكتبها كاتب لاستدللت بها على كون الكاتب عالماً قادراً سميعاً بصيراً، واستقر عندك اليقين بوجود هذه الصفات فيه، بل لو رأيت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين قاطع بوجود كاتب لها عالم قادر سميع بصير حي، ولم تدل على هذا إلا صورة كلمة [واحدة، كما](1) تشهد هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب.

فما من ذرة في السماوات والأرض من فلك وكوكب وشمس وقمر، وحيوان [457 ب] ونبات وصفة وموصوف، إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها وقدرها وخصصها بخصوص [283/ أ] صفاتها، بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه وجزء من أجزائه ظاهراً وباطناً، بل إلى صفة من صفاته، وحالة من حالاته التي تجري عليها قهراً بغير اختياره؛ إلا وتراها قاطعة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبرها، وكذلك كل ما يدركه بجميع [حواسه](2) في ذاته أو خارجاً عن ذاته. لكن (3) لما كثرت الشهادات خفيت وغمضت لشدة الظهور، ولذا يقال:"ومن شدة الظهور الخفاء"، ولكنها (4) لما كانت الموجودات كلها [مثبتة](5) في الشهادة والأحوال كلها مطردة على نسق واحد، كان ذلك سبباً لخفائه.

(1) في (أ): "واحد وكما".

(2)

في (أ): "جوانبه".

(3)

العبارة اعتراها نقص، وإليك نصها من "المقصد الأسنى":"ولو كانت الأشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ولا يشهد بعضها لكان اليقين حاصلاً للجميع، ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور".

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 147).

(5)

كذا في (أ. ب)، والذي في "المقصد" (ص 147):"متفقة". =

ص: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال ابن القيم في "طريق الهجرتين"(ص 47 - 49): " .. واعلم أن لك أنت أولا وآخراً، وظاهراً وباطناً، بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر.

فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه. وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون. فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية. فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه. وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده. فالأول قدمه، والآخر دوامه، وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه. فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهر باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية. فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.

والتعبد بهذه الأسماء رتبتان:

الرتبة الأولى: أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء، فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه.

والمرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كل اسم بمقتضاه فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده، وعدم الالتفات إلى غيره، والوثوق بسواه، والتوكل على غيره. فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه. فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها =

ص: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وكانت أوليتها منه بلا سبب منك، واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار، ولا تركنن إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون.

وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله، فإن الله سبحانه قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد. ثم اسم بسرك إلى المطلب الأعلى، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأ لك وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل عليه وحده وعامله وحده، وآثر رضاه وحده، واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفاً بها مستلماً لأركانها، واقفاً بملتزمها. فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك".

ثم تعبد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه، فكما انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإن إلى ربك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهي إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر. وأما التعبد باسمه الباطن؛ فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدوِّ السرائر وأنه لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية، وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة، وزكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر.

فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته، فلا يرى لغيره شيئاً إلا به وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به، أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهمة من مهماته، فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع، كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول، فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته، وكمل فطرته، وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقاً من علومه وأعماله وأحواله =

ص: 164

فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عنهم لشدة ظهوره.

قوله: "البَر"(1) هو المحسن، والبر (2) المطلق هو الذي منه كل مبرة وإحسان.

والعبد إنما يكون براً بقدر ما يتعاطاه من البر لا سيما بوالديه وشيوخه، وبفضل الله وبره وإحسانه إلى خلقه من الإيجاد من العدم، وإدرار النعم لا تطيقه عبارة ولا تغني عنه إشارة.

قوله: "المنتقم"(3):

= وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي: من انتسابي إليهما، وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما، وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك.

(1)

البر: يوصف الله عز وجل بالبر، وذلك من اسمه (البر) الثابت له بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)} [الطور: 28].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (2703)، ومسلم رقم (1675) من حديث أنس رضي الله عنه:"إن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله أبره".

قال ابن جرير في "جامع البيان"(27/ 18): "إنه البر، يعني: اللطيف بعباده.

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 89 - 90): البر: هو العطوف على عباده المحسن إليهم، عمّ بره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه. وهو البر بالمحسن في مضاعفته الثواب له، والبر بالمسيء في الصفح، والتجاوز عنه.

انظر: "الأسماء والصفات"(ص 71)، "المنهاج"(1/ 204)، "فتح الباري"(10/ 508).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 148).

(3)

ليس المنتقم من أسماء الله تعالى.

ص: 165

هو (1) الذي يقصم ظهور العتاة، وينكل بالجبابرة، ويشدد العقاب على الطغاة، وذلك بعد الإعذار منه تعالى والإنذار وبعد تمكينه العباد والإمهال وهداية النجدين وأراه الطريقين.

فائدة (2): يتخلق العبد من هذه الصفة أن ينتقم من أعداء الله ومن نفسه إن تمردت عن طاعة الله.

= يوصف الله عز وجل بأنه (ذو انتقام)، وأنه ينتقم من المجرمين كما يليق به سبحانه، وهي صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)} [المائدة: 95].

وقوله تعالى: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)} [السجدة: 22].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (4822) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقوله عن قريش: "فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى:{يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} [الدخان: 10]، إلى قوله جل ذكره:{إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)} [الدخان: 16].

وما أخرجه الترمذي في "السنن" وأحمد في "المسند" من حديث أبي سعيد الخدري: "

فقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من شئت". وهو حديث صحيح.

قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 90): الانتقام: افتعال من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهة حد السخط.

انظر: "تهذيب التهذيب" للأزهري (9/ 202 - 203)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 486 - 490).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 149 - 150)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 338)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 236 - 238).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 149)، والرازي في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 339).

ص: 166

قوله: "العَفُو"(1) هو الذي (2) يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من [458 ب] معنى الغفور، لكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر.

وتخلق (3) العبد من هذه الصفة هو أن يعفو عمن ظلمه، بل يحسن إليه، كما أن الله محسن إلى العصاة والكفرة في دار الدنيا، ولم يعاجلهم بالعقوبة.

قوله: "الرَّؤُوف"(4) أي: ذو الرأفة.

(1) العَفو والمعافاة صفة فعلية لله عز وجل ثابتة له بالكتاب والسنة. ومعناها: الصفح عن الذنوب. والعفو اسم لله تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)} [النساء: 43].

وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43].

الدليل من السنة:

ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (963) وفيه: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه

".

وما أخرجه مسلم رقم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك

".

قال السعدي في تفسيره (5/ 300): "العفو، الغفور، الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً".

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 150).

(3)

انظر: "شرح الأسماء الحسنى" للرازي (ص 339)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 239).

(4)

الرأفة صفة ثابتة لله عز وجل، وذلك من اسمه (الرؤوف) وهو ثابت بالكتاب.

الدليل: قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)} [النور: 20].

وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر: 10]. =

ص: 167

والرأفة (1) شدة الرحمة فهو بمعنى الرحيم مع المبالغة، وتقدم الكلام فيه.

قوله: "ذُوْ الجَلالِ (2) والإِكْرامُ":

= قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 91): "الرؤوف: هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة، فهذا موضع الفرق بينهما".

وقال ابن جرير في "جامع البيان"(2/ 654): قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)} [البقرة: 143]: "أنَّ الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة".

انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 238).

(1)

قاله الغزالى في "المقصد الأسنى"(ص 150).

(2)

الجلال من أوصافه سبحانه وتعالى، وهي صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة، والجليل ليس من أسمائه تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27].

وقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)} [الرحمن: 78].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (7510) من حديث أنس رضي الله عنه: "

فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله

".

قال السعدي في تفسيره (5/ 302): (ذو الجلال والإكرام) أي: ذو العظمة والكبرياء، وذو الرحمة والجود والإحسان العام والخاص. المكرمة لأوليائه وأصفيائه الذين يجلونه ويعظمونه ويحبونه.

وقال القرطبي في "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 134): فمعنى جلاله استحقاقه لوصف العظمة ونعت الرفعة، والمتعالي عزاً وتكبراً وتنزهاً عن نعوت الموجودات، فجلاله إذًا صفة استحقها لذاته. =

ص: 168

هو الذي لا جلال ولا كمال (1) إلا وهو له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلالة له في ذاته، والكرامة ما يصدر منه على خلقه، وفنون إكرامه خلقه لا تكاد تنحصر ولا تتناهى، وعليه دل قوله:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (2) وهذا بالنسبة عليهم، وإلا فكرامته على كل مخلوق من حيوان وجماد.

قوله: "المقسط"(3) هو من أقسط، وهو (4) الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، وكماله أن يضيف إلى إنصاف المظلوم إرضاء الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف ولا يقدر عليه إلا الله.

ومثاله: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - الراوي (5) -: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما الذي أضحكك؟ قال:

= انظر: "شرح نونية ابن القيم"(2/ 64)، "اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي (ص 201)، "المنهاج" للحليمي (1/ 210).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 151 - 152).

(2)

سورة الإسراء: 70.

(3)

قال القرطبي في "الأسنى"(1/ 446): ومنها المقسط جل جلاله وتقدست أسماؤه، لم يرد به القرآن فعلاً ولا اسماً، وورد فيه إشارة إليه، قال تعالى:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (18)} [آل عمران: 18].

والقائم بالقسط هو المقسط.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} [المائدة: 42].

انظر: "شأن الدعاء"(ص 92)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج (62 - 63).

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 152 - 153).

(5)

وهو أنس بن مالك رضي الله عنه.

ص: 169

رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب! خذ لي مظلمتي من هذا، فقال الله عز وجل: رد على أخيك مظلمته، فقال: يا رب! لم يبق من حسناتي شيء، فقال الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ فقال: يا رب! فليحمل عني من أوزاري ثم [459 ب] فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس فيه إلى أن يحملوا عنهم من أوزارهم، قال: فيقول الله عز وجل للمتظلم: ارفع بصرك فانظر إلى الجنان، قال: يا رب! أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ ولأي صديق هذا؟ ولأي شهيد هذا؟ قال الله: لمن أعطى الثمن، قال: يا رب! ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب! فقد عفوت عنه، قال الله عز وجل: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" (1) فهذا سبيل الانتصاف والإنصاف، ولا يقدر عليه إلا رب الأرباب، إذ أوفر (2) العبيد تخلق بهذه الصفة من ينتصف أولاً من نفسه ثم لغيره من غيره، ولا ينتصف لنفسه من غيره. [284/ أ].

(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله" رقم (118)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 576) بسند ضعيف.

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 153).

ص: 170

قوله: "الجَامِع"(1) هو المؤلف (2) بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات، أما جمعه المتماثلات؛ فإنه مثل جمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض، وكحشره إياهم في صعيد القيامة، وأما المتباينات فكجمعه بين السماوات والكوكب والهواء والأرض والبحار والحيوانات والنبات والمعادن المختلفة، كل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف، وقد جمعها في الأرض، وجمع بين الكل في العالم وكذلك جمعه بين العظم [460 ب] والعصب والعرق والعضلة، والمخ والبشرة والدم وسائر الأخلاط في بدن الحيوان.

وأما (3) المتضادات فكجمعه بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أمزجة الحيوانات، وهي متنافرات ومتعاندات وذلك أبلغ وجوه الجمع وتفصيل جمعه لا يعلمه إلا هو، واعلم أن بعد الجامع في سردها.

قوله: "الغَني (4) المغْنِي" وأهمل المصنف شرحهما.

(1) قال القرطبي في "الأسنى"(1/ 478): نطق به القرآن مضافاً فقال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ (9)} [آل عمران: 9].

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)} [النساء: 140].

وقال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ (9)} [التغابن: 9].

انظر: "شأن الدعاء"(ص 92).

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 154 - 155).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 155).

(4)

الغِنى صفة ذاتية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، و (الغني) من أسماء الله تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 28]. =

ص: 171

والمعنى (1): هو الذي لا تعلق له بغيره، لا في ذاته ولا في صفاته، بل يكون منزهاً عن العلاقة مع الأغيار، فمن تتعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته يتوقف عليه وجوده أو كماله، فهو فقير محتاج إلى الكسب، ولا يتصور ذلك إلا لله سبحانه، والله تعالى هو المغني، ولكن إغناؤه لا يتصور من يغنيه بفنائه غنياً مطلقاً، فإن أول أموره أنه محتاج إلى المغني فلا يكون غنياً، بل مستغنٍ عن غير الله بأن يمده ما يحتاج إليه لا أن يقطع عنه أصل الحاجة.

والمعنى الحقيقي: هو الذي لا حاجة له أصلاً، والذي يحتاج ومعه ما يحتاج إليه، فهو غني بالمجاز، فهو غاية ما يدخل تحت الإمكان في حق غير الله [مما فيه الحاجة فلا](2)، ولكن

= وقوله تعالى: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].

وقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} [الضحى: 8].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (279) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "بينا أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً

فناداه ربه عز وجل: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك

".

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (2985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك

".

قال الهراس في "شرح النونية"(2/ 74): ومن أسمائه الحسنى (الغني)، فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلاً، وذلك لأن غناه وصف لازم له لا ينفك عنه؛ لأنه تقتضي ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول، فيمتنع أن يكون إلا غنياً كما يمتنع أن يكون إلا جواداً محسناً براً رحيماً كريماً.

انظر: "تحفة الأحوذي"(9/ 343)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 542).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 154 - 155).

(2)

كذا في (أ. ب)، وفي "المقصد الأسنى" (ص 155):"فأما فقد الحاجة فلا".

انظر: "شرح أسماء الحسنى"(344 - 345).

ص: 172

إذا لم يبق له حاجة إلا إلى الله سمي غنياً، ولكن الغني هو الله، ولذا قال تعالى:{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} (1).

قوله: "المانع"(2):

(1) سورة محمد: 38.

(2)

المانع من صفات الله تعالى، له معنيان:

أحدهما: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" فكان عز وجل يعطي من استحق العطاء، ويمنع من لم يستحق إلا المنع، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهو العادل في جميع ذلك.

والمعنى الثاني: أنه تبارك وتعالى يمنع أهل دينه، أي: يحوطهم وينصرهم.

وقيل: يمنع من يريد من خلقه ما يريد، ويعطيه ما يريد، ومن هذا يقال: فلان في منعة، أي: في قوم يمنعونه ويحمونه، وهذا المعنى في صفة الله جل جلاله بالغ، إذ لا منعة لمن لم يمنعه الله، ولا يمتنع من لم يكن الله له مانعاً.

"لسان العرب" مادة (منع)، "الحجة" للأصبهاني (1/ 148)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 355 - 356).

والعطاء والمنع: صفتان فعليتان لله عز وجل ثابتتان بالكتاب والسنة، والمعطي من أسماء الله عز وجل.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه: 50].

وقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)} [الكوثر: 1].

الدليل من السنة:

ما أخرجه البخاري رقم (7312)، ومسلم رقم (1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:"من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله".

وفي البخاري رقم (3116): "والله المعطي وأنا القاسم". =

ص: 173

هو الذي (1) يرد أسباب الهلاك والنقصان في الأديان والأبدان بما يخلقه من الأسباب [461 ب] المعدة للحفظ، وكل حفظ فمن ضرورية منع ودفع، فمن فهم معنى الحفيظ وقد سبق، فَهِم معنى المانع، فالمنع إضافة إلى السبب المهلك، والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو مقصود المنع وغايته، إذ كان المنع يراد للحفظ، والحفظ يراد للدفع والمنع، فكل حافظ دافع مانع، وليس كل مانع حافظاً إلا إذا كان مانعاً مطلقاً لجميع أسباب الهلاك والنقص، حتى يحصل الحفظ من ضرورته.

قوله: "الضَّارُ (2) النّافِع" أهمل المصنف شرحهما، وهو (3) الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضر، وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى، إما بواسطة الملائكة والجن والجمادات أو بغير واسطة، فلا تظن أن السم يقتل ويضر بنفسه، وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه، أو أن أشياء من المخلوقات من الإنس والجن والشياطين والأفلاك يقدر على ضر أو نفع بنفسه، بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخر له.

= وما أخرجه البخاري رقم (844)، ومسلم رقم (471): "

اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت

"

انظر: "شأن الدعاء"(ص 93 - 94).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 155).

(2)

قال الرازي في "شرح أسماء الله الحسنى"(ص 345): واعلم أن الجمع بين هذين الاسمين أولى وأبلغ في الوصف بالقدرة على ما شاء كما شاء، فلا نافع ولا ضار غيره.

انظر: "تحفة الأحوذي"(9/ 343)، "شأن الدعاء"(ص 94 - 95)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 352 - 354).

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 156).

ص: 174

وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية؛ كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي، كما أن السلطان إذا أوقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك من القلم، بل من الذي القلم مسخر له، فكذلك سائر الوسائط والأسباب، والله تعالى [285/ أ] جميع الكائنات مسخرة له.

قوله: "النُّور"(1):

(1) النور: صفة ذاتية لله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة، وقد عد بعضهم (النور) من أسماء الله تعالى.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35].

وقوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69].

الدليل من السنة:

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً: "إن الله تبارك وتعالى خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلَّ

" رواه أحمد (6644 - شاكر)، والترمذي في "السنن" رقم (2624)، وهو حديث صحيح.

وحديث: "اللهم لك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد

" رواه البخاري (7385، 7442، 7499)، ومسلم (769).

قال ابن تيمية في "مجموع فتاوى"(6/ 392): "وقد أخبر الله في كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها، فإذا كانت تشرق من نوره، كيف لا يكون هو نوراً؟! ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاه، كقوله:{نَاقَةُ اللَّهِ} [الأعراف: 73] ونحو ذلك

وقال ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية"(ص 45):

"والنور يضاف إليه سبحانه على أحد الوجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله؛ فالأول كقوله تعالى:{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] الآية؛ فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء

". =

ص: 175

هو الظاهر (1) الذي به كل ظهور، فإن الظاهر في نفسه، المظهر لغيره يسمي نوراً، وهو المخرج لجميع الأشياء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود، فهو الحقيق بأن [462 ب] يسمى نوراً.

والوجود نور فائض على الأشياء كلها، من نور ذاته فهو نور السماوات والأرض، وكما أنه لا ذرة من نور الشمس إلا وهي دالة على الشمس المنورة، كذلك لا ذرة من موجودات السماوات والأرض إلا وهي بجوار وجودها دالة على وجوب وجود موجدها.

قوله: "الهَادِي"(2):

= وقال رحمه الله في "النونية"(2/ 105):

وَالنَّورُ مِنْ أَسْمَائِهِ أيْضاً وَمِنْ

أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي الُبرْهَانِ

قال الهراس في "الشرح": "ومن أسمائه سبحانه النور، وهو أيضاً صفة من صفاته، فيقال: الله نور، فيكون اسماً مخبراً به على تأويله بالمشتق، ويقال: ذو نور، فيكون صفة؛ قال تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35]، وقال:{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69]:

وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أنه صلى الله عليه وسلم كان حين يستيقظ من الليل؛ يقول: "اللهم لك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن". اهـ

انظر: "شأن الدعاء"(ص 95 - 96)، "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"(1/ 458)، "مختصر الصواعق المرسلة"(2/ 192 - 200).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 156 - 157)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 347).

(2)

الهادي: يوصف الله عز وجل بأنه (الهادي)، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وقيل:(الهادي) من أسماء الله.

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] ....

وقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]. =

ص: 176

هو (1) الذي هدى خواص عباده إلى معرفته، وهداهم بما أودعه في عجائب مخلوقاته، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، كما أشار إليه قوله:{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)} (2)، {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} (3) فإنه هدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله، وهدى الفرخ إلى التقاط الحب عند خروجه، وهدى النحل إلى بناء بيته على

= وقوله: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} [الفرقان: 31].

الدليل من السنة:

الحديث القدسي المشهور، حديث أبي ذر رضي الله عنه: "

يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم

" رواه مسلم (3577).

حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "

اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني" رواه مسلم (2696).

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في "التفسير"(5/ 305): "الهادي؛ أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره".

وقال ابن جرير في "جامع البيان"(17/ 134): {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} [الحج: 54] وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد، والحق الواضح.

وقال في قوله تعالى: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا} [الفرقان: 31]، يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد.

وانظر: "اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي (ص 187)، "شأن الدعاء"(ص 95 - 96)، "المنهاج" للحليمي (1/ 207 - 209).

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 157 - 158).

(2)

سورة الأعلى: 3.

(3)

سورة طه: 50.

ص: 177

شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه وأضواها وأبعدها عن أن يحللها [العرح](1) وهدى الرجلين إلى المشي، واليدين إلى البطش، ولا تنحصر معرفة ذلك.

قوله: "البَدِيع"(2) لم يفسره المصنف.

(1) كذا رسمت في المخطوط غير مقروءة.

(2)

يوصف الله عز وجل بأنه بديع السماوات والأرض ومن فيهن، وهي صفة ثابتة له بالكتاب والسنة.

الدليل من الكتاب:

1 -

قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} [البقرة: 117]

2 -

وقوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} [الأنعام: 101].

الدليل من السنة:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام. فقال:"لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به؛ أعطى، وإذا دُعِيَ به؛ أجاب". حديث صحيح، رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له. "صحيح سنن ابن ماجه"(3112)، وانظر:"جامع الأصول"(2143).

المعنى:

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "التفسير"(5/ 303): "بديع السماوات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع والنظام العجيب المحكم".

وقال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 96): (البديع) هو الذي خلق الخلق، وفطره مبدعاً له مخترعاً، لا على مثال سبق.

وقال ابن منظور في "اللسان"(1/ 230): (البديع) من أسماء الله تعالى، لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء، ويجوز أن يكون بمعنى: مبدع، أو يكون من بدع الخلق، أي: بدأه، والله تعالى كما =

ص: 178

وهو (1) الذي لا عهد بمثله، فإن لم يكن بمثله فليس ببديع مطلق، ولا يليق هذا الاسم مطلقاً إلا بالله تعالى، فإنه ليس له قبل، فيكون مثله معهوداً قبله؛ وكل موجد بعده فحاصل بإيجاده، وهو غير مناسب لموجده، فهو بديع أزلاً وأبداً.

قوله: "الباقي"(2) هو (3) الموجود الواجب وجوده بذاته، ولكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقياً، وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديماً (4).

= قال سبحانه: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] أي: خالقها ومبدعها، فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 158 - 159).

(2)

البقاء: صفة ذاتية خاصة بالله عز وجل ثابتة بالكتاب العزيز.

الدليل: قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27].

وقد عدَّ بعضهم (الباقي) من أسماء الله تعالى، ولا دليل معهم، منهم: ابن منده في "كتاب التوحيد"(2/ 86)، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله"(ص 200)، وقوام السنة الأصبهاني في "الحجة"(1/ 127)، وغيرهم.

قال الأصبهاني في "الحجة"(1/ 128): "معنى الباقي: الدائم، الموصوف بالبقاء، الذي لا يستولي عليه الفناء، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما، وذلك أن بقاءه أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا".

وقال ابن تيمية في "مجموع فتاوى"(5/ 99): قال أبو بكر الباقلاني: "صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها هي: الحياة، والعلم

والبقاء، والوجه، والعينان

".

(3)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 159 - 160).

(4)

القدم: يُخْبَرُ عن الله عز وجل بأنه قديم، لا صفة له، والقديم ليس اسماً له.

قال ابن القيم في "بدائع الفوائد"(1/ 162): "

ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفاً؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه".

انظر تفصيل ذلك في "مجموع فتاوى"(9/ 300 - 302)، "الحجة على المحجة"(1/ 93)، "الاعتقاد" للبيهقي (ص 68).

ص: 179

فالباقي المطلق هو الذي لا تنتهي مبادئ وجوده في الماضي [463 ب] إلى أول، ويعبر عنه بأنه أزلي وقولك: واجب الوجود (1) بذاته متضمن [لجميع](2) ذلك، وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الدهر إلى الماضي والمستقبل.

وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات؛ لأنهما عبارتان عن الزمان، ولا يدخل في الزمان إلا المتغير والحركة، إذ الحركة بذاتها تنقسم إلى ماضٍ ومستقبل، والمتغير يدخل في الزمان بواسطة التغير، [فما خلا](3) عن التغير والحركة فليس في زمان، فليس فيه ماض ولا مستقبل، فلا ينفصل فيه القِدَم عن البقاء، بل الماضي والمستقبل إنما يكون لنا إذ قضي علينا وفينا أمور، وستجدد أمور، ولا بد من أمور تحدث شيئاً بعد شيء حتى ينقسم إلى ماض قد انعدم وانقطع، وإلى راهن حاضر، وإلى ما يتوقع تجدده من بعد.

فحيث لا تجدد ولا انقضاء فلا زمان، وكيف لا والحق تعالى قبل الزمان، وبعد خلق الزمان لم يتغير من ذاته شيء.

فقبل خلق الزمان لم يكن للزمان عليه جريان، وبقي بعد خلق الزمان على ما كان عليه (4).

قوله: "الوَارِث"(5):

(1) انظر: "بدائع الفوائد"(1/ 162)، "مجموع فتاوى"(9/ 300 - 302).

(2)

في (أ): "بجميع".

(3)

كذا في (أ. ب)، والذي في "المقصد الأسنى":"فما جل".

(4)

في (أ) زيادة: "كان"، وفي "المقصد الأسنى":"على ما عليه كان".

(5)

يوصف الله عز وجل بأنه الوارث، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، والوارث من أسمائه سبحانه وتعالى.

الدليل:

قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)} [مريم: 40]. =

ص: 180

هو (1) الذي إليه ترجع الأملاك وذلك هو الله سبحانه، إذ هو الباقي بعد فناء خلقه، وإليه مرجع كل شيء ومصيره [286/ أ]، وهو القائل إذا قال:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} (2) وهو المجيب: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)} (3). [464 ب].

قوله: "الرَّشِيْد"(4) هو (5) الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سنن السداد، من غير إشارة مشير، وتسديد مسدد، وإرشاد مرشد، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أرشد كل عبد إلى تدابيره بقدر هدايته، وإلى إصابة مراده في ديناه ودنياه.

= وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)} [الحجر: 23].

قال الزجاج في "تفسير أسماء الله الحسنى"(ص 65): (الوارث) كل باقٍ بعد ذاهب فهو وارث.

وقال ابن منظور في "اللسان" مادة (ورث): الوارث: صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم، الذي يرث الخلائق، ويبقى بعد فنائهم.

وانظر: "شأن الدعاء"(ص 96 - 97).

وقال البيهقي في "الاعتقاد"(ص 66): الباقي: هو الذي دام وجوده، والبقاء له صفة قائمة بذاته. وفي معناه الوارث.

(1)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 160).

(2)

سورة غافر: 16.

(3)

سورة إبراهيم: 48.

(4)

الرُّشد: صفة لله عز وجل، قال الخطابي في "شأن الدعاء" (ص 97): الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفعِل، ويكون بمعنى الحكيم ذي الرشد؛ لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله.

والرشيد ليس من أسماء الله سبحانه.

انظر: "شرح النونية"(2/ 297 - للهراس).

(5)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 161)، وانظر:"شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 265).

ص: 181

قوله: "الصَّبُور"(1) وهو (2) الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سنن محدودة، لا يؤخرها عن آجالها المقدرة لها تأخير متكاسل، ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل، [ويوقع](3) كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون كما ينبغي، وكل ذلك من غير مقاساة داعٍ على مضادة الإرادة.

وأما صبر (4) العبد فلا يخلو عن مقاساة؛ لأن معنى صبره هو ثبات داعي الدين أو العقل في مقابلة داعي الشهوة والغضب، فإذا تجاذبه داعيان متضادان فدفع الداعي إلى المبادرة، ومال إلى باعث التأخير سمي صبوراً، إذ جعل باعث العجلة مقهوراً.

وباعث العجلة في حق الله معدوم؛ فهو أبعد عن العجلة ممن [باعثها](5) موجود، ولكنه مقهور، فهو أحق بهذا الاسم بعد أن أخرجت [465 ب] عن الاعتبار تناقض البواعث، ومصابرتها بطريق المجاهدة.

(1) الصبر: يوصف الله عز وجل بصفة الصبر، كما هو ثابت في السنة الصحيحة، أما (الصبور) ففي إثبات أنه اسم لله تعالى نظر؛ لعدم ثبوته، ولم نجد آية أو حديثاً صحيحاً يثبت هذا الاسم لله سبحانه.

الدليل: ما أخرجه البخاري رقم (7378)، ومسلم رقم (49) من حديث أبي موسى رضي الله عنه:"ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم".

قال الخطابي في "شأن الدعاء"(ص 98): معنى الصبور في صفة الله سبحانه قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور كما يسلمون منها في صفة الحليم، والله أعلم بالصواب.

(2)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 161)، وانظر:"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي (ص 353).

(3)

كذا في (أ. ب)، والذي في "المقصد الأسنى" (ص 161):"بل يودع".

(4)

قاله الغزالي في "المقصد الأسنى"(ص 161)، "شرح القشيري لأسماء الله الحسنى"(ص 267 - 268).

(5)

كذا في (أ. ب)، والذي في "المقصد الأسنى":"باعثه".

ص: 182

انتهى ما أردتُّ من إيضاح معاني أسمائه تعالى التي لا يحيط عبد بمعنى واحد منها ولا يحصيه، وإنما هذا كله تقريب بحسب طاقة البشر.

وقد نقلت ذلك من "المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى" للإمام: محمد بن محمد ابن محمد الغزالي رحمه الله مع اختصار وحذف لبعض ما لا حاجة إليه في الأنظار، وانما طولت في شرحه بالنقل منه؛ لأني رأيت المصنف وابن الأثير رحمهما الله اقتصرا على مجرد تفسير الألفاظ، فأردت زيادة البيان وإيضاح ذلك، فإن أسماء الله حقيقة بالإطالة في البيان والحمد لله. [287/ أ].

[انتهى نقل الجزء الثاني من التحبير من خط المصنف الإمام محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله.

ويليه الجزء الثالث أوله: الفصل الثاني في أدعية الصلاة مفصلاً.

ثم نقل هذا في آخر نهار السبت (22) ربيع الأول سنة (1362).

كتبه محمد بن أحمد بن علي الحجري وفقه الله

بعناية مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله

يحيى بن الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى حميد الدين حفظه الله] (1)[466 ب].

(1) ما بين الحاصرتين زيادة من (ب).

ص: 183