الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما رواية أبي سعيد؛ فإنها من رواية علي بن علي الرفاعي، قال الترمذي (1): كان يحيى ابن سعيد يتكلم في علي بن علي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. انتهى.
وقال (2) في حديث عائشة: لا نعرفه (3) إلا من هذا الوجه، وحارثة يريد ابن أبي الرجال راويه عن عمرة عن عائشة قد تكلم فيه من قبل حفظه. انتهى. ومثله في "سنن أبي داود" الحديثين معاً (4). [289/ أ].
الركوع والسجود
1 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". أخرجه مسلم (5) وأبو داود (6) والنسائي (7). [صحيح]
ومعنى "قَمِن"(8): جدير.
قوله: "الركوع والسجود".
(1) في "السنن"(2/ 10).
(2)
في "السنن"(2/ 11 - 12).
(3)
بل روي من غير هذا الوجه، كما أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي، وقد تقدم.
(4)
انظر ما تقدم.
(5)
في صحيحه رقم (479).
(6)
في "السنن" رقم (876).
(7)
في "السنن" رقم (1045، 1120).
(8)
قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 492): قَمِنٌ وقمِينٌ أي: خليق وجدير، فمن فتح الميم لم يثنِّ ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه مصدر، ومن كسر ثنى وجمع، وأنث؛ لأنه وصف.
وانظر: "الفائق" للزمخشري (2/ 197).
أي: ما يقال فيهما من الأدعية.
قوله: "عن ابن عباس".
أقول: أول الحديث: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم أستاره والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "يا أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت
…
" الحديث.
قوله: "أن أقرأ القرآن" النهي يقتضي الفساد، فلو قرأ فسدت صلاته.
وقال النووي (1): لا تبطل صلاته، إلا إذا قرأ بالفاتحة؛ ففيه وجهان. انتهى.
قوله: "فعظموا فيه الرب".
أقول: قد ورد تعيين التعظيم فيما أخرجه سعيد بن منصور (2)، وأحمد (3)، وأبو داود (4)، وابن ماجه (5)، وابن حبان (6)، والحاكم (7)، وصححه [8 ب] والبيهقي في ["سننه" (8)] (9) عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)} (10)
(1) في شرحه لصحيح مسلم (4/ 197 - 198).
(2)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 481).
(3)
في مسنده (4/ 155).
(4)
في "السنن"(869).
(5)
في "السنن"(887).
(6)
في صحيحه رقم (1898).
(7)
في "المستدرك"(1/ 225).
(8)
في (ب): "في شعبه".
(9)
في "السنن الكبرى"(2/ 286)، وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
(10)
سورة الواقعة: 74.
قال: "اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} (1) قال: "اجعلوها في سجودكم".
قوله: "فاجتهدوا في الدعاء" أقول: بخير الدنيا والآخرة كما تفيده أحاديث الأدعية، والمراد مع التسبيح المأمور به.
قوله: "أي جدير"(2) بالجيم مفتوحة فدال مهملة فراء، أي: حقيق.
2 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كانَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللهمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ". أخرجه مسلم (3) وأبو داود (4). [صحيح]
قوله: "وعن أبي هريرة".
قوله: "دقه" بكسر المهملة فقاف.
قوله: "وجله" بزنة دقه.
قال ابن الأثير (5): الدقيق من الأمور، الصغير منها، والجليل، العظيم الكبير منها.
قلت: وكأنه أريد صغائر الذنوب وكبائرها، وفيه دليل أنها تغفر الكبائر بغير توبة، وإلا لما جاز سؤال غفرانها.
قوله: "أوله وآخره" ما تقدم منه وما تأخر. "سره وعلانيته" ما أخفي وما أظهر.
(1) سورة الأعلى: 1.
(2)
تقدم شرحها.
(3)
في صحيحه رقم (486).
(4)
في "السنن" رقم (879)، وهو حديث صحيح.
(5)
في "غريب الجامع"(4/ 191).
3 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللهمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اغْفِرْ لِي" يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. أخرجه الخمسة (1) إلا الترمذي. [صحيح]
وفي أخرى لمسلم (2) وأبي داود (3) والنسائي (4): "كانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ".
وفي أخرى لمالك (5) والترمذي (6) وأبي داود (7): فَقَدْتُهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ الفِرَاش فَلَمَسْتُهُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".
قوله: "في حديث عائشة: أخرجه الخمسة إلا الترمذي".
أقول: زاد ابن الأثير (8) في آخره: "يتأول القرآن".
(1) أخرجه البخاري رقم (817)، ومسلم رقم (484)، وأبو داود رقم (877)، والنسائي (2/ 219)، وابن ماجه رقم (889)، وأحمد (6/ 43)، وهو حديث صحيح.
(2)
في صحيحه رقم (487).
(3)
في "السنن" رقم (872).
(4)
في "السنن" رقم (1048، 1143).
(5)
في "الموطأ"(1/ 214 رقم 31).
(6)
في "السنن" رقم (3493).
(7)
في "السنن" رقم (879).
وأخرجه مسلم رقم (486)، وابن ماجه رقم (3841)، والنسائي رقم (1100، 1130، 5534)، وهو حديث صحيح.
(8)
في "الجامع"(4/ 191 - 192).
قال النووي (1): معنى يتأول القرآن: يعمل بما أمر به في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} (2).
قال (3): وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بهذا الكلام البديع في الجزالة المستوفى ما أمر به [9 ب] في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، وكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به، ليكون أكمل.
قال (4) أهل العربية وغيرهم (5): التسبيح: التنزيه، وقولهم (سبحان الله) منصوب على المصدر، يقال: سبحت الله تسبيحاً، وسبحاناً، فسبحان الله معناه: نزه لله، وتنزيهاً له من كل نقص وصفة للمحدث.
قالوا (6): وقوله: "وبحمدك" أي: وبحمدك سبحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي، ففيه [شكر الله](7) على هذه النعمة، والاعتراف بها والتفويض إلى الله، واستغفاره صلى الله عليه وسلم مع أنه مغفور له من باب العبودية [والاعتراف](8) والافتقار إليه تعالى.
قوله: "وفي أخرى لمسلم".
(1) في شرحه لصحيح مسلم (4/ 201).
(2)
سورة النصر: 3.
(3)
أي النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 201).
(4)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 201 - 202).
(5)
انظر: "النهاية في غريب الحديث"(1/ 745)، "غريب الحديث" للهروي (1/ 330).
(6)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 202).
(7)
في (ب): "شكران"، وما أثبتناه من (أ)، و"شرح صحيح مسلم"(4/ 202).
(8)
كذا في (أ. ب)، والذي في "شرح صحيح مسلم":"والإذعان".
قوله: "سبوح قدوس" قال ابن الأثير (1): سبوح فعول من التسبيح، مضموم الأول وقد يفتح، وليس بالكثير.
قلت: قال النووي (2): إنه بفتح السين والقاف، وبفتحها والضم أفصح وأكثر.
قال الجوهري (3): كان سيبويه يقولهما بالفتح.
وقال ابن فارس (4) والزبيدي (5) وغيرهما (6): سبوح هو الله تعالى، والمراد بالسبوح القدوس؛ المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبح مقدس رب الملائكة والروح، قيل: الروح ملك عظيم الشأن والخلق. وقيل: هو اسم جبريل. وقيل: هو روح الخلائق التي بها حياتهم، قاله ابن الأثير (7).
قوله: "وفي أخرى" رواية أخرى عن عائشة.
قوله: "لمالك وأبي داود والترمذي".
أقول [10 ب] في "الجامع" نسبها لمسلم (8)، والموطأ (9)، والترمذي (10)، وأبي داود (11)،
(1) في "غريب الجامع"(4/ 192).
(2)
في شرحه لصحيح مسلم (4/ 204).
(3)
في "الصحاح"(3/ 961).
(4)
في "مقاييس اللغة"(3/ 125)، و (5/ 63 - 64).
(5)
في "تاج العروس"(8/ 408).
(6)
كالفيروز آبادي في "القاموس المحيط"(ص 285).
(7)
في "غريب الجامع"(4/ 192).
(8)
في صحيحه رقم (486).
(9)
في "الموطأ"(1/ 214 رقم 31).
(10)
في "السنن" رقم (3493).
(11)
في "السنن" رقم (879).
والنسائي (1)، فسقط على المصنف مسلم، والنسائي.
قوله: "اللهم إني أعوذ برضاك" الحديث في "شرح مسلم"(2) قال أبو سليمان الخطابي (3): في هذا معنى لطيف، وهو أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره بعفوه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان.
وكذلك [المعافاة والعاقبة](4)، ولما صار إلى ما لا ضد له وهو الله تعالى، استعاذ به منه لا غير، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
قوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي: لا أطيقه، [ولا آتي عليه] (5). وقيل: لا أحيط به.
وقال مالك (6): معناه لا أحصي نعمك وإحسانك والثناء عليك، وإن اجتهدت في الثناء عليك.
قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" فالعجز اعتراف عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، [و](7) كما أنه لا نهاية لصفاته، لا نهاية للثناء عليه
(1) في "السنن" رقم (1100، 1130، 5534)، وهو حديث صحيح، وقد تقدم.
(2)
(4/ 204).
(3)
في "معالم السنن"(1/ 547 - مع السنن).
(4)
كذا في (أ. ب)، والذي في "معالم السنن":"المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة".
(5)
كذا في (أ. ب)، والذي في "المعالم":"ولا أبلغه".
(6)
ذكره النووي في "شرح صحيح مسلم"(4/ 204).
(7)
زيادة من (أ).
[290/ أ]؛ لأن الثناء تابع للمثني عليه وإن أكثر وطال [وبالغ](1) فيه، فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى.
4 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ". أخرجه أبو داود (2) والترمذي (3). [ضعيف]
قوله: "في حديث ابن مسعود: أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: وقال الترمذي (4): "حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبدان بن عتبة لم يلق ابن مسعود". [11 ب].
قال المنذري (5): ذكره البخاري في تاريخه (6)، وقال: إنه مرسل. وقال: عون هذا هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، انفرد مسلم بإخراج حديثه. انتهى.
5 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللهمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، أَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَعِظَامِي لله رَبِّ العَالَمِينَ".
(1) كذا في (أ. ب)، والذي في "شرح صحيح مسلم":"وبولغ".
(2)
في "السنن" رقم (886) قال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله.
(3)
في "السنن" رقم (261).
وأخرجه ابن ماجه رقم (860)، والشافعي في "الأم" (2/ 254 - 255 رقم 226). وقال الشافعي عقب الحديث: إن كان هذا ثابتاً، وهذه منه إشارة إلى ضعف الحديث. وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
(4)
في "السنن"(2/ 47).
(5)
في "مختصر السنن"(1/ 422).
(6)
(7/ 13 - 14)، ولم أجد قول: مرسل.
أخرجه النسائي (1). [صحيح]
"الخُشُوعُ"(2) الخضوع والذل.
6 -
وعن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ الله لمَنْ حَمِدَهُ، اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ". أخرجه مسلم (3) وأبو داود (4) والترمذي (5). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن أبي أوفى: سمع الله" أي: أجاب حمده وتقبله. يقال: اسمع دعائي، أي: أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول.
قوله: "ملء السماوات" في "شرح مسلم"(6) بنصب الهمزة ورفعها، والنصب أشهر. وهو الذي اختاره ابن خالويه (7) ورجحه، وأطنب في الاستدلال له، وجوز الرفع على أنه مرجوح. وحكي عن الزجاج (8): أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، وقد ذكرت كل ذلك بدلائله في [كتاب](9)"تهذيب الأسماء واللغات"(10).
(1) في "السنن" رقم (1052)، وهو حديث صحيح، ولم يعلق عليه المصنف بشيء.
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث"(1/ 493)، "المجموع المغيث"(1/ 581).
(3)
في صحيحه رقم (476).
(4)
في "السنن" رقم (846).
(5)
في "السنن" رقم (3547). وهو حديث صحيح.
(6)
(4/ 192 - 193).
(7)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 192).
(8)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 193).
(9)
زيادة من (أ).
(10)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (4/ 193).
قال العلماء: معناه حمداً لو كان جسماً لملأ السماوات والأرض، وفي هذا الحديث فوائد، منها: استحباب هذا الذكر.
ومنها: وجوب الاعتدال، ووجوب الطمأنينة فيه، وأنه يستحب لكل مصلٍّ من إمام ومأموم ومنفرد أن يقول:"سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" ويجمع بينهما، ويكون قوله:"سمع الله لمن حمده" في حال ارتفاعه، وقوله:"ربنا ولك الحمد" في حال اعتداله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري (1). انتهى كلامه.
قوله: [في حديث ابن أبي أوفى](2): "ما شئت من شيء بعد" زاد مسلم (3) في رواية أبي سعيد [12 ب] بعد "بعد": "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" إلى هنا ساقه ابن الأثير (4) ناسباً هذه الزيادة إلى مسلم (5)، ورأينا الحديث في مسلم بتمامه:"أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
في "شرح مسلم"(6)(أهل) منصوب على النداء، هذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه على تقدير: أنت أهل الثناء، والمختار النصب. والثناء الوصف الجميل والمدح، والمجد العظمة
(1) في صحيحه رقم (685).
وأخرجه أحمد (5/ 53)، ومسلم رقم (674)، والنسائي (2/ 9)، والترمذي رقم (205).
(2)
زيادة من (أ).
(3)
في صحيحه رقم (204/ 476).
(4)
في "الجامع"(4/ 199).
(5)
في صحيحه (205/ 477).
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (4/ 194).
ونهاية الشرف. وفيه أن (أحق) في رواية مسلم بالألف، و (كلنا) بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه:"حق ما قال العبد كلنا لك عبد" فهو غير معروف من حيث الرواية.
وتقديره على رواية مسلم: "أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" إلى آخره، واعترض بينهما بقوله:"وكلنا لك عبد"، وفيه (1) دلالة على فضيلة هذا اللفظ، فقد أخبر من لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله، وإنما كان أحق ما قاله العبد، لما فيه من التفويض إلى الله، والإذعان له والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به.
والجد (2) المشهور الصحيح أنه بفتح الجيم هو الحظ والغنى والعظمة والسلطان، أي: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان [13 ب] فيك حظه، أي: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ} (3) انتهى باختصار.
7 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "اللهمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي". أخرجه أبو داود (4) والترمذي (5)، واللفظ له. [حسن]
قوله: "في حديث ابن عباس واللفظ له" أي: للترمذي.
(1) قاله النووي في "شرح صحيح مسلم"(4/ 195 - 196).
(2)
انظر: "النهاية"(1/ 239)، "غريب الحديث" للهروي (1/ 256)، "الفائق" للزمخشري (1/ 192).
(3)
سورة الكهف: 46.
(4)
في "السنن" رقم (850).
(5)
في "السنن" رقم (284).
وأخرجه ابن ماجه رقم (898)، والحاكم (1/ 271)، والبيهقي في "السنن"(2/ 381)، وهو حديث حسن.
قلت: لكنه قال (1) عقبه: "غريب" وقال: وروى [بعضهم](2) الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلاً، هذا آخر كلامه.
قال المنذري (3): وكامل هو أبو العلاء أو أبو عبيد الله كامل بن العلاء التميمي السعدي الكوفي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه غيره. [انتهى](4).
8 -
وعن علي رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا سَجَدَ قَالَ: "اللهمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخَالِقِينَ"، ثُمَّ يَكُونُ آخِرَ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيم:"اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ، وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ اعْلمُ بِهِ مِنَّي، أَنْتَ المُقَدَّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ". أخرجه الخمسة (5) إلا البخاري. [صحيح]
قوله: "في حديث علي عليه السلام: الذي شق سمعي وبصري".
قيل: فيه دليل لمذهب الزهري أن الأذنين من الوجه، وأجيب بأن المراد بالوجه: الذات، كقوله:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (6)، وبأن الوجه يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد.
وقوله: "أحسن الخالقين" أي: المقتدرين والمعبودين [291/ أ].
(1) في "السنن"(2/ 77).
(2)
زيادة من (أ).
(3)
في "مختصر السنن"(1/ 403).
(4)
زيادة من (أ).
(5)
أخرجه مسلم رقم (771)، وأبو داود رقم (760)، وابن ماجه رقم (1054) مختصراً، والترمذي رقم (266، 3421، 3422)، والنسائي رقم (897). وهو حديث صحيح، والله أعلم.
(6)
سورة القصص: 88.
9 -
وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ:"قُلِ: اللهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". أخرجه الخمسة (1) إلا أبا داود. [صحيح]
قوله: "وعن ابن عمرو بن العاص".
قوله: "أدعو به في صلاتي" أقول: هذا من الأدعية (2) المجملة في محل الصلاة؛ لأنه شامل لكل محل فيها، وفيه: أن الصلاة محل الدعاء، وأنه لا حجة لمن خالف في ذلك.
قوله: "كثيراً" أقول: يروى بالباء الموحدة نظراً إلى كبر الذنوب في ذاتها، وروي بالمثلثة نظراً إلى تعددها.
واعلم أن المطيع قد ينظر إلى تقصيره في كمال الطاعة، ويزدري اجتهاده في جنب عظمة الله تعالى، فيستكثر ذنوبه، ومن أراد الجمع بين الروايتين فليأت بالدعاء مرتين، وهو أحسن من ذكرهما معاً في مرة واحدة، فإن المذكور في كل رواية واحدة منها.
وقوله: "من عندك" أي: تفضلاً وإن لم أكن لها أهلاً.
قوله: "إنك أنت الغفور الرحيم" توصل إليه عند سؤال المغفرة بصفةِ عفوه لمناسبة المطلوب لتلك الصفة، وهو مشتق من آيات القرآن:{وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)} (3)،
(1) أخرجه البخاري رقم (834، 6326)، ومسلم رقم (2705)، والنسائي رقم (1302)، والترمذي رقم (2531)، وابن ماجه رقم (3835)، وابن حبان رقم (1967)، وعبد بن حميد رقم (5)، والبزار رقم (29)، وأبو يعلى في مسنده رقم (29)، (31)، وابن خزيمة رقم (845)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 154). وهو حديث صحيح.
(2)
انظر: "فتح الباري"(2/ 318).
(3)
سورة المائدة: 114.