المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٤

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌حرف الدال

- ‌كتاب: الدعاء

- ‌[الباب الأول: في آدابه:

- ‌الفصل الأول: في فضله ووقته

- ‌الفصل الثاني: في هيئة الداعي

- ‌الفصل الثالث: في كيفية الدعاء

- ‌الفصل الرابع: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الثاني: في أقسام الدعاء

- ‌[القسم الأول: في الأدعية المؤقتة المضافة إلى أسبابها، وفيه عشرون فصلاً]

- ‌الفصل الأول: في ذكر اسم الله الأعظم وأسمائه الحسنى

- ‌(فائدة: ذكر شرح أسماء الله الحسنى)

- ‌الفصل الثاني: في أدعية الصلاة مفصلاً - الاستفتاح

- ‌الركوع والسجود

- ‌بعد التشهد

- ‌بعد السلام

- ‌الفصل الثالث: في الدعاء عند التهجد

- ‌الفصل الرابع: في الدعاء عند الصباح والمساء

- ‌الفصل الخامس: في أدعية النوم والانتباه

- ‌الفصل السادس: في أدعية الخروج من البيت والدخول إليه

- ‌الفصل السابع: في أدعية المجلس والقيام منه

- ‌الفصل الثامن: في أدعية السفر

- ‌الفصل التاسع: في أدعية الكرب والهم

- ‌الفصل العاشر: في أدعية الحفظ

- ‌الفصل الحادي عشر: في دعاء اللباس والطعام

- ‌الفصل الثاني عشر: في دعاء قضاء الحاجة

- ‌الفصل الثالث عشر: في دعاء الخروج من المسجد والدخول إليه

- ‌الباب الرابع عشر: في دعاء رؤية الهلال

- ‌الفصل الخامس عشر: في دعاء الرعد والريح والسحاب

- ‌الفصل السادس عشر: في دعاء يوم عرفة وليلة القدر

- ‌الفصل السابع عشر: في دعاء العطاس

- ‌الفصل الثامن عشر: في دعاء داود عليه السلام

- ‌الفصل التاسع عشر: في دعاء قوم يونس عليه السلام

- ‌الفصل العشرون: في الدعاء عند رؤية المبتلى

- ‌القسم الثاني من الباب الثاني: في أدعية غير مؤقتة ولا مضافة

- ‌الباب الثالث: فيما يجري في مجرى الدعاء

- ‌الفصل الأول: في الاستعاذة

- ‌الفصل الثاني: في الاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والحوقلة

- ‌الفصل الثالث: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب: الديات

- ‌الفصل الأول: في دية النفس

- ‌الفصل الثاني: في دية الأعضاء والجراح العين

- ‌الأضراس

- ‌الأصابع

- ‌الجراح

- ‌الفصل الثالث: فيما جاء من الأحاديث مشتركاً بين النفس والأعضاء

- ‌الفصل الرابع: في دية الجنين

- ‌الفصل الخامس: في قيمة الدية

- ‌الفصل السادس: في أحكام تتعلق بالديات

- ‌كتاب: الدين وآداب الوفاء

- ‌حرف الذال

- ‌كتاب: الذكر

- ‌كتاب: الذبائح

- ‌الفصل الأول: في آداب الذبح ومنهياته

- ‌الفصل الثاني: في هيئة الذبح وموضعه

- ‌الفصل الثالث: في آلة الذبح

- ‌كتاب: ذم الدنيا وأماكن من الأرض

- ‌الفصل الأول: [في ذم الدنيا

- ‌الفصل الثاني: في ذم أماكن من الأرض

- ‌حرف الراء

- ‌كتاب: الرحمة

- ‌الفصل الأول: في الحث عليها

- ‌الفصل الثاني: في ذكر رحمة الله تعالى

- ‌الفصل الثالث: فيما جاء من رحمة الحيوان

- ‌كتاب: الرفق

- ‌كتاب: الرهن

- ‌كتاب: الرياء

- ‌حرف الزاي

- ‌كتاب: الزكاة

- ‌الباب الأول: في وجوبها وإثم تاركها

- ‌الباب الثاني: في أحكام الزكاة المالية

- ‌الفصل الأول: فيما اشتركن فيه من الأحاديث

- ‌الفصل الثاني: في زكاة النعم

- ‌الفصل الثالث: في زكاة الحلي

- ‌الفصل الرابع: في زكاة الثمار والخضروات

- ‌الفصل الخامس: في زكاة المعدن والركاز

- ‌الفصل السادس: في زكاة الخيل والرقيق

- ‌الفصل السابع: في زكاة العسل

- ‌الفصل الثامن: في زكاة مال اليتيم

- ‌الفصل التاسع: في تعجيل الزكاة

- ‌الفصل العاشر: في أحكام متفرقة للزكاة

- ‌الباب الثالث: في زكاة الفطر

- ‌الباب الرابع: في عامل الزكاة وما يجب له عليه

- ‌الباب الخامس: فيمن تحل له الصدقة ومن لا تحل

- ‌الفصل الأول: فيمن لا تحل له

- ‌الفصل الثاني: فيمن تحل له الصدقة

- ‌كتاب: الزهد والفقر

- ‌الفصل الأول: في مدحهما والحث عليهما

- ‌الفصل الثاني: فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه من الفقر

- ‌كتاب: الزينة

- ‌الباب الأول: في الحليّ

- ‌الباب الثاني: في الخضاب

- ‌الباب الثالث: في الخلوق

- ‌الباب الرابع: في الشعور شعر الرأس - الترجيل

- ‌الحلق

- ‌الوصل

- ‌السدل والفرق

- ‌نتف الشيب

- ‌قص الشارب

- ‌الباب الخامس: في الطيب والدهن

- ‌الباب السادس: في أمور من الزينة متعددة

- ‌الباب السابع: في النقوش والصور والستورذم المصورين

- ‌كراهة الصور والستور

- ‌حرف السين

- ‌كتاب: السخاء والكرم

- ‌كتاب: السفر وآدابه

- ‌النوع الأول: في يوم الخروج

- ‌النوع الثاني: في الرفقة

- ‌النوع الثالث: في السير والنزول

- ‌النوع الرابع: في إعانة الرفيق

- ‌النوع الخامس: في سفر المرأة

- ‌النوع السادس: فيما يذم استصحابه في السفر

- ‌النوع السابع: في القفول من السفر

- ‌النوع الثامن: في سفر البحر

- ‌النوع التاسع: في تلقي المسافر

- ‌النوع العاشر: في ركعتي القدوم

- ‌كتاب: السبق والرمي

- ‌الفصل الأول: في أحكامهما

- ‌الفصل الثاني: فيما جاء من صفات الخيل

- ‌كتاب: السؤال

- ‌كتاب: السحر والكهانة

- ‌حرف الشين

- ‌كتاب: الشراب

- ‌الباب الأول: في آدابه

- ‌الفصل الأول: في الشرب قائمًا: جوازه

- ‌الفصل الثاني: في الشرب من أفواه الأسقية جوازه

- ‌الفصل الثالث: في التنفس عند الشرب

- ‌الفصل الرابع: في ترتيب الشاربين

- ‌الفصل الخامس: في تغطية الإناء

- ‌الفصل السادس: في أحاديث متفرقة

- ‌الباب الثاني: في الخمور والأنبذة

- ‌الفصل الأول: في تحريم كل مسكر

- ‌الفصل الثاني: في تحريم المسكر وذم شاربه

- ‌الفصل الثالث: في تحريمها ومن أي شيء هي

- ‌الفصل الرابع: فيما يحل من الأنبذة وما يحرم

- ‌الفصل الخامس: في الظروف وما يحل منها وما يحرم

- ‌الفصل السادس: في لواحق الباب

- ‌كتاب: الشركة

- ‌كتاب: الشعر

الفصل: ‌الفصل الثالث: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

‌الفصل الثالث: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

-

1 -

عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: أَتَانَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا الله تَعَالَى أَنْ نُصَلّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ:"قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ [عَلِمْتُمْ] (1) ". أخرجه الستة (2) إلا البخاري. [صحيح]

وللستة (3) إلا الترمذي، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ:"قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كَما صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذرَّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". [صحيح]

(1) في المخطوط (أ. ب): "عرفتم"، وما أثبتناه من مصادر الحديث.

(2)

أخرجه أحمد (5/ 273 - 274)، ومسلم في صحيحه رقم (405)، والنسائي في "المجتبى"(3/ 45)، وفي "السنن الكبرى" رقم (1209)، والترمذي رقم (3220)، وأبو داود رقم (980، 981).

وأخرجه ابن خزيمة رقم (711)، وابن حبان رقم (1959)، والحاكم (1/ 268)، والدارقطني في "السنن"(1/ 354 - 355)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 146 - 147)، وهو حديث صحيح.

(3)

أخرجه البخاري رقم (3369)، ومسلم رقم (407)، وأبو داود رقم (979)، وابن ماجه رقم (905)، والنسائي في "السنن" رقم (1294)، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (259).

وأخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (384)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" رقم (3707)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (682)، وأحمد (5/ 424)، وهو حديث صحيح.

ص: 299

وللخمسة (1) عن كعب بن عجرة قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ:"قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". [صحيح]

قوله: "الفصل الثالث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ".

قوله: "عن أبي مسعود البدري".

أقول: اسمه عقبة بن عمرو (2)، خزرجي أنصاري نجاري، شهد العقبة الثانية، وكان أصغر من شهدها ولم يشهد بدراً في الأصح، وإنما قيل له البدري؛ لأنه نزل بماء بدر فنسب إليه وسكن الكوفة، ومات في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

قوله: "فقال له بشير بن سعد" لا يتوهم أنه ابن سعد بن عبادة المذكور قريباً، بل هو بشير (3) بن سعد بن ثعلبة بن خلاس، بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام، وبالسين المهملة، أنصاري خزرجي، وهو والد النعمان بن بشير، شهد العقبة وبدراً [305/ أ] والمشاهد كلها.

(1) أخرجه البخاري رقم (3370)، ومسلم رقم (68/ 406)، والنسائي في "المجتبى"(3/ 47)، وفي "الكبرى" رقم (1211)، وأبو داود رقم (976)، وابن ماجه رقم (904)، والترمذي رقم (483).

وأخرجه أحمد (4/ 241، 244)، وعبد الرزاق في مصنفه رقم (3105)، والطبراني في "الكبير"(ج 9 رقم 266)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (2233)، وعبد بن حميد رقم (368)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (687)، وهو حديث صحيح.

(2)

انظر: "التقريب"(2/ 27 رقم 249).

(3)

انظر: "الاستيعاب" رقم (186) ط. الأعلام. "التقريب"(1/ 103 رقم 87).

ص: 300

قوله: "كيف نصلي عليك" قال القاضي عياض (1): لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله: "صلوا عليه" يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم؛ سألوا بأي لفظ تؤدى؟ والحاصل: أنهم لما علموا أن السلام عرفوه بلفظ مخصوص، وهو السلام عليك [64 ب] أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته - فهموا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص فسألوا عنه.

قوله: "قال: قولوا اللهم" هذه الكلمة أكثر (2) استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى: يا الله، والميم عوض عن حرف النداء.

قوله: "صلِّ" ثبت عن أبي العالية (3): أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه: الدعاء له، وعن جماعة (4) قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الدعاء، أي: بالرحمة ونحوها. ورجح الحافظ ابن حجر (5) كلام أبي العالية أنهما ثناؤه تعالى عليه وتعظيمه، أي: عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإنفاذ شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى:"صلُّوا عليه" ادعوا ربكم بالصلاة عليه.

قوله: "على محمد وعلى آل محمد" كذا وقع في الموضعين، في قوله:"صلِّ" وفي قوله: "وبارك" ولكن وقع في الثاني: "وبارك على آل إبراهيم".

(1) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(2/ 301 - 302).

(2)

قاله الحافظ في "الفتح"(11/ 155).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(11/ 155).

(4)

منهم ابن عباس. "فتح الباري"(11/ 156).

(5)

في "الفتح"(11/ 156).

ص: 301

قال الحافظ ابن حجر (1): والحق أن ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر. ثم ساقه تاماً.

قوله: "وآل محمد" أقول: (آل) تضاف إلى من يتناول إلى من أضيف إليه، ولا تضاف إلا إلى معظم، فلا يقال: آل الحجام، بخلاف أهل، ولا تضاف إلى غير العاقل غالباً ولا إلى الضمير عند الأكثر، ويطلق آل فلان على نفسه وعلى من يضاف إليه جميعاً. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي عليه السلام:"إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة"(2) واختلف في المراد بآل محمد [65 ب] في هذا الحديث.

ففي "فتح الباري"(3): أن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهذا نص عليه الشافعي (4) والجمهور (5)، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:"إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" وتقدم من لا تحل له الصدقة منهم في حديث زيد بن أرقم. والخلاف واسع في المراد بهم، والراجح ما ذكر، وقد أطلق آل محمد على أزواجه، كما في حديث عائشة:"ما شبع آل محمد من خبز وأدوم ثلاثاً" أخرجه البخاري (6).

(1) في "فتح الباري"(11/ 156 - 157).

(2)

أخرجه أحمد في "المسند"(2/ 476) بسند صحيح. وسيأتي في الزكاة.

(3)

(3/ 355).

(4)

انظر: "المجموع شرح المهذب"(6/ 219 - 220).

(5)

"المغني"(4/ 111 - 112).

(6)

في صحيحه رقم (5423، 5438).

ص: 302

قوله: "كما صليت على إبراهيم" أقول: اشتهر (1) السؤال عن موقع التشبيه، مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمداً وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم، فكيف يشبه ما يطلب للأفضل بما أعطي المفضول؟

وفيه أجوبة:

الأول: أن ذلك كان قبل أن يعلمه الله أنه أفضل من إبراهيم، ورد بأن لو كان كذلك لغير لفظ الصلاة بعد أن أعلم أنه أفضل.

الثاني: أنه قال ذلك تواضعاً.

الثالث: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، نحو قوله تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} (2)، وقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (3)، ورجح هذا القرطبي في "المفهم"(4).

الرابع: أن الكاف للتعليل كما جاءت [كذلك](5) في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} (6)، وقوله:{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (7).

(1) انظره نصاً في "فتح الباري"(11/ 161).

(2)

سورة النساء: 163.

(3)

سورة البقرة: 183.

(4)

"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(2/ 41).

(5)

في (أ): "لذلك".

(6)

سورة البقرة: 151.

(7)

سورة البقرة: 198.

ص: 303

الخامس (1): أن قوله: "اللهم صلِّ علي محمد" مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقاً بقوله: "وعلى آل محمد" وتعقب بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم الصلاة، مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم [66 ب] والأنبياء وآله؟!

رووا أيضاً بأنه وقع في حديث أبي سعيد البخاري (2) مقابلة الاسم فقط بالاسم فقط، ولفظه:"اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم".

السادس: منع قولهم في أول الإشكال أن المشبه (3) به يكون أرفع من المشبه، وسنده: أن التشبيه قد يكون بالمثل بل بالأدنى، كما في قوله تعالى:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} (4) وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟!

ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا، لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطوائف، حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم، مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم.

وقد عبر الطيبي (5) عن هذا المعنى بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.

(1) انظر: "فتح الباري"(11/ 161).

(2)

في صحيحه رقم (6358).

(3)

قاله الحافظ في "فتح الباري"(11/ 162).

(4)

سورة النور: 35.

(5)

ذكره الحافظ في "الفتح"(11/ 162).

ص: 304

قوله: "وعلى آل إبراهيم" أقول: هم ذريته من إسماعيل وإسحاق، وإن ثبت أن له أولاداً من غير سارة وهاجر؛ فهم داخلون [306/ أ] والمراد (1) المتقون منهم، فيدخل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم.

قوله: "وبارك" أقول: والمراد بالبركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، والمراد: أن يعطوا من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر دائماً.

قوله: "إنك حميد مجيد" أقول: الحميد فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل [له](2) من صفات الحمد أكملها، وقد قدمنا بيان معناه (3) ومعنى مجيد في شرح أسماء الله الحسنى قريباً.

ومناسبته ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين الجليلين: هو أن المطلوب تكريم الله لرسوله، وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم وصفي الحمد والمجد، فذكرهما كالإشارة إلى التعليل المطلوب، أو كالتدليل له، والمعنى: أنك فاعل ما يستوجب الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك.

نكتة: اتفقت [67 ب] كتب الحديث كتباً وتدريساً وإملاءً في الخطب في الجمع وغيرها من العلماء أهل المذاهب الأربعة (4) حذف لفظ الآل من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، بل يقتصرون في كل ذلك على قولهم صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث التعليم في كل رواية ما خلا عن ذكرهم والصلاة عليهم مع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وما كان أولاهم بالمحافظة على ما ورد، ولعله والله أعلم وقع

(1) وعبارة الحافظ في "الفتح": ثم إن المراد المسلمون منهم، بل المتقون.

(2)

زيادة من (أ).

(3)

في أسماء الله الحسنى.

(4)

انظر: "فتح الباري"(11/ 166)، "مختصر اختلاف العلماء"(1/ 219)، "معاني الآثار"(1/ 277)، "المجموع"(3/ 445).

ص: 305

في أول الدول كالأموية ونحوها، ممن نال من الآل ما نال كراهية ذكرهم بخير فطواه العلماء تقية وخوفاً، وحملهم على السلامة يقضي بأنهم كانوا يتلفظون بها، ثم جاء المتأخرون فظنوا ذلك هو الشرع، وبه تتم الصلاة المأمور بها، ثم صار عصبية.

لو أن عالماً يملي أي كتاب من كتب الحديث، أو الفقه الذي فيه أحاديث ويصلي على الآل ويأتي بالصلاة المشروعة؛ قام عليه سامع ورماه بالابتداع، من باب:(رمتني بدائها وانسلت) فإنه التارك لذكر هو المبتدع بالترك.

قوله: "والسلام كما قد علمتم" ضبط بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول.

قال البيهقي (1): فيه إشارة إلى السلام الذي في التشهد، وهو قوله:"السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته". انتهى.

وتفسير السلام بذلك هو الظاهر، ويأتي الكلام في وجوبها في الصلاة عند الكلام في الصلوات.

[قوله: "عن أبي حميد الساعدي" أقول: اسم أبي حميد عبد الرحمن بن سعد بن المنذر أنصاري خزرجي، من بني ساعدة](2).

قوله: "وعلى أزواجه وذريته" أقول: استدل بعضهم به بأن المراد بالآل الأزواج والذرية، وأن هذا الحديث فسر الآل الذي في الحديث الأول.

وتعقب بأنه ثبت الجمع (3) بين الثلاثة كما في حديث [68 ب] أبي هريرة، فيحتمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره. فالمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن حرمت عليهم

(1) انظر: "السنن الكبرى"(2/ 136، 153).

(2)

زيادة من (أ).

(3)

انظر: "المجموع شرح المهذب"(3/ 446 - 450).

ص: 306

الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث، وكان الأزواج أفرد بالذكر تنويهاً بهن، وكذا الذرية.

واعلم أنه قد اختلف: هل يجوز الترحم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فجزم ابن عبد البر (1) بمنعه فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: رحمه الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى علي" ولم يقل من ترحم علي، ولا قال من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص هذا تعظيماً له، فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (2) انتهى.

وهذا إذا أفردت (3) الرحمة، وأما إذا ضمت إلى السلام فجائزة، بل ورد بها النص:"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" في دعاء التشهد. وأخرج الطبري في "تهذيبه" عن حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه بلفظ: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ شهدت له يوم القيامة وشفعت له".

قال الحافظ ابن حجر (4)[307/ أ]: رجال سنده رجال الصحيح، غير سعيد بن سليمان - مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن علي - فإنه مجهول. انتهى.

وفي حديث التشهد صحيح غنية عن هذا إذا لم يصح.

(1) انظر: "الاستذكار"(6/ 261 - 263)، "فتح الباري"(11/ 159 - 160).

(2)

سورة النور: 63.

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(11/ 159).

(4)

في "فتح الباري"(11/ 159).

ص: 307

قوله: "كعب بن عجرة"(1) أقول: هو أبو محمد كعب بن عجرة بن أمية، حليف بني سالم بن عوف الأنصاري.

وقيل: هو من نفس (2) الأنصار وليس حليفاً لهم، تأخر إسلام كعب وكان له صنم في بيته يكرمه، وكان عبادة بن الصامت صديقاً له، فرصده يوماً، فلما خرج من بيته، دخل عبادة فكسره بالقدوم، ولما جاء كعب ورآه خرج مغضباً يريد أن يشاتم عبادة [69 ب] ثم فكر في نفسه فقال: لو كان عند هذا الصنم طائل لامتنع، فأسلم حينئذٍ.

وعجرة: بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء.

واعلم أن [ألفاظ](3) كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قد تنوعت وتعددت في روايات الأمهات الست، وقد رأيت جمعها هنا لمن أحب أن يأتي بكل ما ورد.

"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".

"اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد".

"اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد".

"اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم".

(1) انظر: "الاستيعاب" رقم (2173)، "التقريب"(2/ 135 رقم 48).

(2)

قاله الواقدي كما في "الاستيعاب"(ص 626 رقم 2173).

(3)

زيادة من (أ).

ص: 308

"اللهم صل على محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد".

"اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى أزواجه، وذريته كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد".

فهذه ألفاظ "الجامع"(1) معزوة إلى من أخرجها من أهل الكتب الستة، وكلها من كلامه صلى الله عليه وسلم يجيب بها من سأله عن كيفية الصلاة فيقول: قل أو قولوا.

قال في "فتح الباري"(2): والذي يظهر أن الأفضل لمن يتشهد أن يأتي بأكمل الروايات، أو يقول كلما ثبت هذه مرة، وهذه مرة، أما التلفيق (3)[70 ب] يريد الجمع بين الروايات في التشهد؛ فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد، لم ترد مجموعة في حديث واحد.

قال ابن القيم (4): قد نص الشافعي أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات.

ولم يقل أحد من الأمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن، وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرن.

(1)(4/ 401 - 402).

(2)

(11/ 158)، وانظر:"المجموع شرح المهذب"(3/ 448).

(3)

قال الألباني في "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم "(ص 176): "الفائدة الخامسة: واعلم أنه لا يشرع تلفيق صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، بل ذلك بدعة في الدين، وإنما السنة أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في العيدين".

(4)

في "زاد المعاد"(1/ 236 - 237).

ص: 309

قال الحافظ ابن حجر (1): والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين؛ فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ مستقل بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به. ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر كما تقدم، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئاً ما فلا بأس بالإتيان به احتياطاً.

وقالت طائفة منهم الطبري (2): إن ذلك من الاختلاف المباح، فأي لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه.

قلت: كلام الطبري حسن جداً.

وفي "الفتح"(3) أيضاً: وادعى ابن القيم (4) أن أكثر الأحاديث، بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد، وبذكر آل إبراهيم فقط، قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معاً، ثم ذكر من أوجه بلفظ: إبراهيم وآل إبراهيم معاً، وضعف روايته. قال ابن حجر (5) بعد نقل كلامه.

قلت: وغفل عما وقع في "صحيح البخاري"(6) في أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم، وساق سنده فيه:"كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

(1) في "فتح الباري"(11/ 158).

(2)

ذكره الحافظ في "فتح الباري"(11/ 158).

(3)

(11/ 158).

(4)

في "جلاء الأفهام"(ص 232 - 238).

(5)

في "فتح الباري"(11/ 159).

(6)

في صحيحه رقم (3369) وطرفه (6360).

ص: 310

وكذا في قوله: "كما باركت"، ثم ساق روايات في ذلك ثبت بذكر إبراهيم وآل إبراهيم، وقد قدمنا ألفاظ الكتب الستة، وفيها روايات بذكر إبراهيم وآل إبراهيم. [308/ أ].

2 -

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ". أخرجه النسائي (1). [صحيح]

وله (2) في أخرى عن أبي طلحة رضي الله عنه: جَاءَ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وَالبِشْرُ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى البُشْرَى فِي وَجْهِكَ؟ فَقَالَ: "إِنَّهُ أَتَانِي المَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَاّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَد إِلَاّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا". [حسن لغيره].

قوله: في حديث أنس: صلى الله عليه عشر صلوات".

(1) في "السنن" رقم (1297).

وأخرجه أحمد في مسنده (3/ 102، 103)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (62، 362، 363)، وابن حبان رقم (904)، والحاكم (1/ 550)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (1554)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1365)، وهو حديث صحيح.

(2)

أي للنسائي في "السنن" رقم (1295).

وأخرجه أحمد في مسنده (4/ 29، 30)، والنسائي في "الكبرى" رقم (1206)، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (60)، والحاكم (2/ 420)، وابن أبي شيبة (2/ 516)، والدارمي (2/ 317)، والطبراني في "الكبير" رقم (4724)، وفي "الأوسط" رقم (4228) من طرق، وهو حديث حسن لغيره.

ص: 311

أقول: تقدم أنه أخرج ابن أبي حاتم (1) عن أبي العالية [76 ب] في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} (2) قال: صلاة الله ثناؤه، وصلاة الملائكة الدعاء.

وأخرج عبد بن حميد (3) عن عكرمة: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.

وأخرج ابن أبي حاتم (4) عن سعيد بن جبير في الآية قال: يصلي عليكم: يغفر لكم، وتستغفر لكم ملائكته، فالمراد بصلاة الله عليه عشراً: إنه يغفر له عشرة ذنوب، ويكون قوله:"وحطت عنه عشر خطيئات" عطف تفسيري، ورفعت عشر درجات، أي: في الجنة، كما أخرج ابن أبي حاتم (5)، وابن مردويه (6)، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض".

قوله: "في حديث أبي طلحة" أقول: اسمه زيد (7) بن سهل الأنصاري، غلبت عليه كنيته، فبها يعرف، صحابي مشهور.

قوله: "الملك" الظاهر أنه جبريل عليه السلام، فهو المعروف بالسفارة بالوحي بين الله ورسوله.

(1) في تفسيره (9/ 3139 رقم 17704).

(2)

سورة الأحزاب: 43.

(3)

عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(6/ 622).

(4)

في تفسيره (9/ 4139 رقم 17705).

(5)

لم أجده في تفسيره، ولم يعزه السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 467) لابن أبي حاتم.

(6)

عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 467).

وأخرجه أحمد في مسنده (5/ 316)، وابن أبي شيبة (13/ 138)، وعبد بن حميد رقم (182)، والواحدي في تفسيره (3/ 171 - الوسيط)، والحاكم (1/ 80)، وهو حديث صحيح.

(7)

انظر: "التقريب"(1/ 275 رقم 184).

ص: 312

قوله: "إلا سلمت عليه عشراً" يحتمل أن المراد بالصلاة والسلام أنه يكتب له بكل صلاة عشر صلوات وبالسلام كذلك، ثم تضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فتكون مائة صلاة ومائة سلام، يكتب له أجرها.

3 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً". أخرجه الترمذي (1). [حسن لغيره]

وله (2) في أخرى عن علي رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فلَمْ يُصِلِّ عَلَيَّ". [صحيح]

4 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ". أخرجه النسائي (3). [صحيح]

قوله: "في حديث ابن مسعود: أولى الناس بي يوم القيامة" أي: أقربهم إلي، أو أحقهم بشفاعتي أكثرهم صلاة علي، والإكثار لا نهاية له.

قوله: "أخرجه الترمذي" قلت: وقال [72 ب]: "حديث حسن غريب".

قوله: "في حديث علي: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" وذلك لأنه بخل بأيسر شيء وهو تحريك شفتيه ولسانه بالقول يناله به أجراً كثيراً، فأي بخلٍ أشد من هذا؟ ولذا قيل:

(1) في "السنن" رقم (484)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (911)، وهو حديث حسن لغيره.

(2)

أخرجه الترمذي رقم (3546)، والحاكم (1/ 549)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (56)، وابن حبان (909)، وهو حديث صحيح.

(3)

في "السنن"(3/ 43)، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (66)، وأخرجه أحمد (1/ 387، 441، 452)، وابن حبان رقم (914)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (1582)، والحاكم (2/ 421)، والدارمي (2/ 317)، والطبراني في "الكبير" رقم (10529، 10530)، وعبد الرزاق في مصنفه رقم (3116)، وهو حديث صحيح.

ص: 313

وأهون ما يعطي الصديق صديقه

من الهين الموجود أن يتكلما

واعلم أن أحاديث فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم واسعة، وفيها كتب معروفة، وفيها ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف، كما هو معروف.

فائدة: قال الحليمي (1): المقصود بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله بامتثال أوامره وقضاء حق النبي صلى الله عليه وسلم.

وتبعه ابن عبد السلام (2) فقال: ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة.

وقال ابن العربي (3): فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه، لدلالة ذلك على صلاح العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة صلى الله عليه وسلم.

واعلم أنه قد تمسك بحديث علي عليه السلام وما في معناه، على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر. [73 ب].

قالوا: ومن علامات الوجوب من حيث المعنى: أن فائدة الصلاة المكافأة على إحسانه، وإحسانه مستمر فيتأكد إذا ذكر.

وأجاب من لم يوجبه كلما ذكر بأجوبة، منها:

- أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو قول مخترع، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن، وللزم

(1) في "الشعب"(2/ 133 - 134).

(2)

ذكره الحافظ في "فتح الباري"(11/ 168).

(3)

في "عارضة الأحوذي"(2/ 269).

ص: 314

الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين، ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به (1).

وقال بعض الحنفية (2): إن القول بالوجوب كلما ذكر؛ مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى.

وأجابوا (3) عن حديث البخيل ونحوه من أحاديث (4) الوعيد على من ترك الصلاة عليه عند ذكره: بأنها خرجت للمبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه.

وعلى الجملة (5): فلا دليل على وجوب تكرير الصلاة عليه بتكرر ذكره في المجلس الواحد.

(1) قاله الحافظ في "الفتح"(11/ 168).

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(11/ 168) عن القدوري وغيره من الحنفية.

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(11/ 169).

(4)

انظر: "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام"(ص 19).

(5)

ذكره الحافظ في "فتح الباري"(11/ 169).

ص: 315