الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)} [الزمر: 28].
فأي تفسير لكتاب الله تبارك وتعالى لا بد أن تعتمد فيه اللغة العربية أساسًا، وأيّ تفسير يتعارض مع اللغة يحكم عليه بأنه تفسير معوج باطل، لذا حرص العلماء، وهم يتحدثون عن شروط المفسو أن يكون ملمًا باللغة إفرادًا وتراكيب وأساليب.
إن اللغة ليس من شأنها أن ترجح رأيًا على رأي في التفسير فحسب، بل إنها في أكثر الأحيان تعين الرأي المقبول في تفسير الآيات الكريمة، وما أجمل كلمة الإمام مالك رضي الله عنه لا أوتى برجل غير عالم بلغه العرب يفسر القرآن إلا جعلته نكالًا" (1).
ويقول الشافعي رضي الله عنه "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشُّبَه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه وادراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير (2).
مناقشة تخليطات محمد شحرور اللغوية:
والذين خرجوا من اللغة في تفسيراتهم إنما هم قوم ركبوا متن الغواية، وامتطوا عقبة الجهل وكانوا يصدرون من هوى مقيت، ونحل فاسدة، فمن الأقدمين أصحاب الفرق الباطنية، وأما المحدثون فكثيرون، منهم على سبيل المثال
(1) قواعد التفسير ص 147.
(2)
الرسالة ص 50.
صاحب. (الكتاب والقرآن) محمد شحرور، حيث كانت له تخليطات بعيدة عما قررته اللغة، وما نقله اللغويون.
إن من القضايا التي عرض لها الكاتب قضية الترادف، فهو ينكر أن يكون في القرآن ترادف، لأنها مجرد خدعة، وهي سبب أوهام المسلمين، ومع أن القضية -قضية الترادف- قضية خلافية بين علماء اللغة إلا أن الكاتب ينكر الترادف لا اعتمادًا على قاعدة علمية، إذ كثيرون ينكرون الترادف في القرآن الكريم وأنا أحدهم، ولكن ينكره ليبني على رأيه أوهام فكره الماركسي، حيث قسم القرآن الكريم إلى أقسام متفرقة ليثبت نظريته الجدلية.
وإذا كان ينكر الترادف، إلا أنه يعتمد قضية الاشتراك أساسًا يستند إليه في تحديد مرادات الألفاظ، والاشتراك يعني أن الكلمة لها أكثر من معنى، والكاتب يخلط هنا كثيرًا، مما يظهر لنا ضحالة فهمه وعلمه ومن ذلك ما ذكره في معنى كلمة عرش "العرش في اللسان العربي جاء من عرش، ولها أصلان صحيحان: الأول عرش الرجل هو قوام أمره، والثاني العرش وهو ما يجلس عليه من يأمر وينهى) وإذا رجعنا إلى ما ذكره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة الذي يعتمده الكاتب اعتمادًا كبيرًا نجده يقول: إن للمادة أصلًا واحدًا يدل على ارتفاع شيء مبني ثم يستعار في غير ذلك.
ويقرر الكاتب أن كل ما في الكون خاضع لقانون الجدل الذي يقوم على صراع المتناقضات والأضداد، واللغة أيضًا تحوى ظاهرة الأضداد التي ظهرت في اللغة كحامل للفكر لا ينفصم عنه، ويرى أن اللغة بمفرداتها، وقوانين صرفها قد خضعت للتطور من خلال قانون الجدل الأول وتطورت بقوانين نحوها من خلال قانون الجدل الثاني، وبما أن التعبير عن ظواهر الطبيعة جاء في الأضداد، جاءت الأضداد في التعابير اللغوية، وهذه الأضداد واضحة في بنية اللغة في ظاهرتين:
الأولى: وجود أفعال ذات تراكيب صوتية بحيث إذا انعكس التركيب الصوتي
انعكس المعنى ومن أمثلة ذلك (كتب وبتك).
الثانية: وجود أفعال في اللغة كل فعل منها يحمل معنيين وكل معنى من هذه المعاني مضاد للآخر مثل (ظن، وعبد وتل، وولى).
وما ذكره الكاتب يظهر لنا جهله، فالنحو والصرف قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالعلماء لم يفرقوا بينهما، فابن مالك ينظم ألفيته في النحو والصرف معا ويقول فيها:
وأستعين الله في ألفية
…
مقاصد النحو بها محوية
ولم يشر إلى الصرف، لأن النحو والصرف كانا يعدان علمًا واحدًا، ولكن فيما بعد، بحث العلماء الصرف في موضع والنحو في موضع آخر، وهذا الانفصال اقضته مناهج الدراسة.
ثم إن قول الكاتب بوجود أفعال ذات تراكيب صوتية إذا انعكست انعكس معناها لم يقل به أحد، ولم يرد فيه نقل ولا قياس، بل إنه مخالف لما قرره علماء النحو كابن جني وأبي علي الفارسي.
ثم إن كلمة عبد ليست من الأضداد ولم يقل أحد ذلك، وكذلك كلمة (تل) وكلمة عدل.
وجعل الكاتب مصادر اللغة الشعر الجاهلي والمعاجم، ولم يشر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ويفسر الكاتب كثيرًا من الكلمات تفسيرًا مغلوطًا، من ذلك كلمة الإفك حيث يفسرها بالارتداد، ومن ذلك تفسيره المضغة بما نقله من الزمخشري في الأساس قال: ماضغت فلانًا مماضغة: جاددته القتال والخصومة، ويقول الكاتب معقبًا. أي بعد العلقة تبدأ المماضغة وهي تجدد مستمر للقتال (الصراع، الخصومة) وذلك ليفيد معنى الصراع، والتطور الذي أراده، والزمخشري ذكر هنا معنى الكلمة على
المجاز، والحقيقة عنده هي "مضغ الطعام وغيره ورمى بمضاغته وهي ما يبقى في الفم مما يمضغ" وعليه فالمضغة هي اللقمة الممضوغة ولا تفيد الكلمة معنى الصراع والتجدد كما يذكر الكاتب.
ومن ذلك ما قرره الكاتب أن جميع كلمات اللغة مشتقة ويتناسى أن هناك كلمات جامدة غير مشتقة، ومن هنا ادعى مثلًا أن الصور مشتق من صيّر، وهذا لا يقوله أي تلميذ في الثالث الابتدائي.
ويتحدث عن صيغة فعلان فيقول (ووزن فعلان يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين وقد كان هذا المعنى جديدًا على العرب ويمثل لذلك بـ (الرحمن) ويذكر أن ما يقابله (الشيطان). وما ادعاه الكاتب من ثنائية المتناقضين لم تستعمله العرب أبدًا، فالرحمن ليست نقيض الشيطان، ولا التّعبان نقيض الريحان، وما هو إلا تخليط عجيب من الكاتب.
وللكاتب تخليطات وخبط ما أحببنا أن نكثر منه في هذا الكتاب.
ومن أراد أن يعرف ما للكاتب من خلط، فليراجع ما كتب ردًّا على كتابه.
ما لا يجوز لغة لا يجوز تفسيرًا:
وقبل أن أنتقل إلى الدعامة الثالثة، أشير هنا إلى أن بعض الكاتبين يذكرون أنه ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا، وهم يستندون إلى عبارة ابن الأثير رحمه الله في جامع الأصول (1) عند حديثه عن مادة تفسير، ويمثل لذلك بكلمة مبصرة في قوله تعالى:{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] فكون الناقة مبصرة معناه أنها غير عمياء.
والحق أن هذه العبارة موهمة، فقد جاءت كلمة مبصرة، ومبصر في القرآن الكريم في آيات كثيرة {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)} [النمل: 13]
(1)(1/ ص 4).