الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير ورجاله محمد الفاضل بن عاشور
كتيب من القطع الصغير، يقع في (252 صفحة) يبدأ المؤلف فيه الحديث عن نشأة التفسير، ويبين فيه أن إجماع الأمة انعقد على أن كل لفظ في القرآن له معناه الإفرادي، وكل كلام له معناه التركيبي وأنه لم يرد في القرآن ما لا معنى له، وذكر أن الحاجة إلى التفسير، إنما هي حاجة عارضة نشأت من سببين الأول: أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمني متسع جدًّا، والسبب الثاني هو أن دلالات القرآن الأصلية التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب تتبعها معان تكون دلالة التركيب عليها محل إجمال أو محل إبهام.
ويتحدث عن التفسير بالمأثور، ويذكر من اشتهر من الصحابة بالتفسير، وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما، وعناصر التفسير عند ابن عباس أربعة: أسباب النزول، ومبهم القرآن، واللغة، والأخبار التي لم تجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم استفادها من الأمم الأخرى كأهل الكتاب، والعنصران الأخيران لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور لأن مرجعهما إلى الفهم والمعرفة العامة، ويتحدث الكاتب عن التفسير في عهد التابعين، وكان منهم الموثوق الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، وكان هناك من افترى على ابن عباس، ومن هنا طرأ الاختلاط على التفسير بالمأثور فيما ورد عن ابن عباس وما ورد عن غيره ومن هنا قام العلماء بنقد الحديث وبيان الصحيح من السقيم.
وقد انبرى أحد الأئمة الثقات من رجال الحديث في القرن الثاني إلى جمع الأخبار المتعلقة بالتفسير في كتاب وهو عبد الملك بن جريج، فكان أول من ألف في التفسير. ويتحدث الكاتب عن بعضه المؤلفين في التفسير بالمأثور وأولهم يحيى بن سلام وتفسيره من أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، وهو يعد مؤسس طريقة التفسير النقدي، أو الأثري النظري التي سار عليها الطبري بعده واشتهر بها،
وتفسيره يقع في ثلاثين جزءًا من التجزئة القديمة أي في ثلاث مجلدات ضخمة بني على ذكر الأخبار مسندة وتعقبها بالنقد والاختيار.
ويتحدث الكاتب عن الطبري، ويقول:"كان التفسير عندما انتهى إلى الطبري، في أوائل القرن الثالث نهرًا مؤبدًا، ذا ركام ورواسب، قد انصب إلى بحر خضم عباب، فامتزج بمائه وتشرب من عناصره، وصفا إليه من زبده وتطهر لديه من ركامه ورواسبه"، وهذا مثل مضروب لما كان للإمام الطبري الذي كان فقيهًا محدثًا، من رجال التاريخ، شاعرًا نحويًا وبيانيًا، وهو في تفسيره يفصح بيانه عن المعنى المراد من الآية معتمدًا ربط السياق متمسكًا بما يدور عليه المعنى من دلالة المفردات اللغوية على المعاني التي هي مستعملة فيها، ويستشهد بالشعر العربي، ويدعم ذلك بنقل الروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين، وقبل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في ذلك يرجح ويختار قولًا، وبذلك أصبح تفسير الطبري تفسيرًا علميًّا يغلب فيه جانب الأنظار غلبة واضحة على جانب الآثار.
وبعد الطبري صار أهل الأثر يعرضون بأهل التأويل -التفسير بالرأي- كما يعرض أهل السنة السلفيون بالمتكلمين أو يعرض الفقهاء أصحاب الحديث لأهل القياس ومن هنا عمد المحدثون إلى الأخبار الصحيحة يتتبعونها ليرجعوا للتفسير بالمأثور حرمته.
ويرى الكاتب أن التفسير انشق على نفسه وأصبح أهله شيعتين، تتمسك إحداهما بالتفسير بالمأثور، وتتحرر الأخرى من التزامه حتى تتركه وتطعن فيه، ومن هنا قيض الله تعالى الإمام البخاري لينقي الحديث الصحيح الثابت من غيره، وقد مكن الإمام البخاري بصنيعه هذا للشيعتين من أهل التفسير: شيعة الآثار وشيعة الأنظار بسبب تقارب، ومهد لهم الطريق، إذ حصر الأحاديث المعتد بها في التفسير، وحكم على ما وراءها بالطرح، وبذلك اتسع مجال النظر والتأويل وضاق مجال الأثر والنقل، وقد مكن هذا الوضع لكثيرين أن يتذرعوا إلى الحط من شأن
الطريقة الأثرية، ولا شك في أن للأصول التي لْكون عليها مذهب المعتزلة تأثيرًا قويًّا في دفع التفسير العلمي في وجهته قدما يصادم به التفسير بالمأثور وينال منه، فإن من أصولهم تأويل متشابه القرآن الذي كان يمسك عن تأويله مذهب أهل السنة، ومن هنا جاء الارتباط الظاهر بين نشأة التفسير النظري وبلوغه أشده ولين مذهب الاعتزال، فقد كان الموغلون في التفسير العلمي من معاصري الطبري وأتباعه من المعتزلة مثل أبي على الجياني، وأبي مسلم الأصفهاني.
وينتقل الكاتب للحديث عن نظرية إعجاز القرآن، حيث استقر عند المعتزلة من القرن الثالث على أنها أمر إيجابي، وعندما استقر الكلام السني على قواعد العقيدة الأشعرية في النصف الثاني من القرن الرابع عدل سريعًا إلى تقرير نظرية الإعجاز على نحو ما كان يقررها عليه المعتزلة، وقد حاول الباقلاني أن يفصل ما أجمله العلماء في إعجاز القرآن ببلاغته، ولكنه لم يستطع أن يفصح عن معنى البلاغة وحقائق أبوابها، فجاء عبد القاهر ليتم ما بدأه الباقلاني، فكان كتابه العجيب دلائل الإعجاز، الذي وضع فيه نظرية النظم وبذلك فتح باب بيان الوجه البلاغي المعجز للتركيب القرآني، وقد ولج هذا الباب الزمخشري وابن عطية في تفسيريهما.
ويتحدث الكاتب عن الكشاف ويقارن بينه وبين تفسير ابن عطية، فابن عطية مغربي تمكن من الرجوع إلى مصادر لم تكن في تناول الزمخشري، أهمها تفسير المهدوي، والزمخشري مشرقي، وابن عطية سني والزمخشري معتزلي، والاختلاف بينهما في تأويل متشابه القرآن ابكريم، والفرق الثالث بينهما أن ابن عطية كان مالكيًا والزمخشري حنفيًا.
ويتحدث الكاتب عن الرازي الذي جعل غايته أن يضع القرآن الكريم موضع الدراسة والبحث والتحليل، على منهج يرى تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرائق الفلسفية وانفرادها بهداية العقول البشرية إلى غايات الحكمة من طريق العصمة.
ومن التفاسير التي تحدث عنها تفسير البيضاوي حيث اتبع في تفسيره منهج
الاختصار ودقة التعبير والتزام المصطلح العلمي والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها، ثم تؤخذ مباني لما يأتي به التعبير بعدها. لقد عظم صيت الكتاب إذ وجد فيه الناس الضالة المنشودة من التفسير العلمي على الطريقة التحليلية اللفظية التي عظمت بها من قبل شهرة الكشاف، فقد روج التفسير الكشاف بأن مشى معه فيما يحبّب الناس فيه، وخلص منه ما كان ينفرهم منه.
ويتحدث الكاتب عن بعض التفاسير مثل تفسير ابن عرفة الذي اشتهر في الأندلس وسلك مسلك الجمع والتحليل والإملاء، فتتلى الآية أو الآيات بين يديه ثم يأخذ معناها بتحليل التراكيب وإيراد كلام أئمة اللغة أو النحو على معاني المفردات ومفاد التراكيب، منشدًا على ذلك الشواهد وموردًا الأمثال والأحاديث وهذا التفسير لم يتولَ ابن عرفة بنفسه كتابته، ولكن طلبته هم الذين كتبوه.
وينتقل للحديث عن تفسير أبي السعود وتفسير الآلوسي، فأبو السعود قد جمع بين تفسير الزمخشري وبين تفسير البيضاوي، ولكنه جاء بتحرير محكم وبيان دقيق وسبك متين، فتلقفه الناس بإعجاب وتقدير، وتفسير الآلوسي جاء جامعًا لأصناف التفاسير كلها، التفاسير العلمية السنية، والتفاسير العلمية الشيعية، والتفاسير الصوفية، جامعًا إلى ذلك الاعتناء بالفقه وآداب العربية من نحو وبلاغة، حيث اهتم بالمفردات والتراكيب، موردًا الآراء والحجج مناقشًا لها.
ويختم كتابه بالحديث عن نهضة الإسلام في العصر الحديث، والإصلاح الديني على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا بإيجاز.
ذلكم هو كتاب ابن عاشور رحمه الله وسبحان الله الذي من آياته اختلاف الألسنة والألوان والأمزجة والأساليب، وإذا كنا قد رجونا من قبل أن لا يسهب بعض الكاتبين في كتبهم، فنحن نرجو هنا أن يكون ابن عاشور رحمه الله قد فصّل وأن يتجنب الاختصار والابتسار، والحق أن كتابة الرجل كانت تمتاز بالدقة العلمية والإنصاف، ولم تكن سطحية ساذجة، فرحم الله ابن عاشور، ورحم الله أباه، وجزاهما عن كتاب الله خيرًا.