الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسة أسانيد الحديث:
إن رواية الفريابي فضلًا على أنها مرسلة، فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن إليها أهل الحديث، وكذلك الرواية الثانية للديلمي فما ذكر في هذين الكتابين ينظر إليه العلماء نظرة حذر، بل لا يأخذون ما فيهما إذا لم يات من طرق أخرى. أما الرواية الثالثة فهي موقوفة، على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحًا فلنقصر بحثنا إذًا على الرواية الرابعة والأخيرة، أعني رواية ابن حبان، وأذكر السند هنا مرة أخرى لتسهل مناقشته:
قال ابن حبان: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث. هذا هو سند ابن حبان. قال الذهبي في الميزان: (إسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أبي عامر الأصبحي محدث ومكثر فيه لين. قال أحمد لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن يحي: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك).
وقال أبو حاتم: محله الصدق مغفّل، وقال النسائي ضعيف. وقال الدراقطني لا أختاره في الصحيح) (1).
وجاء في تهذيب التهذيب (2) بعد أن ذكر نسبه وعمن روى ومن روى عنه قال عثمان الدارمي عن ابن معين وقال ابن خيثمة عنه: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك) يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه. وقال معاوية بن صالح عنه:(هو وأبوه ضعيفان). وقال عبد الوهاب بن عصمة عن
(1) الميزان ج 1 ص 222 - 223.
(2)
ج 1 ص 284.
أحمد بن أبي يحيى عن ابن معين. (ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث)، وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى:(مختلط يكذب ليس بشيء) وقال النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يبن لغيره، لأن كلام هؤلاء يؤول إلى أنه ضعيف. وقال ابن عدي (روي عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد)، وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه. وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين. (ابن أبي أويس لا يسوى فلسين). وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبد الله العباس صاحب اليمن أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين دينارًا، حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيلي في المدخل، فقال: كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره. وقال لبعضهم جانبناه للسنة وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي (حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث). انتهى بتصرف. ومن أراد المزيد فعليه بكتب الرجال.
ولكن بقي هنا أن يقال، ما دامت هذه حال ابن أبي أويس فكيف يروي له الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه؟ وأحب هنا لكي أجيب عن التساؤل أن أنقل ما ذكره الحافظ في مقدمة فتح الباري (قال رحمه الله: لم يخرج له البخاري مما تفرد به إلا حديثين. وأما مسلم فأخرج له أقل من ذلك. ثم قال روينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقى منها. وأن يعلّم له على ما يحدث به، ليحدث به ويعرض عما سواه وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله. وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر فيه) .. انتهى (1).
أما ما ورد عن أبي الأحوص وهو أحد رواة هذا الحديث فلقد جاء في (ميزان
(1) هدي الساري ج 1 ص 151.
الاعتدال): ما حدث عنه سوى الزهري، وثقه بعض الكبار. وقال ابن معين ليس بشيء نقله عباس الدوري عنه وقال ابن القطان: لا يعرف له خال، ولا قضى له بالثقة. قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب) انتهى (1) باختصار:
ولقد طبع والحمد لله (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، وقد حكم المحقق على الحديث بالحسن. قال: (إسناده حسن إن كان أبو إسحاق هو الهمداني كما ذكر المؤلف، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، ولين إن كان إبراهيم بن مسلم الهجري كما رواه الطبري في تفسيره، وكلاهما يكنى أبا إسحاق، وكل منهما قد روى عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي.
وأخرجه الطبراني في الكبير (10090) والبزار (2312) من طريقين عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال بهذا الإسناد، إلا أنهما قالا: عن أبي إسحاق، ولم يذكر (الهمداني) وقال البزار بإثره: لم يروه هكذا غير الهجري، ولا روى ابن عجلان عن الهجري غيره، ولا نعلمه من طريق ابن عجلان إلا من هذا الوجه.
وأخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن واصل بن حبان عمن ذكره عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذا سنده ضعيف لجهالة الواسطة بين واصل بن حبان وبين أبي الأحوص. وقد فسر الطبري رحمه الله الجملة الأخيرة فقال: فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله.
وعلق عليه الشيخ محمود شاكر رحمه الله فقال: الظاهر هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي
(1) ميزان الاعتدال ج 4 ص 487.