الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخبار أهل الكتاب ليست من مصادر التفسير عند الصحابة:
إذا كانت مصادر التفسير عند الصحابة -كما سبق أن قلنا- الكتاب والسنة ومعرفتهم بلغة العرب وأسباب النزول وما منَّ الله عليهم من رأي ثاقب صائب فهل كانوا في حاجة إلى أهل الكتاب ليستعينوا بهم على تفسير القرآن، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين؟
للإجابة عن هذا لا بد أن نتبين أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أراد أن يشد الصحابة رضوان الله عليهم، إلى شيء واحد هو القرآن، حتى لا ينصرفوا إلى غيره فهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام يدخل المسجد، فيجد الناس قد اجتمعوا حول واحد يحدثهم، فيقول:(ما هذا؟ فيقال رجل يحدث عن أنساب العرب! فيقول عليه وآله الصلاة والسلام: (هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر. ثم يقول: العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة قائمة، وسنة متبعة)(1). ولما رأى عمر رضي الله عنه يقرأ صحيفة من التوراة غضب، وقال:(لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل. والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني)(2). وفي رواية: (يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلام وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا)(3) وهذا هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما رواه البخاري (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه، أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يُشَب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب. فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا
(1) أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي. انظر فيض القدير جـ 4 ص 386.
(2)
فتح الباري 17/ 309 طبعة اللحلبي.
(3)
أخرجه أبو يعلى. قال الحافظ في الفتح جزء 17 صفحة 309 بعد روايته لهذا الحديث في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف.
قليلًا. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (1) ونحن عندما نستعرض ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من روايات صحيحة، لا نجد فيها أثرًا لأهل الكتاب، بل نجد ما فسروه يرجع إلى المصادر التي ذكرناها، ولعله على العكس من ذلك، نجد أنهم كانوا لا يقبلون، بل ينفرون من كثير مما يعرض له أهل الكتاب، يناقشونهم في آرائهم. فهذا عمر رضي الله عنه، يهدد كعبًا بوجوب انتهائه عما يحدث به بقوله (لتتركن الحديث عن الأَول، أو لألحقنك بأرض القردة)(2) وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها حينما يصل إليها أن كعبًا يقول: (لقد قسم الله كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام) تقول: (لقد قف شعري)(3).
بعد هذه النصوص والتعليمات، لا نستطيع مطلقًا أن ندعي أن أخبار أهل الكتاب كانت مصدرًا من مصادر التفسير عند الصحابة، فضلًا على أن يتوسعوا في الأخذ عنهم، بل كانت مصادر التفسير عندهم صافية غير مستوردة، تنبع من ذاتهم وبيئتهم ولذلك لم نجد بينهم اختلافًا فيما فسروه، مع أنه لم يصل إلينا عنهم تفسير للقرآن كله (4) والذي وصل إلينا منهم كان سهل المأخذ ميسور التناول، حتى لقد كان كثير من تفسيراتهم يوضح بالقراءات التفسيرية، مما دعا مجاهدًا أن يقول كلمته الشهيرة (لو قرأت قراءة ابن مسعود، ما احتجت أن أسأل ابن عباس عن كل ما سألته عنه)(5) وهذه ميزات لا تجدها في الفترة التالية أعني فترة تفسير التابعين.
(1) صحيح البخاري كتاب الشهادات جـ 3 ص 237.
(2)
البداية والنهاية (8/ 106) ولقد اختلف الناس حول كعب وأضرابه، ولكن لو لم يكن لكعب ومن حذا حذوه إلا نقل هذه الأخبار، وشغل المسلمين بها، وتزيينها في نظرهم، وايهامهم بأنها أخبار مقدسة لا يرتقي إليها شك، لكان ذلك كافيًا لنا أن نحذر من هؤلاء وأخبارهم .. البداية والنهاية جـ 8 ص 106.
(3)
الترمذي جـ 5 ص 394.
(4)
التفسير المنسوب لابن عباس لم يصح نسبته إليه.
(5)
مناهج التفسير للشيخ عبد العظيم الغباشي.