الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين
ونعني به التفسير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي معهد الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم-.
المبحث الأول التفسير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
-
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:
إن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن نفسه، وذلك لأن الذي أنزله أعلم بمقاصده ومعانيه. ولقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليبها -فيه الإيجاز والإطناب حسب ما يقتضيه المقام والى جانب هذه، أعني- الإيجاز والإطناب، الإجمال والتفصيل، والإطلاق والتقييد، والعامّ والخاصّ- إلى جانب ذلك كله، نجد مجالًا رحبًا لتفسير القرآن بالقرآن، ونعني به القراءات الصحيحة لكتاب الله تبارك وتعالى، وسنفصل ذلك بعض التفصيل:
1 -
البسط والاختصار -وهو كثير في كتاب الله- نجد ذلك واضحًا في قصص القرآن الكريم، فالقصة تفصّل في سورة وتختصر في سورة أخرى، لقد فصلت قصة نوح عليه السلام في سورة هود، واختصرت فيها قصة موسى، على حين أجملت قصة نوح في سورة يونس، وفصلت فيها قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وقد فصلت هذا في كتابي (قصص القرآن الكريم).
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 14]، يفسره قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14] وقوله تعالى في سورة المائدة: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] فسرتها الآية التي بعدها {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3] وقوله تعالى في سورة البقرة: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] فسرته آية الأعراف: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23].
2 -
تخصيص العام، وهو كثير في كتاب الله تبارك وتعالى، ومثلوا له بقوله سبحانه:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فهذه الآية الكريمة يفهم منها أن كل مطلقة لا بد أن تعتد، ولكن هذا الحكم يجب تخصيصه كما جاء في آية أخرى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49] فهذه الآية بينت لنا أن المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا تعتد.
ومنه قوله سبحانه: {حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [المائدة: 3] فهذا حكم عام خصصته آية أخرى، {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96].
ومنه قوله سبحانه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] فهذه الآية الكريمة تحرم على الرجال أي شيء أعطوه للنساء، إلا أن آية أخرى خُصص فيها هذا الحكم وهي قوله:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ،
[البقرة: 229] فهذه الآية الكريمة بينت أنه في بعض الحالات يمكن أن تفتدي المرأة نفسها بإعطائها شيئًا من مالها للزوج -وهو الخُلع- يأخذه بلا حرج وأمثلة هذا النوع كثيرة، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى ما ذكره السيوطي رحمه الله في الإتقان.
3 -
الإطلاق والتقييد: ويمكن أن نمثل له بما عند الجمهور من المفسرين بقوله سبحانه في سورة المجادلة {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] وفي سورة المائدة في كفارة اليمين {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] فقد ذكرت الرقبة مطلقة، ولكنها قيدت في آية أخرى في سورة النساء وهي قوله:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فحمل كثير من العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الرقبة التي وردت مطلقة في بعض الآيات، يجب أن تكون مؤمنة، كما وردت في آية النساء.
ومن ذلك أن بعض الآيات التي ذكرت فيها الشهادة والشهود، أطلق فيها لفظ الشهداء؛ كقوله سبحانه:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] لكنه قيد في بعض الآيات بالعدالة، في قوله:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] فحمل بعض العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الشهداء لا بد أن يكونوا عدولًا، وهذا كثير في كتاب الله، وذكر السيوطي رحمه الله منه أمثلة كثيرة.
4 -
الإجمال والبيان. ومثلوا له بقوله سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] وقوله سبحانه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] فقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بينت جواز رؤية الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا فقوله:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} المقصود بها أنه لا تحيط به الأبصار سبحانه.
ولن نستطيع أن نحيط بكل ما جاء من تفسير القرآن بالقرآن، والمتدبر لكتاب الله
سيجد كثيرًا في هذا المجال فيما ذكره الكاتبون أوْ لم يذكروه، بل إن ما لم يذكر أكثر مما ذكر.
من ذلك حديث القرآن عن الإيمان في مثل قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] فمن هم أولئك المؤمنون؟ نجد في كتاب الله آيات كثيرة فصّلت لنا صفات أولئك الخيّرين، نقرأ هذا في قول الله تبارك وتعالى. {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4]. ونقرأ في سورة النور {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] ونقرأ في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [آية 15].
وحدثنا القرآن الكريم عن البرّ والأبرار في قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13]{إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان: 5]{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189]. ونجد تفصيلًا لصفات أولئك في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
ففي هذا تفصيل وتفسير لما جاء في سورة الدهر {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ