الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهناك ملحوظات كان لها أثر عند علماء الإعجاز وعلماء البلاغة على السواء في تعليقه على بعض آي القرآن الحكيم، نعرض لها في كتاب إعجاز القرآن المجيد إن شاء الله.
جهود علماء البيان بعد الجاحظ إلى الباقلاني:
وكما أسهم اللغويون والنحاة في خدمة كتاب الله، نجد أن غيرهم من علماء البيان، يسهم كذلك في هذا المضمار، وهنا تبدو ظاهرة الإعجاز في أبحاث هؤلاء، وإن كانوا سواء كان هؤلاء من المعتزلة أم من غيرهم، وإن كانوا بادي بدء من المعتزلة.
ويأتي بعد الجاحظ ابن قتيبة، وهو وإن كان يخالف الجاحظ وغيره من المعتزلة، فيما ذهبوا إليه من مسائل الاعتزال -فإنه يسير مع الجاحظ في نظرية اللفظ- وتبقى هذه النظرية موضع جدال بين العلماء بين موافق ومخالف، وليس من غرضنا أن نتبع تلك النظرية وإنما كل الذي يهمنا في هذه الكلمة الموجزة، أن نسير مع الدراسات القرآنية لنرى كيف تفاعلت، وكيف تدرجت أطوارها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه. وينبغي أن نلاحظ هنا أنه لا بد من أن نعرض لهؤلاء الذين كتبوا في الإعجاز مع المفسرين، ذلك لأنهما حلقة واحدة يتم بعضها بعضًا، كما سنتبينه إن شاء الله.
ولابن قتيبة جهد طيب في الدراسات القرآنية، ويكفي دليلًا على هذا كتابه (تأويل مشكل القرآن) فقد وقف عند كثير من آي القرآن الكريم يجلّي ما فيها من بيان، مما كان له أثر عند علماء البلاغة والإعجاز فيما بعد، ويرد بعض الشبهات عن البيان القرآني، والكتاب زاخر بالموضوعات القرآنية المتعددة.
وللأستاذ محمد رجب البيومي كلام طيب تحدث فيه عن ابن قتيبة، رأيت أن أنقله للقارئ هنا؛ وذلك أن هدفي من هذا الكتاب، وهدف الاستاذ البيومي مما
كتب واحد، وهو الحديث عن التفسير البياني وإسهام العلماء فيه، يقول الاستاذ محمد رجب البيومي:
"الجاحظ خطيب المعتزلة وابن قتيبة خطيب أهل السنة! هكذا يقولون حيث يريدون أن يوجزوا الحديث عن ابن قتيبة فيقرنوه بالجاحظ أستاذه ليشيروا إلى بعض ما اتفق فيه الرجلان من سمات علمية لا تنكر، وإذا كان الجاحظ من الاشتهار بحيث لا يخفى على أحد فإن ابن قتيبة قد سما إلى كثير مما نال من المجادة العلمية، والنباهة الأدبية، فقد ترك آثارًا قوية في شتى فروع المعرفة من أدب وعلم ولغة وحديث وتفسير وفقه، كما أنه امتاز عن الجاحظ في دقة التبويب، والبعد عن الاستطراد وإصابة الهدف من أقرب طريق وإن لم يكن له فقهه القوي وعارضته الحادّة، ولمحاته الصائبة، وكأني بآثار ابن قتيبة الدينية في الفقه والحديث والتفسير، ودفاعه المخلص عن آراء أهل السنة قد جعلته في رأي بعض الدارسين رجل علم يميل إلى الأدب فحسب، لا رجل علم وأدب معًا! وذلك ظلم صريح للرجل، لأن لابن قتيبة في الحقل الأدبي وحده ما يضعه بين كبار الأدباء ورجال النقد في عصره، وما زال ما سطره في أدب الكاتب وفي الشعر والشعراء وغيرهما من آثاره الأدبية يدل على أنه لو اقتصر على الميدان الأدبي وحده لكان أحد أبطاله اللّامعين، ونحن نؤكد ذلك لنشير إلى أن روحه الأدبية الصافية قد تجلّت أظهر تجلية في تفسيره البياني للقراء حين سطر مؤلفه الجهير "تأويل مشكل القرآن" وهو ما نخصه اليوم بالحديث.
"كان ابن قتيبة وعاء نظيفًا من أوعية العلم. دَرسَ ما كان يعج به عصره من ثقافات، واستوعب ما وقف عليه من ألوان العلوم والمعارف استيعاب الفاحص المنقّب، وقد انتفع أكبر الانتفاع بآثار من سبقه في الدراسات البيانية للقرآن، لأن كتاب "التأويل" يدل على أنه امتداد سابق مثمر لسابقيه، ولو لم يعرف القارئ شيئًا عن مؤلفه، وأخذ يقرؤه قراءة المقارن المحلّل لأدرك أن كاتبه قد تهيأ لتأليفه بعد أن
هضم مجاز القرآن لأبي عبيدة، ووقف على آراء الجاحظ في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض والإطناب والاختصار، وهذا ما نحمده لابن قتيبة، فإنه حين ألم بآراء سابقيه لم يسردها سرد الناقل، ولكنه أحكم تبويب كتابه إحكامًا يدلّ على دقة وبصر، فوضع كل رأى في موضعه المستريح، وهذا ما يجعل كتب الرجل بنوع عام أسهل تناولًا، وأقرب مأخذًا من كتب سابقيه مهما اختلفت النظرة العلمية بها ضيقًا وسعة وتشدّدًا وانطلاقًا، ومن يقارن عيون الأخبار لابن قتيبة بالبيان والتبيين للجاحظ يرى صاحب العيون قد قيد الآبد، وذلّل العسير.
قال ابن قتيبة يتحدث عما حداه إلى تأليف "تأويل مشكل القرآن"(1):
"وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللحق وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ولما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحلوا إليه على تقديرهم، وتأوّلهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج عليه بالقرآن، ويجعله العَلم لنبوّته والدليل على صدقه ويتحداه في موطن بعد موطن على أن يأتي بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون بين جميع الآنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام، مع اللب والنهى وأصالة الرأي وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون هو سحر، ومرة يقولون هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله عنهم ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جدبوه (2) من الجهة التي
(1) ص 17 تأويل المشكل بتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر.
(2)
أي عابوه وذمّوه.
جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمى من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة وأكشف للناس ما يلبسون".
وإذن فقد وجهت للقرآن مطاعن قذف بها الزنادقة وأرباب المرض من منتحلي الثقافة والعلم فلبسوا على العامة بما يزعمونه من التناقض ووقوع اللحن، وعدم التوافق بين الشرط والجزاء، والذهاب بالمجاز والكناية إلى معان حقيقية لا يشهد بها السياق ثم الوقوف عند المتشابه، وما جاء مكررًا من المعاني مما يحسبون أن القرآن في ذلك كله قد خرج على الأسلوب العربي فيه، وهي أراجيف تجد صداها لدى البعيدين عن أسرار البيان، ودقائق البلاغة التي يعرفها الأصلاء من العرب عن طبع خالص، فجرت ألسنتهم نثرًا وشعرًا يمثل ما جرى به القرآن في منحاه التعبيري وإن ارتفع القرآن بمستواه البياني إلى أفق لا تشرئب إليه الأعناق فكان من هم ابن قتيبة أن يثبت أن الأسلوب القرآني يطرد مع النسق البياني لدى العرب إيجازًا وحذفًا وتشبيهًا واستعارة وكناية وتقديمًا وتأخيرًا، وأن ما يرجف به المغرضون لغو لا يقره مَنْ درس مذاهب العرب في القول، ومناحيها في البيان، وهو لذلك يقدم الباب الأول من كتابه بقوله (1):
"وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيه العرب خِصِّيصي من الله لما أرهصه في الرسول، وأرداه من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه" إلى أن يقول:
"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومأخذه ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار
(1) تأويل المشكل: ص 10.
والعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والجمع خطاب الواحد، والواحد والجمع خطاب الاثنين والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن (1) ".
وإذن فقد وضح مقصد المؤلف من كتابه! إنه الرد على من يجهلون الأسرار البيانية للأسلوب العربي فيرجفون ببعض الآيات القرآنية إرجافًا يصغى إليه الجهلاء ويعرض عنه العلماء! ولا بد من دفاع مجيد عن الحق يقوم به أديب متمكن النظر، قوى اللمح، وهو ما نهض صاحب التأويل به في مؤلفه الحاسم فلتتابعه في بعض مراحل الطريق.
عدّد المؤلف مطاعن الناقدين فيما اعتلوا به في وجوه الاختلاف في القراءات وفي بعض ما يتوهم من اللحن النحوي فكتب فصلين قويين بدّد فيهما كل شبهة بما سطع به من حق منير، وسنتجاوزهما إلى غيرهما لبعدهما بعض البعد عمّا نعالجه من التفسير البياني، فإذا اتجهنا إلى باب التناقض والاختلاف فسنجد لوامع ساطعة من المنحى البلاغي في الشرح والتأويل تدل على نفاذ وعمق نعهدهما لدى المؤلف في كثير مما كتب، وقد أوضح الحديث عن المتشابه إيضاحًا بالغ الجودة، فبدأ القول مدافعًا عن دقة القرآن حين يعمد إلى ما يخاله الجاهل غموضًا، وما هو إلّا تفنن في البيان لا يكشف به وجه القول لكل ناظر، بل لمن تمرّس بالأسلوب البياني وعرف منحاه ومأتاه، وقد أفصح عن ذلك بقوله (2):
"وأما قولهم ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن مَنْ أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان، فالجواب عنه أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد والإشارة إلى الشيء وإغماض بعض المعاني حتى لا
(1) ص 16 من التأويل.
(2)
التأويل ص 62.
يظهر عليه إلا اللقن (1) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما يخفى، ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ومع الكفاية يقع العجز والبلادة
…
وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، منه ما يجل ومنه ما يدق ليرتقي المتعلم فيه رقبة بعد رتبة حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، وتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية، ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها فالخير يعرف بالشر والنفع بالضر، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير والباطن بالظاهر وعلى هذا المثال كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته والتابعين وأشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه إلّا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقتدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز".
ونحن ننقل هذا القول لنناقشه إذ أن الموافقة التامة على ما جاء به مما يتعذر، لأن الله عز وجل لم يأت بما يسمّى بالتشابه في القرآن ليفضل قومًا على قوم فلا يستوي في معرفته العالم والجاهل فيبطل التفاوت بين الناس وتسقط المحنة وتموت الخواطر كما أراد ابن قتيبة أن يقول، فحاشا له عز وجل أن يعمد إلى هذا التفاضل - ولو في مجال البيان وحده فيؤصل حواجزه ويقيم رواسخه! إنما جاء بالمتشابه في البيان أجمعه -لا في القرآن وحده- لأن هناك من المعاني ما لا تفصح عنها الألفاظ إلا بعبارة توهم الاشتراك، ثم يجيء السياق فيفسح مجال الأخذ والرد في تفضيل معنى على معنى مما تدل عليه هذه العبارة المشتركة، والقارئ اللامح النفاذ هو الذي يصل إلى المعنى المراد جازمًا بصحته في ضوء ما يعهد من الأساليب، وبهذا كان المتشابه واضحًا لدى الراسخين من ذوي العلم يعرفون وجهه ويكشفون
(1) اللقن: الجيد الفهم.
نقابه! وحينئذ لا يعتبر متشابهًا إلّا لدى القاصرين المتحيرين، وإذن فما يسمى بالتشابه قد جاء في القرآن لأنه أحد لوازم التعبير الأدبي لا يتخلّى عنه أدب مبين، وقد امتلأ به حديث رسول الله وصحابته، وضرب المؤلف عليه شتى الأمثلة الرائعة من أقوال الشاعرين والناثرين.
وإذا خالفنا ابن قتيبة في رأيه ذلك فإننا نقدّر رأيه القوى في إدراك ذوي العلم للمتشابه حين قال في حجاج سديد (1).
"ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع عباده، ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة وهل يجوز لأحد أن يقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرف مع قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علم عليًّا التفسير ودعا لابن عباس فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين
…
حدثني محمد بن عبد العزيز عن موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال تعلمونه وتقولون آمنا به، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعًا يقولون {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .
هذا قول جيد وأنا أراه من زاويتي الشخصية يدل على أن المتشابه ممّا لا سبيل إلى الابتعاد عنه ما دامت أوجه تنكشف لذوي البصيرة، ويتولون شرحه وتفسيره، حيث أنه من طبيعة كل لغة تتفتح ألفاظها عن مشتركات المعاني، وما كان للقرآن أن يحيد عنه وقد جاء بلسان عربي مبين ينحو منحى العرب في التعبير، وهل يظن ابن قتيبة -ومن وافقه على رأيه- أن من استشهد بهم من الشعراء والناثرين كانوا يأتون
(1) ص 72 من المشكل.
المتشابه كيلا يستوي في معرفة أسلوبهم العالم والجاهل! إن كل أديب يتمنى في أعماقه أن يقرأه الناس جميعًا صغارًا وكبارًا نابهين وخاملين متفوقين ومتواضعين! فما ظنك بكتاب يسّره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين! .
فإذا تركنا باب المتشابه إلى ما تلاه من القول عن (المجاز) نجد ابن قتيبة قد أحسن الاستشهاد بأمثلة رائعة من كتاب الله، وقد خصّ المجاز ببعض التفصيل إذ من جهته غلط كثير من الناس في التأويل وتشعبت بهم الطرق واختلفت النحل (1)، وقد طعن الطاعنون على القرآن بالمجاز فزعموا أنه كذب لأن الجدار في قوله تعالى {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} لا يريد. والقوية في قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} لا تسأل وهذا ما نقضه ابن قتيبة لقوله الحاسم (2).
"هذا ومن أشنع جهالاتهم على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبًا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلًا، كان أكثر كلامنا فاسدًا، لأنا نقول نبت البقل، وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، ونقول كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن، وتقول كان الله وكان بمعنى حدث، والله عز وجل قبل كل شيء بلا غاية لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن، والله تعالى يقول {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} وإنما يعزم عليه، ويقول {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} وإنما يربح فيها، ويقول {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} وإنما كذب به، ولو قلنا للمنكر لقوله {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} كيف كنت أنت قائلًا في جدار رأيته على شفا انهيار، رأيت جدارًا ماذا؟ لم يجد بدًا من أن يقول جدارًا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض، وأيا ما قال فقد جعله فاعلًا ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ، وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله يريد أن ينقض:
(1) المشكل ص 76.
(2)
المشكل ص 99.
يريد الرمح صدر أبي براء
…
ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفراء:
إن دهرا يلفّ شَمْلي بِجُمْلٍ
…
لزمان يهم بالإحسان
والعرب تقول بأرض فلان شجر قد صاح أي طال، لما تبين الشجر للناظر بطوله، ودلّ على نقسه جعله كأنه صائح لأن الصائح يدل على نفسه بصوته ومثله قول العجاج:
كالكرم إذ نادى من الكافور.
ويقال: هنا شجر واعد إذا نوّر كأنه لما نور وعد أن يثمر، ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة".
هذا النصّ من حديث ابن قتيبة يعطي صورة أمينة لمذهبه المتبع كثيرًا هي النقاش، فهو إذ يوجز الاعتراض يوجز الردّ، ولكنه في الناحيتين معًا دقيق صائب لا يموه أو يلفق! فقد ذكر اعتراضهم على كذب المجاز واستشهادهم بالآيتين الكريمتين! واتبعهما بأمثلة من الحديث المتداول لا مجال لإنكارها مع خلوصها الصريح من الكذب فإذا تم له ذلك قَفَّى بأربعه أمثلة صريحة في المجاز من كتاب الله ليتبعها بسؤال مفحم للمنكر كيف يقول إذا رأى جدارًا على شفا انهيار، والإجابة الملزمة أن يجعل الجدار - فاعلًا مهما حوّر إجابته على نحو من الأنحاء! وبذلك يجهز بن قتيبة على كل اعتراض يقال فإذا اطمأن القارئ إلى منطقه الصريح شفعه بأمثلة معروفة من الشعر العربي تؤيد ما جاء بكتاب الله من المجاز فجعل الأسلوب العربي شعره ونثره موضع التدليل والتصويب! وهو ما ينحوه كل البيانيين من المفسرين على أن قوله في خلال ذلك "ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ" قد يدلّ على أن المؤلف لم يلم بلغة العجم! وقد قيل أنه يعرف الفارسية، وهي إشارة تحمل منافذ مختلفة من الرأي فدع تحليلها إلى من يريد.
وإذا كانت الاستعارة من أظهر وجوه المجاز فقد أفردها صاحب التأويل بفصل شاف محتشد الأمثلة حسن التوجيه مبينًا في مطلعه أن الاستعارة بعض سبيل العرب في الحديث ومستشهدًا بجيد المأثور في ذلك، وطريقته التحليلية لأساليب الاستعارة في القرآن مشرقة، كنا نود لو اكتفى بها فلم تتحول فيما بعد إلى اصطلاحات تذهب الرونق وتضائل اللألاء، استمع إن شئت إلى قوله (1):
"ومنه -من باب الاستعارة- قوله عز وجل: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} أي كان كافرًا فهديناه وجعبنا له إيمانًا يهتدي به سبل الخير والنجاة، {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} أي في الكفر فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنور مكان الإيمان" ومنه قوله عز وجل: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} أي إثمك وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره، قال الله عز وجل:{وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} أي أحمالًا من حليهم فشبه الإثم بالحمل فجعل مكانه، وقال في موضع آخر:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} يريد آثامهم.
ويبلغ المؤلف غاية الجودة حين يتبع لفظًا واحدًا من الألفاظ القرآنية ليرى كيف مضت به الاستعارة إلى شتى المعاني إذ لكل لفظ معناه الذي يهيئه له مكانه، ويحدد، سياقه ونضرب لذلك المثال من قوله (2) ومن الاستعارة {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني جنته سماها رحمته لأن دخولهم إياها كان برحمته، ومثله قوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} .
وقد توضع الرحمة موضع المطر لأنه ينزل برحمته قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني المطر، وقال {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ
(1) المشكل ص 106.
(2)
المشكل ص 110.
رَحْمَةِ رَبِّي} يعني مفاتيح رزقه، وقال تعالى. {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} أي من رزق.
وصنيعه هذا يدل على بصر وإحاطة، وأذكر أنه في مواضع أخرى من الكتاب، قد خصّ بعض الألفاظ القرآنية بفصول خاصة تختلف طولًا وقصرًا جمعها تحت عنوان (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) فتحدثه عن معاني القضاء، والهدى، والأمة، والعهد، والإلّ، والقنوت، والدين، والمولى، والضلال والإمام والصلاة والكتاب والسبب والحبل، والظلم، والبلاء، والرجس، والفتنة، والغرض والخيانة، والإسلام والإيمان والروح والوحي، والقرح والفتح والكريم والزوج والرؤية والمثل والضرب، والنسيان والصاعقة والأخذ والسلطان والبأس والخلق والرجم، والسعي، والمحصنات والمتاع والحساب والأمر، وذلك ما بين صفحتي 294، 341 فكان ابن قتيبة بذلك أول من فكر في وضع معجم لمعاني الألفاظ القرآنية وهي فكرة يتولاها الآن مجمع اللغة العربية القاهري، وقارئ أمثال هذه الفصول يرى الشواهد اللائحة لتطور الكلمة من الحقيقة إلى المجاز وإذا استطعنا أن نهتدي إلى معجم تاريخي للألفاظ فإن أمثال هذا الصنيع مما يساعد ويعين.
وأنا بعد ذلك كله أجد في باب المجاز بعض الخلاف الواضح. بيني وبين صاحب المشكل، فقد كان منحاه الفقهي والكلامي يدعوه إلى كثير من التشدّد في تطبيق المجاز، حتى ليحكم بالحقيقة فيما المجاز به واضح ساطع، واستشهد بمثالين واضحين.
1 -
قال ابن قتيبة: وأما تأولهم (1) في قوله عز وجل للسماء والأرض {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} .
أنه عبارة عن تكوينه لهما، وقوله لجهنم {هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} إخبار عن سعتها فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة
(1) المشكل ص 83.
وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين، وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس وفي حديث رسول الله ممتنع عن مثل هذه التأويلات وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب، والله تعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخر الجبال والطير بالتسبيح، فقال {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} وقال {يَاجِبَال أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر} أي سبحن معه، وقال {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} .
وقال في جهنم {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} أي تنقطع غيظًا عليهم كما تقول فلان يتقد غيظا عليك أي ينشق؛ وروي في الحديث أنها تقول قط قط أي حسبي حسبي".
ثم قال ابن قتيبة (1) وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم يرزقون وأنكروا إصابة العين، ونفع الرقي والعوذ وعزيف الجنان وتخبط الشيطان وتغول الغيلان
…
الخ".
هذه وجهة نظر المؤلف، وأنا أقول في الردّ عليه إن كتاب "تأويل مشكل القرآن" ينهض على فكرة راسخة هي إن القرآن قد نزل بأساليب العرب، فحاكى أوجه كلامهم في الحديث ومنازعهم في تشقق الكلام، والذين يذهبون مذهب المجاز في {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} علماء أدباء يحذقون لغة العرب ويستشهدون لما يقولون بمثل قول الشاعر (2) على لسان الناقة:
تقول إذا درأت لها وضيني
…
أهذا دينه أبدًا وديني
أكل الدهر حل وارتحال
…
أما يبقى عليّ ولا يقيني
(1) المشكل ص 85.
(2)
المشكل ص 78.
وقوله:
شكا إليّ جملي طول السرى
…
يا جملي ليس إليّ المشتكى
وقوله:
فازور من وقع القنا بلبانه
…
وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
وعشرات أخرى من الأمثلة التي ذكر بعضها ابن قتيبة نفسه في توضيح وأى المخالفين، فإذا ألف العربي أن ينطق الناقة والجمل والحصان والذباب الجبل بما يريد على سببل المجاز، فما خالف المتأولون مذهب العرب في شيء! وهم في ذلك لم يجنحوا إلى إنكار آية أو رفض حديث.
والعجب لا ينتهي من قول ابن قتيبة "وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم، لأن البلغاء ممن اتضوا وجهة التأويل في الآيتين الكريمتين لم يتعرضوا لعذاب القبر، وسؤال الملكين وحياة الشهداء حين استشهدوا بالآيتين، وتلك أمور دينية تركوا للمتنطعين بحثها، فإذا أنكرها سواهم من ذوي الغرض فلماذا يقذفهم ابن قتيبة بما لم يقولوا؟ قد يكون من هؤلاء من أنكر عزيف الجن ورؤية الغيلان -كالجاظ- وذهب إلى تعليل ذلك بما بسطه في الحيوان وأنكره ابن قتيبة، ولكن إنكار عزيف الجن ورؤية الغيلان شيء وإنكار حياة الشهداء شئ آخر! إن ابن قتيبة من الحصافة بحيث لا يجيز له أن يخلط بين أمرين متباعدين، ولو قرأ ما كتب الجاحظ بقلب سليم لاقتنع به، وأنّى! وقد عدّه أكذب أهل الأرض ورماه بما هو منه بريء!
2 -
أما المثال الثاني يقول الله عز وجل {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} حيث أتبعه صاحب المشكل بقوله:
"إن الله عز وجل لما استخلف آدم على ذريته وسلطه على جميع ما في الأرض
من الأنعام والطير والوحش عهد إليه عهدًا أمره فيه ونهاه، وحرّم عليه وأحل له فقبله، ولم يزل عاملًا به إلى أن حضرته الوفاة، فلما حضرته صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما قلده فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنه شفقًا من عقاب الله ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرص والجبال فكلها أباه ثم أمره أن يعرضه على ولده، فعرضه عليه فقبله بالشرط ولم يتهيب ما تهيبته السماء والأرض والجبال".
فابن قتيبة لم يكتف بما اكتفى به ملتزمو وجهته من جعل العرض حقيقة قام بها المولى عز وجل مخاطبًا السموات. والأرض والجبال فأبين! بل ذهب إلى آخر الشوط فصدّق من قال أن القائم بالعرض آدم نفسه! مع أن صريح القرآن لا يدلّ على ذلك! ولو أن آدم خاطب السموات والأرض والجبال وردّت عليه لكان ذلك إحدى معجزاته الخارقة! وما رأينا من نسب لآدم عليه السلام أنه كلم السموات والأرض والجبال فردت عليه! أفيجوز لهذا الأديب المتمكن أن يتنازل وقتا ما عن حصافته البارعة! فيشتط في قبول تفسير لا تقوم عليه الشواهد، وأمامه اللسان العربي المبين يسعفه بوجه الرأي السافر لو احتكم إليه بعيدًا عن التشدّد الثقيل؟ لسنا نريد أن نلزم أحدًا برأي، ولكننا نحاول أن نتبين معالم الطريق! على أن مواضع إصابة المؤلف كثيرة متعددة لا تقاس بما يشذ بين السطور على أبعاد متنائية، وقد جعل المبالغة -كما هي في كثير من أحوالها- من بعض وجوه الاستعارة، ووفق في عرض أمثلة قرآنية تنطق بها مقرونة بما يماثلها من جيد الشعر والنثر، ولم يمنعه استحسانه برأي معين أن يذكر ما يخالفه منسوبًا إلى صاحبه، ولو أردنا أن نتوسع في الاستشهاد على ذلك لضاق بنا النطاق ولكننا نكتفي بهذا الشاهد.
قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} فذكر المؤلف تبيينًا له (1):
(1) المشكل ص 137.
"تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن رفيع المكان عام النفع كثير الصنائع "أظلمت الشمس له وكسف القمر لفقده وبكته الريح والبرق والسماء والأرض" يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه والسامع له يعرف مذهب القائل فيه، وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظموه ويستقصوا صفته ونيتهم في قولهم أظلمت الشمس أي كادت تظلم وكسف القمر كاد ينكسف، ثم قال وقد اختلف الناس في قوله "فما بكت (1) " فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم بكته الريح والبرق
…
وقال آخرون فما بكى عليهم أهل السماء والأرض، فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أراد أهل القرية
…
وقال ابن عباس: "لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه فإذا مات بكى عليه الباب وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلاه والكافر لا يصعد له عمل ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض" اهـ.
فالمؤلف -كما يلوح لي- مزورّ عما نسب إلى ابن عباس من تفسير، ولكنه يذكره بعد أن يستوفي تفسيره البياني المقنع مؤيدًا بالأمثلة السوائر معتقدًا أنه أصاب مقطع الحق فيما تناول، وليس يضيره أن يأتي برأي آخر قد يجد من القراء من يميل به إلى التوهين والترجيح وفي أبواب المقلوب، والحذف والاختصار والكناية والتعريض ومخالفة ظاهر اللفظ معناه أمثلة جيدة هي الأعواد الخضراء التي ترعرعت فيما بعد فأنشات شجرة البلاغة المتعدّدة الأفنان، بل بها ما لم يكد أن يزيد عليه البلاغيون شيئًا غير التفصيل والتفريع ومن ذلك حديثه عن الاستفهام التقريري مستشهدًا بنحو قول الله {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} (2) والاستفهام التعجبي مستشهدًا بنحو قول الله {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} والاستفهام
(1) المشكل ص 129.
(2)
المشكل ص 64.
التوبيخي مستشهدًا بنحو قول الله {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ} وكذلك فعل إذ تحدث عن الأمر التهديدي والأمو التأديبي والأمر المبيح لا الملزم، مما يحفظ للرجل مكانه في التقنين البلاغيّ لدى المنصفين.
ونشير بهذه المناسبة إلى نقطة رئيسية نؤثر أن يلتفت إليها مؤرخو النقد والبلاغة، فقد درج هؤلاء على أن يعتبروا كتاب البيان والتبين أول كتاب يبتدئ الحديث عن فنون من البلاغة العربية ثم ينتقلون منه إلى كتاب البديع لابن المعتز حيث يجعلونه الكتاب الثاني بعد كتاب الجاحظ، وإذا كان ابن المعتز قد اعترف في خاتمة كتاب البديع أنه ألفّه سنة 274 هـ وإذا كان ابن قتيبة قد انتقل إلى جوار ربه سنة 276 هـ ولم يكن كتاب المشكل آخر ما ألف بل ألّفَ بعد أكثر من عشرة كتب أشار فيها إلى كتاب المشكل بما يدل على سبقه الزمني في التأليف. فإن سبق ابن قتيبة في تأليف المشكل يجعله صاحب المنزلة الثانية في الحديث البلاغي بعد الجاحظ مباشرة! إذ أنه قد خصّ أبوابًا برءوسها تتحدث عن المجاز والاستعارة والكناية والتعريض كما تحدث عن التشبيه في أبواب مستقلة تجدها تحت عناوين:
أ- في سورة البقرة ص 249.
ب- وفي سورة الرعد ص 251.
ج- وفي سورة النور ص 252.
د- وفي سورة البقرة ص 282 وإن لم يخص التشبيه في كتاب التأويل بعنوان مستقل كما فعل في عيون الأخبار، هذا إلى نظراته القوية عن الالتفات والمقلوب والحذف والاختصار ممّا يعدّ من البحوث البلاغية في صميم الصميم، وكل ذلك يجعل من كتاب المشكل خطوة هامة في التأليف البلاغي لا يجوز تجاهلها، وقد كان ابن قتيبة من الجهارة والصيت بحيث لا يجوز لعالم أديب شاعر كابن المعتز أن يجهل مكانه، أو يغمض عن مؤلفاته في فن
يعمد إلى جمع مسائله، واستكمال فروعه، وإذا لم يشر إليه في كتابه، فليس لابن قتيبة ذنب في ذلك يميل بنا على تخطيه، وأذكر أن الأستاذ الأديب السيد أحمد صقر محقق كتاب المشكل كان -فيما نعلم- أول من اهتدى إلى هذه الحقيقة حيث قال في مقدمة الكتاب (1).
"ولأبواب المجاز التي ذكرها ابن قتيبة في هذا الكتاب قيمة تاريخية كبيرة لأنها ستضيف إلى معارفنا عن تطور البلاغة شيئًا جديدًا، فالذائع الشائع بين الخاصة وغيرهم أن البلاغة العربية طفرت من نثار الجاحظ المبثوث في كتبه إلى بديع ابن المعتز طفرة واحدة، ولم يعرف أحد أن ابن قتيبة قد أسهم في تكوينها وتطويرها بنصيب موفور، فظهور تلك الأبواب في هذا الكتاب يظهرنا على تلك الحقيقة المفقودة في تاريخ البلاغة ويضيف إلى أمجاد ابن قتيبة مجدًا آخر عظيم الشأن سيذكره الذاكرون كلما تحدثوا عن تاريخ البلاغة ونشأتها".
وقد ظهر انتفاع ابن قتيبة بآثار سابقيه في كتاب المشكل ظهورًا لا يخفى على الدارسين، فما أكثر ما اتكأ على الجاحظ وأبي عبيدة فيما نزع إليه من تأويل، وإن تعمّد أنْ يغفل اسم الجاحظ في كل ما انتفع به منه، من ذلك حديثه عن تأويل قول الله تعالى:{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} ص 4 من المشكل فإنه عين كلام الجاحظ في باب العصا ص 26 ج 3 من البيان والتبيين (2)، وحديثه عن تأويل قول الله {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} ص 5 من المشكل، فإنه من حديث الجاحظ في الحيوان ج 3 ص 86 (3) وحديثه عن قول الله {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} ص 58 فإنه من وحي الجاحظ عن البيان والتبيين ج 2 ص 992 (4).
(1) مقدمة المشكل ص 64.
(2)
الطبعة الثالثة للسندوبي.
(3)
الطبعة الأولى لعبد السلام هارون.
(4)
الطبعة الثالثة للسندوبي.
أما أبو عبيدة فلم يهمل ذكره كما أهمل الجاحظ بل أشار إليه في كثير مما اتكأ فيه عليه وإن أغفله حيث يجب الذكر في مواضع هامة، وكأن يجنح إلى معارضته دون داع موجب غير اختلاف وجوه النظر بين عقليتين متباعدتين، ومن ذلك قوله ص 153: وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} إلى مثل هذا في القلب، ويقول وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام والمعنى للمنعوق به وهو الغنم (1)، وكذلك قوله سبحانه {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} أي تنهض بها وهي مثقلة، ثم يقول ابن قتيبة (2) في نقد ذلك وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عز وجل لو لم يجد له مذهبًا لأن الشعراء تقلب اللفظ وتزيل الكلام على طريق الغلط أو على الضرورة للقافية، وبعد أن يستشهد على ذلك بأمثلة معروفة للشعراء يقول (3)"والله لا يغلط ولا يضطر وإنما أراد" ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله ومثل الذين كفروا وحذف ومثلنا، لأن الكلام يدل عليه ومثل هذا كثير في الاختصار.
ونحن لا نرفض تأويل ابن قتيبة فهو مما يجوز، ولكننا نرفض أن يكون وحده التأويل الصحيح بحيث يكون رأى أبي عبيدة خطأ لا يحتمل الصواب ورأيه صوابًا لا يحتمل الخطأ لأن القلب لا يكون للاضطرار الشعري كما ظن ابن قتيبة بل يكون لتأكيد المعنى وتجليته ولغيرهما من الأمور البيانية التي تظهر الصورة ذات لمح وإشعاع! وقد جاء القلب في اللسان العربي شعرًا ونثرًا حتى اشتهر قول الأعرابي "عرضت الناقة على الحوض" مريدًا به عرضت الحوض على الناقة، ولم يكن الأعرابي في قوله شاعرًا فيضطر إلى هذا القلب، ولكنه كان بليغا يعني ما يقول!
(1) هذا كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ج 1 ص 63.
(2)
المشكل ص 154.
(3)
المشكل ص 156.
فانظر معي كيف توهم المؤلف أن القلب لا يكون إلا للضرورة والغلط ثم جعل من هذا التوهم البعيد دليلًا على غلط أبي عبيدة دون تدقيق.
وإذا كان المؤلف الكبير -وراء هذا كله- قد استشف أسرار التركيب البياني للقرآن في أكثر ما تعرض له على كثرته الكاثرة فقد أمد المفسير البياني برافد صاف عذب لم يلبث أن ورده المفسرون، لينقعوا منه غللهم الصادية، فصدروا عنه هانئين، فإذا أضيف إلى ذلك ما قطفه المفسرون من كتابه المسمى "تفسير غريب القرآن" فلك أن تقدّر معي ثراء هذا الرجل الخصب وتراثه الحفيل" (1).
ولقد كان الرماني المعتزلي (296 - 386 هـ) وحمد بن محمد الخطابي البستي (319 - 388) أول من كتب في إعجاز القرآن، فلقد وضع الرماني رسالته التي سماها (النكت في إعجاز القرآن). وقد بين فيها وجوه الإعجاز، فذكر الصرفة متأثرًا بالنظام، كما ذكر من أوجه الإعجاز أخبار الغيب. ولكن عنايته في الإعجاز انصبت على البلاغة، فذكر الاستعارة والتشبيه وغيرها، ممثّلًا لكل ذلك من القرآن الكريم، على أنّه ينبغي أن يُعلم أن الصرفة التي ذكرها الرماني، ليست هي ما كان يعنيه النظام، لأنّ الرماني رحمه الله ركز كثيرًا على أن البلاغة القرآنية هي سر إعجازه، فالقرآن في أعلى طبقات البلاغة التي لا يستطيعها البشر، والصرفة عنده ليست إلّا وجهًا عقليًا يصلح أن يكون وجهًا من وجوه الإعجاز.
أما الخطابي في رسالته (بيان إعجاز القرآن) فرد على القائلين بالصرفة، كما لم يرتض القول بأن إعجاز القرآن يكمن في تضمنه الأخبار عن الأمور المستقبلة لأن ذلك في آيات مخصوصة، والإعجاز لا بد أن يكون في القرآن كلِّه، لذلك رأى أن البلاغة التي تقوم على قواعد هي سرّ الإعجاز، وإنما قلت تقوم على قواعد، لأن البلاغة التي تقوم على الذوق وحده لا تصلح في هذا الشأن الخطير، فالأذواق مختلفة، ولا بد أن يكون الذوق معللًا، وهو ما يعرف بالنقد، وناقش فكرة البلاغة
(1) خطوات التفسير البياني [92 - 120].
مبينًا أنها لا تصلح لأن تكون البحث الذي تدور حوله فكرة الإعجاز، لذا كانت نظريته في الإعجاز تكمن في نظم القرآن نظما بديعًا، يجمع بين أفصح الألفاظ وأصح المعاني في أبدع نظم وأحسنه وهذه عبارته قال الخطابي (وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي في أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أو توجد مجموعة من نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا.
فتفهم الآن واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنًا أصح المعاني من توحيده له عزت قدرته وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أو لى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، وجامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والدليل عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه) (1).
ولعله اللبنة الأولى لمن جاءوا بعده في إبراز نظرية النظم وتكاملها.
وإذا كان الرماني والخطابي قد تركا لنا رسائل في الإعجاز، وكان لكل وجهته ورأيه، فإن علامة الأشاعرة القاضي أبا بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 هـ، كان
(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الخطابي ص 27.