الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-رحمهما الله تعالى- وعليه المحققون من العلماء، أن المقصود من الآية في قوله {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} الرسالة، فما أجدرنا أن نرجع إلى السياق لفهم الآيات الكريمة.
9 -
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51)} [سبأ: 51] اختلف المفسرون في المعنيين بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها هؤلاء المشركون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} [سبا: 43] وعنى بقوله {إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا.
وقال آخرون: عُني بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض.
وقال آخرون: عُني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم.
وأولى الأقوال عند الطبري قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه؛ لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات؛ فلأن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرًا لما لم يجر له ذكر" (1).
ونكتفي بذكر هذه الأمثلة، وبهذا يتبين لنا أهمية هذه الدعائم التي تحدثنا عنها، وأعني السنة الصحيحة، واللغة والسياق.
شروط المفسِّر:
ذكر الأئمة في كتب علوم القرآن ومقدمات كتب التفسير شروطًا للمفسر، ونرى هنا أن نكتفي بما جاء في تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا. قال رحمه الله:
للتفسير مراتب: أدناها: أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله، وتنزيهه،
(1)(22/ 72).
ويصرف النفس عن الشر ويجذبها، وهذه هى التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد ({وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 22] وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرًا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد من ذلك لفظ "التأويل" اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53]، فما هذا التأويل؟
يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرًا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بإلاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى (1)، فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ "الهداية" وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إنه القرآن يفسر بعضه ببعض، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.
(1) يذكر الشيخ رشيد من ذلك لفظ (الولي) معناه في القرآن الناصر والمولى: وأولياء الله أنصار دينه من أهل الإيمان والتقوى وقد اصطلحوا بعد ذلك على أن الأولياء صنف من الناس تظهر على أيديهم الخوارق ويتصرفون في الكون بما وراء الأشياء ولم يعرف الصحابة هذا المعنى.
ثانيها: الأساليب فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه، نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيًا لهم؟ كلا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيًا ذاتيًا لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة.
ثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبينه في غيره. بين كثيرًا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الإلهية في البشر وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشيء اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.
قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم؟
أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض، وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علمًا وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالًا ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة.
رابعها: العلم يوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الغرض الكفائي: أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدايتهم وإسعادهم وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفًا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ هل يُكتفى من علماء القرآن دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد، بأن يقولوا تقليدًا لغيرهم، إن الناس كانوا على باطل وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة كلا؟
وأقول الآن: يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرًا لأحوال البشر ومخرجًا لها من الظلمات إلى النور، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي، كما ترى بعض الذين يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو، لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟
خامسها: العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها (1).
(1) المنار (1/ 21).