الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأي الدكتور إبراهيم خليفة وتناقضه:
وقد تبع الدكتور إبراهيم خليفة الذهبي فيما ذهب إليه من تشديد النكير على القائلين بأن الصحابة قد أكثروا من النقل عن بني إسرائيل، فهم قد نقلوا عنهم ولكن ضمن دائرة ضيقة محدودة، هذا ما ذكره في كتابه دراسات في مناهج المفسرين، يقول:"نقول من المعلوم لمن بهذه الصفة ولا سيما من كان فوق ذلك من المعنيين بالتفسير بالمأثور من علماء الأمة عليهم الرضوان، أن ابن عباس رضي الله عنهما كان مقلًا في تفسيره القرآن من الأخذ عن بني إسرائيل إلى حد الندرة بل إلى حد العدم على زعم البعض"(1).
ولكنه ذكر في كتاب آخر وهو (منة المنان في علوم القرآن)، أن ابن عباس نقل عن بني إسرائيل ما يتعارض مع قواعد العقيدة الصحيحة وعصمة الأنبياء، يقول:"لا نسلم أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن لم يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل وإن زعم ذلك غير واحد من أعلام التفسير في عصرنا هذا. .. وذكر منهم الزرقاني والشيخ غزلان"(2)
…
ويقول: "فإنه رضي الله عنه على الرغم من نهيه الصريح هذا قد ثبت عنه الأخذ عن بني إسرائيل إما من منطلق الأمان على نفسه ما لم يأمنه على غيره، وإما ثقة منه أن ما أخذه عنهم مما لا يخفى حاله على من تدبر أمره، وإما رؤية منه أن ما أخده عنهم لا يتنافى مع شيء مما جاء في الكتاب والسنة سواء أخطأ في هذه الرؤية أم أصاب، ودليلنا على أنه رضي الله عنه قد ثبت عنه الأخذ من الإسرائيليات أوجه:
أولها: ما ذكره غير واحد من الحفاظ عند ترجمتهم لكعب الأحبار الذي هو أحد رؤوس المصادر الإسرائيلية من كون ابن عباس رضي الله عنه هو أحد الرواة عنه.
(1) مناهج المفسرين (1/ 311).
(2)
منة المنان (2/ 36).
وثاني هذه الأمور التي يتشكل منها دليلنا على ما نقول في هذه القضية المهمة روايات قد ثبتت عن ابن عباس رضي الله عنهما بالفعل لا يشك منصف في أنها من الإسرائيلية، ولا نقول إنها من صنف الإسرائيليات الموافقة للكتاب والسنة ولا حتى من جنس ما لا تعرف له موافقه ولا مخالفة بل هي من جنس الإسرائيليات المرذولة المنافرة للعقل وصريح النقل ونكتفي هاهنا بإيراد ثلاثة مواضع منها نستبيح القارئ العذر في تسويد الصفحات بغثاء ما جاء فيها من الرواية عنه رضي الله عنه.
وأول المواضع التي ذكرها الكاتب ما جاء من روايته في شأن شيطان سليمان الذي أخذ خاتمه من إحدى أزواجه وتملك على ملكه وأقام حيث كان يقيم سليمان حتى من نسائه عليه السلام.
وثاني هذه المواضع ما جاء في شأن الملكين والمرأة التي مسخت فكانت كوكب الزهرة، وثالث هذه المواضع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في شأن الأرضين السبع من أن في كل واحدة منهن آدم كآدم وإبراهيم كإبراهيم وموسى كموسى وعيسى كعيسى ومحمد كمحمد صلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله أجمعين (1)، ويسوق الروايات في ذلك، ثم يقول "فانظر رعاك الله إلى هذا الغثاء، وما يقتضيه من عدم اختصاص الأنبياء المعروفين حتى أولى العزم منهم، بل حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصائصهم مع أمثالهم لا في المسميات فحسب بل حتى في الأسماء، بل ما يقتضيه من تعداد القرآن العظيم ذاته، وأنه ليس خير الكتب ولا المتفرد من بينها بالهيمنة والإعجاز، وما إليها من خصائصه المعروفة، هل يصدر مثل هذا إلا من خرافات بني إسرائيل وضلالاتهم
…
(2).
وإذا كان الدكتور إبراهيم لا يريد أن يسود صفحات كتابه بما نسب إلى
(1) منة المنان في علوم القرآن (1/ 37 - 44).
(2)
منة المنان في علوم القرآن (1/ 37 - 44).
ابن عباس، فكيف يمكن أن يرضى ابن عباس أو نرضى له نحن، وكيف يمكن أن نقتنع أو أن تقنع الآخرين، بأن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن هناك امرأة يمكن أن تمسخ كوكبًا، إن الرجل الذي أعطي من الفطنة ومن الفهم ما لم يعطه كثير من الناس، يستحيل أن يثبت عنه مثل هذه الروايات ولو ذكرها ابن كثير أو غيره، وكنا نود أن يظل الدكتور إبراهيم خليفة عند رأيه الذي ذكره في كتاب (مناهج المفسرين) من أنّ ما روي عن ابن عباس من الإسرائيليات ليس مما يقدح في جوهريات الدين، مع أننا نجل ابن عباس حتى عن هذه، ونظن أن ما روى في صحيح الإمام البخاري، دليل كافٍ على تبرئة ابن عباس رضي الله عنهما.
رأينا في المسألة:
إن ما ذهب إليه الشيخ الذهبي ومن تابعه مردود غير مقبول، وكلمة ابن عباس التي نقلها الذهبي ترد بكل حزم على من يدير أن الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما يمكن أن يرجعوا إلى أهل الكتاب في أي مسألة (أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم).
والذي أطمئن إليه كل الاطمئنان، وينبغي إن يطمئن إليه كل منصف، أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن ليدور في خلده يومًا، بل لم يكن ليرضى أن يسأل أحد من المسلمين أحدًا من غيرهم، وبخاصة أولئك اليهود، فضلًا على أن يكون هو السائل، أقول ما كان يرضى رضي الله عنهما أن يسأل في قضية من قضايا الدين كتابًا وسنة.
وتثبيتا لما أقوله وتدليلًا عليه حتى لا يبقى في نفس أحد من الناس أثر لشبهة جولد زيهر ومن تبعه -جدير بنا أن ندرس هذه الروايات التي جاءت تحمل لنا سؤال ابن عباس رضي الله عنهما أبا الجلد وغيره، وسنجد أن هذه الروايات قد حكم عليها أئمتنا حكمًا ليس فيه مساومة حكموا عليها بوجوب ردها ورفضها.
فقد أخرج الطبري عن موسى بن سالم أبي جهضم مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد، فقال الرعد ملك. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال سبحان الذي سبحتَ له، قال: وكان يقول: إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه.
وعن أبي كثير قال: كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه (كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد الريح).
ويُعلق الشيخ أحمد شاكر على الروايات:
أما الرواية الأولى عن أبي جهضم فهو -كما يقول- (ثقة، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة). وأما رواية أبي كثير، فالإسناد (مشكل، ما وجدت ترجمة بشر بن إسماعيل وما عرفت من هو، ثم لم أعرف من أبو كثير الراوي عن أبي الجلد)(1).
ويقول الشيخ محمد عبده تعليقًا على ما ذكره الجلال من أن الرعد ملك، والبرق سوطه:
(ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت من معاني من عالم الشهادة الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب ولا يعلمها إلا الله تعالى، ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود، وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه: أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، إلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الريب.
ويقول الشيخ رشيد: ولا شك عندي أن هذه الأقوال كلها مما كان يذيعه مثل
(1) تفسير الطبري (1/ 340 - 341).
كعب الأحبار ووهب بن منبه بين المسلمين من الصحابة والتابعين، ولو صح في حديث مرفوع بسماع صحيح على أن المراد به الإشارة إلى أن هذه المظاهر الكونية تقع بفعل ملك موكل بالسحاب ولكن لا حاجة إلى ذلك مع عدم صحة شيء في المسألة وبالملائكة من عالم الغيب) (1).
إذًا فعهد الصحابة رضوان الله عليهم، نستطيع أن نقول فيه إنه عهد لم تجد فيه الإسرائيليات تربتها الخصبة، ولم تنم فيه النمو الذي وجدناه فيما بعد، فلقد كانت تشرق في نفوسهم أنوار النبوة ولقد كانت الواجبات عندهم أكثر من الأوقات. فليس هناك الوقت الذي يُقضى في مثل هذه المسائل.
ويأتي عصر التابعين بعد ذلك، ويزداد اتصال المسلمين بغيرهم من الأمم، ويكثر الداخلون في الإسلام من أهل الكتاب، ومن الطبيعي إذًا أن يتفاعل هؤلاء مع أولئك، وحب الاستطلاع أمر فطري في الإنسان، وهنا تبدأ تلك البضاعة، بضاعة الإسرائيليات تجد رواجها، والتربة الخصبة التي تنمو فيها، بخاصة وقد أصبح من بعض ألوان الوعظ أن تحكى هذه القصص في المساجد، ومن هنا كان لها أثرها الواضح في التفسير، مما جعل كثيرًا من الأئمة ينفرون منها وينفرون عنها فهذا علي رضي الله عنه وهو آخر الخلفاء الراشدين، وقد رأى أن هذا القصص بدأ يشق طريقه إلى الناس، يقول:(من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حدّ الفرية على الأنبياء)(2) وهذا ابن عون يقول: (دخلنا على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا فقال: (وفق للصواب) وروي أن ابن عمر خرج من المسجد فقال: (ما أخرجني إلا القصاص ولولاه لما خرجت). ومما يدلنا على أن هؤلاء القصاص كانوا يبدون عناية خاصة بالقصص الإسرائيلي، أن نوف بن فضالة كان يقص بالكوفة، وقد ذكر
(1) المنار (1/ 174 - 175).
(2)
وهو اجتهاد منه رضي الله عنه إلا أن الزين العراقي نفى صحة هذا الخبر عنه: روح المعاني ج 23 ص 185 المطبعة المنيرية.