الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع نماذج من التفسير العلمي
ولما كانت بعض التفسيرات العلمية توافرت لها الشروط السابقة، فجاءت معقولة مقبولة، وبعض آخر لم تتوافر له هذه الشروط فجاءت مفككة مخلخلة الجوانب، يظهر فيها التكلف، فإنه لا بد من التمثيل لهذين النوعين:
أولًا: نماذج مقبولة:
1 - خلق الإنسان:
قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [النحل: 78].
يقول المفسرون القدامى، إنه قدم السمع على البصر، وأفرد السمع لأفضليته ولأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع، فإذا جاءت حقائق العلم تثبت أن حاسة السمع يمنحها الله للطفل قبل حاسة الإبصار، وأن السمع إنما يدرك به شيء واحد، وهو الأصوات، بينما يدرك بالبصر أكثر من شيء كالألوان والأشكال، وكان هذا لا يتعارض مع مفهوم الآية ومنطوقها، ولا يعارض أثرًا عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، في المانع أن يقبل تفسيرًا علميًّا للآية فيكون إعجازًا قرآنيًا خالدًا.
ويقول تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: 6].
والمفسرون القدامى يعدون هذه الظلمات الثلاث: ظلمة البطن والرحم والمشيمة، فإذا جاء علم التشريح، ليثبت بما لا يقبل الريبة، أن هذه الظلمات إنما هي أغشية ثلاثة، تحيط بالطفل غشاء فوق غشاء، وهذه الأغشية لا تظهر بالعين. المجردة وهي:
أ - المتبارى.
ب - الخربوتي.
ج - اللفائفي.
أو كما يقول: (توماس إيدن) هي (الكوريون وهو الغشاء الخارجي، يليه الميزودورم فالأمنيوس)(1).
أفلا يكون ما أثبته العلم في العصر الحديث، مطابقًا لما جاء في كتاب الله، حجة على البشر جميعًا ليستجيبوا لله وللرسول صلى الله عليه وسلم؟
ويقول تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17].
فإذا لاحظنا لفظ الآية، نجد أنه عبر فيها باسم المصدر وهو (نبات) دون المصدر (إنبات) ولا أرى ذلك إلا لحكمة بالغة رائعة، تلك التي أظهرها العلم الحديث وهي أن هذا الإنسان إنما هو من عناصر الأرض. وأشار إلى ذلك بأوجز عبارة، وكلمة (إنبات) لا تفيد هذا المعنى.
ومن قبيل هذا قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14] حيث جاءت دقة التعبير بجعل هذه النطفة، وهي الحيوان المنوي في قرار مكين وهو الرحم. والقرار بهذه الصفة عرف تماما وصفه في عصر العلم.
جاء في كتاب (بين الإسلام والطب) للدكتور حامد الغوابي قوله في القرار المكين): وهو رحم المرأة، وحقًّا إنه لقرار مكين، إذ تربطه ألياف قوية في موضعه وتثبته أربطة متينة في جوسقه (بيته الصغير)، ويحمله حوض من عظام متينة، ففوقه
(1) بين الطب والإسلام للدكتور حامد الغوابي ص 28.
الحجبتان (العظمتان فوق العانة. وعلى جانبيه الحرقفتان (العظم الجانبي في الحوض) وعظام العجز (أسفل العمود الفقري) والعصعص (أسفل العجز) من خلف له سنادات، ثم أنه ليغطى من أعلى بالمثانة ومن أسفل بالمستقيم) (1). ثم يقارن بين هذه الآية ومثيلتها من سورة الحج فيقول:
(وقد يسأل سائل: لماذا قال الله تعالى في الآية الكريمة السابقة، {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} ثم في هذه الآية الكريمة يقول {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} فنجيب بأن الله سبحانه هنا يبين أدوار النشاة بتسلسل متبوع (من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة)، ليبين الأطوار التي يمر بها الإنسان. فالنطفة تمر بأطوار، والعلقة لا تبلغ المضغة إلا بعد أن تنقسم في أدوار، أما في الآية السابقة، فقد أرانا الله نصيب كلّ دور، ووقت كلّ طور فجاء بالعطف بالفاء ليبين قصر الدور ويالعطف بـ (ثم) ليبين التعقيب مع التراخي، أي طول هذا الطور) (2).
ويقول تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] يقول المفسرون القدامى (على أن نسوي بنانه أي أصابعه التي هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه. أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض، كما كانت أولًا من غير نقصان ولا تفاوت)(3). بينما يأبى العلم الحديث إلا أن ينقاد للقرآن، فيما أخبر به حيث يقرر (أن الأصابع لها مميزات خاصة، لا تتشابه ولا تتقارب. وهذه المميزات لم تعرف لأول مرّة إلا في القرن الماضي، أي بعد نزول الآية باثني عشر قرنًا ونصف تقريبًا. ففي سنة 1884 م استعملت رسميًا في إنجلترا طريقة الاستعراف والتعرف بواسطة بصمات الأصابع، في الناس جميعًا، تجد أن بشرة جلدها مغطاة بخطوط بارزة تتفتح بها مسام العرق. وإذا نظر أي إنسان في
(1) بين الطب والإسلام ص 21.
(2)
بين الطب والإسلام ص 26.
(3)
الكشاف جـ 4 ص 659.