الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - شبهة: النخامة في المسجد
.
نص الشبهة:
وهذه الشبهة تابعة لشبهة الوجه، ولكننا أردنا إفرادها برد؛ لأنها تحتاج إلى توضيح.
فقد قالوا: يبزق في وجه الله:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَي نُخامةً في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَال "ما بال أحَدِكُم يقوم مُسْتقبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ يُسْتَقْبلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِهِ؟ فَإِذا تَنَخَّعَ أحدُكُم فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإنْ لم يَجِد فليَقُل هَكَذَا". وَوَصَفَ القاسِمُ: فَتَفَلَ في ثَوْبِهِ ثم مسح بعْضَهُ على بَعض". (1)
والجواب عنها من وجوه:
الوجه الأول: كل ما جاء في خيالك فالله بخلافه
.
الوجه الثاني: المعني الصحيح للحديث
.
الوجه الثالث: أن الإسلام قد راعى الأدب في عبادة العبد ربه.
الوجه الرابع: عقوبة من بصق تجاه القبلة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كل ما جاء في خيالك فالله بخلافه.
فما جاء في الكتاب والسنة عن الله تعالى لا يجب على المسلم أن يصور ذلك في خياله ويحكيه على أساس أنه هو المقصود من الكلام.
فما تخيله هؤلاء الجاهلون عن الله من خلال هذه النصوص هو محض افتراء على الله؛ لأنه ليس هو ما قصدوه هم. وذلك أنه لا يستطيع أحد أن يصف الله في ذاته؛ فكيف يكيفه في أفعاله؟ والقول في الصفات كالقول في الذات.
الوجه الثاني: المعني الصحيح للحديث.
(1) مسلم (550).
قال ابن تيمية: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة؛ فإن الله قِبَلَ وجهه فلا يبصق قبل وجهه. . . الحديث "حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلى؛ بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجى السماء أو يناجى الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قبل وجهه، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك - ولله المثل الأعلى - ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به" فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليا به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر". (1)
وقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه؛ كلٌّ يراه فوقه قبل وجهه كما يري الشمس والقمر، ولا منافاة أصلا، ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله؛ يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد.
واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل؛ فإن قوله:(ظاهرها غير مراد) يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلى أنه مستقر في الحائط الذي يصلى إليه، وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.
ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى؛ لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض
(1) أخرجه أحمد (15765)، وأبو داود (4731)، وحسنه الألباني كما في ظلال الجنة (459).
الناس، فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا في هذا الإطلاق، فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظًا ومعنى.
وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: (الظاهر غير مراد عندهم) أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين؛ بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازًا ذهنيا أو جوازًا خارجيا غير مراد؛ فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف، أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصا ولا ظاهرا أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة، وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه وتعالى، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين؛ أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف.
أما في كثير من الصفات فقطعا مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم الذي لم يحك هنا عشره؛ علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك، والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا ولا بالقرائن على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر؛ بل الذى رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل إما نصا، وإما ظاهرا على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ بل الذي رأيته؛