الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقرر الفقهاء المسلمون أن الأجنبي (غير المسلم) إذا دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمان ولمدّة معينة لا يجوز تسليمه إلى دولته إذا طلبته خلال هذه المدة ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم عندها، ويبقى المنع من تسليمه قائمًا حتى لو هددت دولته الدولة الإسلامية بإعلان الحرب عليها إذا لم تسلمها إياه.
ويعلل الفقهاء هذا الحكم بأن الأجنبي دخل إقليم الدولة الإسلامية بأمان منها، فعلى الدولة الإسلامية أن تفي بعهدها له فيبقى آمنًا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدرٌ منها بعهدها له لا رخصة فيه فلا يجوز في شرع الإسلام. ويبقى المنع من تسليمه وعدم إلحاق أي ضرر به حتى لو قتلت دولته جميع رعايا الدولة الإسلامية المقيمين في أرضها؛ لأن فعلها ظلم ولا مقابلة بالظلم، هكذا يقول الفقهاء. فأي مستوى رفيع بلغه التشريع الإسلامي في التزامه بالمعاني الأخلاقية في أدق الظروف وأحرج الأوقات! مما لا نجد له نظيرًا أبدًا في أي تشريع وضعي آخر لا في القديم ولا في الجديد، ولا عجب من ذلك فالشريعة الإسلامية من عند الله، وما يأتي من الله هو الحق الخالص والعدل الخالص. (1)
الثمرة الخامسة: المساواة بين البشر
.
لقد أعلن محمدٌّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقق عمليًّا إنسانية الإنسان، ووحدة الإنسانية، وكرامة الإنسان. . .، والناس كلهم سواء في هذه الإنسانية، فلا شعب أعلى من شعب، ولا جنس أعظم من جنس.
إن هناك إنسانية واحدة، ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد، والهدف من اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان، واختلاف العشائر والآباء. . كل أولئك لم يكن ليتفرّق الناس ويختصموا، ويتحوصلوا وينعزلوا، ولكن ليتعارفوا ويتآلفوا، وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض، ويرجعوا بعد ذلك إلى الله الذي ذرأهم في الأرض واستخلفهم فيها.
(1) أصول الدعوة (52 - 53).
وقال الله: عز وجل {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات: 13].
وقال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
لقد انساح الإسلام في رقعة من الأرض فسيحة، تكاد تضمُّ جميع الأجناس وجميع الألوان. . وذابت كلها في النظام الإسلامي، ولم تقف وراثة لون، ولا وراثة جنس، ولا وراثة طبقة، ولا وراثة بيت، دون أن يعيش الجميع إخوانًا، ودون أن يبلغ كل فرد منهم ما تؤهله له استعداداته الشخصية، وما تكفله له صفة الإنسان.
وقال الإسلام كلمته المدوية: إن كرامة الإنسان مستمدة من إنسانيته ذاتها، لا من أي عرض آخر كالجنس، أو اللون، أو الطبقة أو الثروة أو المنصب إلى آخر هذه الأعراض العارضة الزائلة. . والحقوق الأصيلة للإنسان مستمدةٌ إذن من تلك الإنسانية التي ترجع إلى أصل واحد.
قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وقال الله عز وجل:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، وقال الله عز وجل:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وقال الله عز وجل:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13].
وعلم الناس منذُئذٍ: أن الإنسان - بنوعه - كريم على الله. وأن كرامته ذاتية أصيلة، لا تتبع جنسه، ولا لونه، ولا بلده، ولا قومه ولا عشيرته، ولا بيته، ولا عرضًا من هذه الأعراض الزائلة الرخيصة.
وإنما تنبع من كونه إنسانًا من هذا النوع الذي أفاض عليه ربه الكريم، ولم تكن هذه المبادئ نظرية، إنما كانت واقعًا عمليًا، تمثل في حياة الجماعة المسلمة، وانساحت به في أرجاء الأرض، فعلمته للناس، وأقرته في أوضاع حياتهم كذلك، وعلمت جمهور الناس - ذلك الغثاء - أنه كريم، وأن له حقوقًا، هي حقوق الناس، وأن له أن يحاسب حكامه وأمراءه، وأن عليه ألا يقبل الذلّ والضّيم والمهانة، وعلمت الحكام والأمراء ألا تكون لهم حقوق زائدة على حقوق الجماهير من الناس، وأنه ليس لهم أن يهينوا كرامة أحد ممن ليس بحاكم أو أمير.
وهذه بعض الأمثلة:
لما تولّى أبو بكر الخلافة، قام فخطب الناس فقال: لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
وخطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يعلم الناس حقوقهم تجاه الأمراء:
يا أيها الناس، إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا من أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء من ذلك فليرفعه إلىَّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقُصَّنَّهُ منه. . . فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته، إنك لتقتص منه؟
قال عمر: إي والذي نفسي بيده لأقُصَّنَّهُ منه، وكيف لا أقص منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، ألا لا تضربوا الناس فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفرونهم.
وكتب عثمان رضي الله عنه كتابًا إلى جميع الأمصار قال فيه: إني آخذ عمّالي بموافقاتي كل موسم، قد سلطت الأمة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا يرفع على شيء ولا أحد من عمّالي إلا أعطيته، وليس لي ولا لعمّالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلىَّ أهلُ المدينة أنَّ أقوامًا يشتمون ويضربون.
فمنِ ادَّعى شيئًا من ذلك فليواف الموسم، يأخذ حقّه حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا إن الله يجزي المتصدقين".
ولم تكن هذه مجرد مبادئ نظرية أو مجرد كلمات تقال، فقد طبقت تطبيقًا واقعيًا، وسرت في أوساط الشعوب حتى اتخذت قاعدة للأوضاع العملية.
وكمثال عملي على هذا الكلام هذه الحادثة:
حادثة ابن القبطي الذي سابق ابن عمرو بن العاص، فاتح مصر وواليها، فسبقه فضربه ابن عمرو، فشكا أبوه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقصه منه في موسم الحج وعلى ملأ من الناس.
ولا نقف في هذه الحادثة عند عدل عمر فقط ولكن الحادثة أوسع دلالة على ذلك التيار التحريري الذي أطلق الإسلام في ضمائر الناس وفي حياتهم.
فمصر إذ ذاك بلد مفتوح، وحديث عهد بالفتح الإسلامي. وهذا القبطي لم يزل على دينه فردًا من جماهير البلد المفتوحة، وعمرو بن العاص رضي الله عنه هو فاتح هذا الإقليم، وأول أمير عليه من قبل الإسلام، وحكام هذا الإقليم قبل الفتح الإسلامي هم الرومان، أصحاب السياط التي تجلد ظهور شعوب المستعمرات، ولعل ذلك القبطي كان ما يزال ظهره يحمل آثار سياط الرومان.
ولكن المدّ التحرري الذي أطلقه الإسلام في أنحاء الأرض، أنسى ذلك القبطيّ سياطَ الرُّومان وذُلَّها، وأطلقه إنسانا حرًا كريمًا، يغضب لأن يضرب ابن الأمير ابنه بعد اشتراكهما في سباق. ثم تحمله هذه الغضبة لكرامة ابنه الجريحة على أن يركب من مصر إلى المدينة، لا طائرة ولا سيارة ولا باخرة ولا قطارًا، ولكن جملًا يخَبُّ به ويضَعُ الأشهرَ الطُّوال كل ذلك ليشكو للخليفة. (1)
وإليك نماذج من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب:
عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ،
(1) انظر: الرسول صلى الله عليه وسلم، سعيد حوى (2/ 177).