الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعطوا بانتظام قيم الجزية المفروضة على من لا يدخل في جماعة المسلمين.
وكان طبيعيًّا مع ذلك أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر، سواء أكان ذلك بسبب الجوار أم بسبب اعتناق الأهالي كثيرًا أو قليلًا للإسلام بوجه خاص (1).
التسامح العظيم الذي تحلى به الخلفاء الأمويون، وملوك الطوائف لم يمتد لواؤه على ما حكموه من شعوب، أو على المسلمين القادمين من أفريقية والمشرق فحسب؛ بل انبسط ظله أيضًا على العلماء المسيحيين الذين أقبلوا مهطعين من أبعد الأقطار لتلقي العلوم في المدن المزدهرة التي لا تحمى في ذلك القطر الساحر الأندلس الآخذ بمجامع الألباب. (2)
يقول أدوار بروي:
قلما عرف التاريخ والحق يقال، فتوحات كان لها في المدى القريب على الأهلين مثل هذا النزر الصغير من الاضطراب يحدثه الفتح العربي لهذه الأقطار، فمن لم يكن عربيًّا من الأهلين لم يشعر بأي اضطهاد قط، فاليهود والنصارى الذين هم أيضًا من أهل الكتاب حق لهم أن يتمتعوا بالتساهل وأن لا يضاموا، وكان لابدّ من الوقوف هذا الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة وغيرها من الملل والنحل الأخرى. والمطلوب من هؤلاء السكان أن يظهروا الولاء للإسلام ويعترفوا بسيادته وسلطانه، وأن يؤدوا له الرسوم المترتبة على أهل الذمة تأديتها، وفي نطاق هذه التحفظات التي لم يكن لتؤثر كثيرًا على الحياة العادية، تمتع الزمن بكافة حرياتهم (3).
انتظمت العلاقات بين الدولة وسكان البلاد الأصليين بسهولة كلية وفقًا لروح القانون المعمول به في البلاد، وبقيت كل ملة أو طائفة محتفظة بقانونها الخاص، وبالموظفين الذين يسهرون على الشئون الدينية عندها باستثناء ما كان منها تابعًا للحق العام. ونلاحظ تطورًا ملحوظًا يطرأ على وضع النصارى بعد أن احتفظت بيعهم بجانب من ممارسة
(1) المصدر السابق ص 123.
(2)
العلم عند العرب ص 454.
(3)
تاريخ الحضارات العام 3/ 116.
العدالة في الأمم الخاصة، وهكذا برز البطاركة والأساقفة الرؤساء الأعلين لطوائفهم تعلو سلطتهم سلطة الموظفين الإداريين المحليين، حتى إن اليهود أنفسهم لم يجدوا بأسًا في الاحتفاظ برؤسائهم الدينيين وبربابنتهم وبحاخامهم الأكبر (1).
انتشرت حوالي السنة 1000 م عادة القيام بالحج، تزايد السفر إلى الأرض المقدسة؛ لأنه اعتبر أعظم الممارسات النصرانية نفعًا للخلاص الأبدي، وقلما ضايقه العرب الذين كانوا متساهلين جدًّا، كما يبدو من جهة ثانية أن الغزو التركي لم يجعل الدخول إلى معابد فلسطين أكثر صعوبة إلا أن فرسان الغرب، وقد تمكنت منهم فكرة الحرب المقدسة أخذوا في النصف الثاني من القرن الحادي عشر يؤدون فريضة الحج جماعات صغيرة مسلحة كما أخذوا بعد عودتهم يبسطون شعورهم بأن الفتح ليس أمرًا مستحيلًا، وجاء الاندماج التركي أخيرًا يهدد بيزنطية آنذاك تهديدًا جديًّا خطيرًا، ففكر الغرب بوجوب وقاية المسيحية من جهة الشرق (2).
مما لابدّ من التنويه به عاليًا أن هؤلاء السلاطين العثمانيين لم يظهروا أي تحرج أو تعصب تجاه المسيحيين في وقت وزمان كان فيه ديوان التفتيش يبطش بالناس بطشًا وينزل بهم الهلع، وفي عهد كان اليهود والمسلمون يطردون دونما رحمة أو شفقة من أسبانيا، وبالرغم من إسكان عدد كبير من الجاليات الإسلامية في البلقان، واعتناق بعض الجماعات البلقانية الإسلام فلم يأت العثمانيون شيئًا مهمًا ليمنعوا السواد الأكبر من سكان البلاد البلقانية من الاحتفاظ بنصرانيتهم (3).
(1) المرجع السابق.
(2)
المرجع السابق 3/ 312.
(3)
المرجع السابق 3/ 589 - 590.