الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من المعاني، فإنَّ أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد النبي، قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليغا عاما لم يخص به أحدا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكانت الصحابة والتابعون، تذكره وتأثره وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تُقرأ في الجالس الخاصة والعامة كصحيحي البخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبى داود، والترمذي، والنسائي، وأمثال ذلك من كتب المسلمين، لكن من فهم من هذا الحديث، وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه؛ فقد أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك مُنع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه سبحانه وتعالى في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات كوصفه بالاستواء إلى السماء، وهي دخان ووصفه بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجيء في مثل قوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]، وقوله:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]، وقوله:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر: 22)، وكذلك قوله تعالى:{الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59]، وقوله:{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47]، وقوله:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم: 40] وقوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله تعالى بها نفسه. (1)
الوجه الرابع: أقوال أهل العلم في إثبات النزول
.
قال الإمام أحمد: قال حنبل بن إسحاق، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن
(1) مجموع الفتاوى 5/ 323.
الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، حتى قلت لأبي عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا، قال: قلت: نزوله بعلمه بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، ما لك ولهذا؟ امض الحديث على ما روي بلا كيف، ولاحد، وإنما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب، قال الله عز وجل {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال} ، ينزل كيف يشاء بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب (1).
قال أبو سعيد - الدارمي -: فهذه الأحاديث (أحاديث النزول) قد جاءت كلها، وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها. (2)
قال ابن خزيمة: باب أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفيه نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل. والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم.
فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول.
وفي هذه الأخبار ما بأن وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا أنه ينزل إليه؛ إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في
(1) اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/ 285.
(2)
الرد على الجهمية 1/ 93.