الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
13 - شبهة: القتل والرمي
.
نص الشبهة:
أثار هؤلاء شبهاتٍ في الآياتِ، الله يرمي، ويقتل، ويقاتل، ويحارب في الحروب:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)} [الأنفال: 17].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: آجال العباد بيد الله تعالى:
الأجل بيد الله تعالى، فهو الذي حدد لكل إنسان أجله، فعندما رمى الرامي قد يصيب برميته بإذن الله تعالى، وقد لا يصيب برميته أيضًا بإذن الله تعالى، فعاد الرمي والقتل بيد الله عز وجل، وليس للمخلوق؛ قال تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} [الأعراف: 34]، قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)} [النحل: 61].
عَنْ عَبْدِ الله قَال: قَالتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَال؛ فَقَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شيئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شيئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ الله أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَاب فِي النَّارِ أَوْ عَذَاب فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ". (1)
الوجه الثاني: تفسير الآية:
قال الطبري: القول في تأويل قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
(1) مسلم (4814).
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم.
وأضاف - جل ثناؤه - قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين؛ إذ كان - جل ثناؤه - هو مسبِّب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.
وكذلك قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، فأضاف الرميَ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسيِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين: ما ذكرنا قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، كان من الله تسبيبه وتسديده، ومن رسول الله" صلى الله عليه وسلم الحذفُ والإرسال، في تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله، وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل (1).
قال ابن تيمية: إن قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُ اللهَ تَعَالى - كما تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين - فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَال لِكُلٍّ أَحَدٍ حَتَّى يُقَال لِلْمَاشِي: مَا مَشَيْت إذْ مَشَيْت وَلَكِنَّ الله مَشَى وَيُقَال لِلرَّاكِبِ: وَمَا رَكِبْت إذْ رَكِبْت وَلَكِنَّ الله رَكِبَ وَيُقَال لِلْمُتكلِّمِ: مَا تَكَلَّمْت إذْ تَكَلَّمْت وَلَكِنَّ الله تَكَلَّمَ وَيُقَال مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ وَالصَّائِمِ وَالمُصَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَطَرْدُ ذَلِكَ: يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَال لِلْكَافِرِ مَا كَفَرْت إذْ كَفَرْت وَلَكِنَّ الله كَفَرَ وَيُقَال لِلْكَاذِبِ مَا كَذَبْت إذْ كَذَبْت وَلَكِنَّ الله كَذَبَ. وَمَنْ قَال مِثْلَ هَذَا: فَهُوَ كَافِرٌ مُلْحِدٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
(1) تفسير الطبري 9/ 303، 304.