الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والثالث: وقالت طائفة أخرى من النصارى معناه بالسريانية "المعزي" قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني. (1)
ويجيبون أيضًا بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك "1 وَلمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 2 وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، 3 وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. 4 وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. (أعمال 2: 1 - 4).
ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئًا - سوى ما سبق - عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح.
يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: "البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي "الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي" (يوحنا 14: 26)، وهو الذي نزل عليهم يوم الخمسين (أعمال 2: 1 - 4) "فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد". (2)
ثانيًا: البارقليط عند المسلمين
ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك يظهر من أمور:
أولا: أن لفظة "المعزي" لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (1820 م، 1821 م، 1823 م، 1831 م، 1844 م، وترجمة الخوري يوسف عون بلفظ "فارقليط" و"بارقليط" و"روح الحق".
وفي طبعة سنة 1825 م، وسنة 1826 م بلفظ "المعزي" و"روح الصدق".
(1) هداية الحيارى (ص 125 - 126).
(2)
هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ تأليف: منقذ السقار (120 - 121).
وفي طبعة سنة 1865 م وسنة 1970 م و 1971 م و 1976 م 1983 م 1985 م بلفظ "المعزي" و"روح الحق".
وفي طبعة دار المشرق ببيروت سنة 1982 م بالمطبعة الكاثوليكية بإذن بولس باسيم النائب الرسولي للاتين بلفظ "المؤيد" و"روح الحق". (1)
فهذا دليل واضح على أن اليهود والنصارى يسعون إلى إخفاء البشارات بالنبيّ صلى الله عليه وسلم من كتبهم المقدسة لديهم أو تحريف معناها. وذلك مما أخبرنا الله عز وجل عنهم فقال تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
فما معنى كلمة: (فارقليط) التي اختلف النصارى في معناها؟
إن (فارقليط) معربة من كلمة: (بيركليتوس) اليونانية (PERIQLYTOS) التي تعني اسم: أحمد، صيغة المبالغة من الحمد. والأدلة على ذلك كثيرة منها:
1 -
شهادة العلامة علي بن ربنّ الطبري - الذي كان مسيحيًا فأسلم - في القرن الثالث الهجري بذلك في كتابه: الدين والدولة.
2 -
أن هذه الكلمة كانت سببًا في إسلام القس الأسباني: أنسلم تورميدا في القرن التاسع الهجري بعدما أخبره أستاذه القسيس (نقلًا ومرتيل) - بعد إلحاح منه - أن الفارقليط هو اسم من أسماء محمّد صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك سببًا في إشهار إسلامه وتغيير اسمه إلى عبد الله الترجمان وتأليف كتابه: تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب، وذكر فيه قصته مفصلة.
3 -
شهادة القسيس (دافيد بنجامين كلداني) - الذي هداه الله إلى الإسلام وغيّر اسمه إلى: (عبد الأحد داود) - في كتابه القيم: (محمّد في الكتاب المقدس) بذلك فقد وضح فيه أن الفارقليط ليس هو الروح القدس وليس أي شيء يدَّعيه النصارى، وإنما هو اسم محمّد صلى الله عليه وسلم
(1) انظر إظهار الحق (4/ 1186) هامش رقم (2).
وبيّن ذلك بأدلة من نصوص الأناجيل وقواميس اللغة اليونانية.
4 -
ذكر الأستاذ عبد الوهّاب النجار في كتابه "قصص الأنبياء" أنه كان في سنة 1894 م زميل دراسة اللغة العربية للمستشرق الإيطالي. (كارلو نالينو) وقد سأله النجار في ليلة 27: 7: 1311 هـ ما معنى: (بيريكلتوس)؟ . فأجابه قائلًا: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها: (المعزي). فقال النجار: إني أسأل الدكتور كارلونالينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود باللغة اليونانية القديمة. ولست أسأل قسيسًا. فقال: إن معناها: "الذي له حمد كثير". فقال النجار: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال الدكتور: نعم. فقال النجار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه (أحمد) فقال الدكتور: يا أخي أنت تحفظ كثيرًا ثم افترقا. (1)
ثانيًا: أن عيسى عليه السلام قال أولًا: "15 "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ" ثم أخبر عن معزي (فارقليط). فمقصوده عليه السلام، أن يعتقد السامعون بأن ما يلقى عليهم يعد ضروري واجب الرعاية، فلو كان فارقليط عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كانت الحاجة إلى هذه الفقرة؛ لأنه ما كان مظنونًا أن يستبعد الحواريون نزول الروح عليهم مرة أخرى؛ لأنهم كانوا مستفيضين به من قبل أيضًا؛ بل لا مجال للاستبعاد أيضًا؛ لأنه إذا نزل على قلب أحد وحل فيه يظهر أثره لا محالة ظهورًا بينًا، فلا يتصوّر إنكار المتأثر منه، وليس ظهوره عندهم في صورة يكون فيه مظنة الاستبعاد، فهو عبارة عن النبي المبشر به، فحقيقة الأمر أن المسيح عليه السلام لما علم بالتجربة وبنور النبوّة أن الكثيرين من أمته ينكرون النبي المبشر به عند ظهوره، فأكد أولًا بهذه الفقرة، ثم أخبر عن مجيئه.
ثالثًا: أن هذا الروح متحد بالأب مطلقًا وبالابن، نظرًا إلى لاهوته اتحادًا حقيقيًا فلا يصدق في حقه (فارقليط آخر) بخلاف النبي المبشر به فإنه يصدق هذا القول في حقه بلا تكلُّف.
رابعًا: أن الوكالة والشفاعة من خواص النبوّة لا من خواص هذا الروح المتحد بالله،
(1) انظر تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (2/ 703) هامش رقم (1).
فلا يصدقان على الروح ويصدقان على النبي المبشر به بلا تكلُّف.
خامسًا: أن عيسى عليه السلام قال: "وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ."
ولم يثبت في رسالة من رسائل العهد الجديد، أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى عليه السلام، وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إياه.
سادسًا: أن عيسى عليه السلام قال: "وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ."
وهذا يدل على أن المراد به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول أنه ما كان عدم الإيمان مظنونًا منهم وقت نزوله؛ بل لا مجال للاستبعاد أيضًا، فلا حاجة إلى هذا القول، وليس من شأن الحكيم العاقل أن يتكلم بكلام فضول فضلًا عن شأن النبي العظيم الشأن. فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله، وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرةً ثانيةً.
سابعًا: أن عيسى عليه السلام قال: "فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" وهذا الروح ما شهد لأجله بين يدي أحد؛ لأن تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة؛ لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضًا، فلا فائدة للشهادة بين أيديهم، والمنكرون الذين كانوا محتاجين للشهادة، فهذا الروح ما شهد بين أيديهم بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه شهد لأجل المسيح عليه السلام، وصدقه، وبرأه عن ادعاء الألوهية الذي هو أشد أنواع الكفر والضلال، وبرأ أمه عن تهمة الزنا، وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة (1)، وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة.
ثامنًا: أن عيسى عليه السلام قال: "وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ."
وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 هكذا: (وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم كنتم معي من الابتداء). فيوجد في هذه التراجم لفظ أيضًا، وكذلك يوجد اللفظ في طبعة سنة 1825 م وسنة 1826 م وسنة 1865 م و 1970 م و 1971 و 1976 و 1983 م
(1) انظر: سورة آل عمران (33 - 63)، وسورة النساء (155 - 159)، وسورة المائدة (72 - 75) و (110 - 118)، وسورة مريم (16 - 36)، وسورة المؤمنون (50)، وسورة التحريم (12).
وسنة 1985 م، وطبعة دار المشرق وترجمة يوسف عون، ولم يسقط إلا من الطبعة العربية المطبوعة سنة 1823 م و 1844 م، ونص المتن منقول عنهما.
فلفظ "أيضًا" سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهوًا أو قصدًا، فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة فارقليط، فلو كان المراد به الروح النازل يوم الدار فلا توجد مغايرة بين الشهادتين؛ لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين؛ بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها؛ لأن هذا الروح مع كونه إلهًا متحدًا بالله اتحادًا حقيقيًا بريئًا من النزول والحلول والاستقرار والشكل التي هي من عوارض الجسم والجسمانيات، نزل مثل ريح عاصفة، وظهر في أشكال ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم يوم الدار، فكان حالهم كحال من عليه أثر الجن، فكما أن قول الجن يكون قوله في تلك الحالة فكذلك كانت شهادة الروح هي شهادة الحواريين، فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر به، فإن شهادته غير شهادة الحواريين.
تاسعًا: أن عيسى عليه السلام قال: "لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمَعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ."
فعلق مجيئه بذهابه - أي علق مجئ المعزي بذهاب عيسى - وهذا الروح عندهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فنزوله ليس بمشروط بذهابه، فلا يكون مرادًا بالمعزي؛ بل المراد به شخص لم يستفض منه أحد من الحواريين قبل زمان صعوده، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان كذلك؛ لأنه جاء بعد ذهاب عيسى عليه السلام، وكان مجيئه موقوفًا على ذهاب عيسى عليه السلام؛ لأن وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر مطيعًا لشريعة الأول، أو يكون كل من الرسولين مطيعًا لشريعة واحدة؛ لأنه يجوز في هذه الصورة وجود
اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد، كما ثبت وجودهم ما بين زمان موسى وعيسى عليهما السلام.
عاشرًا: أن عيسى عليه السلام قال: "يُبَكِّتُ الْعَالَمَ".
فهذا القول بمنزلة النص الجلي لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بكّت العالم - لا سيما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى عليه السلام توبيخًا لا يشك فيه إلا معاند بحت، وسيكون ابنه الرشيد محمد المهدي رفيقًا لعيسى عليه السلام في زمان قتل الدجال الأعور ومتابعيه، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإن تبكيته لا يصح على أصول أحد، وما كان التوبيخ منصب الحواريين بعد نزوله أيضًا؛ لأنهم كانوا يدعون إلى الملة بالترغيب والوعظ.
الحادي عشر: أن عيسى عليه السلام قال: "أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِي."
وهذا يدل على أن المعزي يكون ظاهرًا على منكري عيسى عليه السلام موبخًا لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار ما كان ظاهرًا على الناس موبخًا لهم.
الثاني عشر: قال عيسى عليه السلام: ""إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ."
وهذا ينافي إرادة الروح النازل يوم الدار؛ لأنه ما زاد حكمًا على أحكام عيسى عليه السلام، لأنه على زعم أهل التثليث كان أمر الحواريين بعقيدة التثليث وبدعوة أهل العالم كله، فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم إلى زمان صعوده؟ !
الثالث عشر: أن عيسى عليه السلام قال: "لأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ".
وهذا يدل على أن المعزي (فارقليط) يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل، فاحتاج عيسى عليه السلام
أن يقرر حال صدقه فقال هذا القول، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار،
على أن هذا الروح عندهم عين الله فلا معنى لقوله "بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتكَلَّمُ بِهِ". فمصداقه
محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كان في حقه مظنة التكذيب وليس هو عين الله، وكان يتكلم بما يوحى إليه كما
قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4].