الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم حسُن من المجازي له أن يخدعه بحقٍ وعدلٍ - إلى أن قال - إذا عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى - إلى أن قال - أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد عُلِم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟ ، وهذا إذا نزلنا على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه، وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلًا وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحًا، فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحًا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداءً لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير. اهـ. (1)
الوجه الثامن: ماذا في كتبهم المقدسة لديهم من صفة المكر
؟
ولنعرض هنا بعض ما جاء في كتبهم ورسائلهم المقدسة من صفة المكر.
جاءت صفة المكر في كتبهم مقارب للمعنى الذي ذكرناه.
أولًا: كونه صفة مذمومة
جاء في مزامير داود (119: 118): احْتَقَرْتَ كُلَّ الضَّالِّينَ عَنْ فَرَائِضِكَ، لأَنَّ مَكْرَهُمْ بَاطِلٌ.
ثانيًا: وورد كصفة حسنة:
جاء في سفر التكوين: فَقَال: "قَدْ جَاءَ أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ". (التكوين 27: 35).
فإذا كانت البركة شيء محمود فأخذها شيء محمود، فالمكر هنا شيء محمود، وإذا كان المكر عندهم مذموم مطلقًا؛ فإن هذا سبة في يعقوب الذي أخذ بركة أبيه بدلًا من أخيه مكرًا.
وجاء في مزامير داود: لأَنَّهُمْ لَا يَتكَلَّمُونَ بِالسَّلَامِ، وَعَلَى الْهَادِئِينَ فِي الأَرْضِ يَتَفَكَّرُونَ بِكَلَامِ مَكْرٍ. (مز 35: 20)
(1) الصواعق المرسلة ص 290 - 293.
فإذا كان الهدوء شيء ممدوح فالمكر شيء ممدوح، وإذا كان المكر مذموم فالهدوء مذموم، وبذلك قد خالفتم الفطرة والعقل.
وفي حق الرب:
جاء في سفر أرمياء (9: 6): مَسْكَنُكَ فِي وَسْطِ الْمَكْرِ. بِالْمَكْرِ أَبَوْا أَنْ يَعْرِفُونِي، يَقُولُ الرَّبُّ. فهذا الرب يأمر بالمكر، فهل يقصد المكر المذموم وهو خديعة أهل الحق للإيقاع بهم في شر؟ أم يقصد إمهال أهل الباطل حتى يقعوا في شرهم الذي نصبوه لغيرهم؟
فإذا كان الأول: فلما تعيبون على غيركم؟
وإذا كان الثاني! فلم يكون الكيل بمكيالين؟ ! تحملون كلامكم على الوجه الحسن وكلامنا على الوجه السيئ.! !
ونجد المكر والخديعة بصورة أخرى للرب عند النصاري:
ونجدها في الرسالة الثانية إلى تسالونكي 2) 2: 11: ) "وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلَالِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ"(وفي سفر حزقيال 14: 9): "فَإِذَا ضَلَّ النَبِيُّ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا، فَأَنَا الرَّبُّ قَدْ أَضْلَلْتُ ذلِكَ النَّبِيَّ."
وهل يجوز للرب أن يرسل عمل الضلال على أساس أنه الحق ليصدقوا الضلال؟ أم أن الله تعالى في شرعه إلى الخلق يبين لهم الهدى من الضلال فمن سار في الضلال فبإرادته سلك الطريق، ومن سلك طريق الضلال فبإرادته سلك الطريق؟ هذا هو الحق؛ أم كون الله تعالى يظهر الضلال في صورة الهدى ليضل الناس! فهذا ليس برب ناصح لعباده. وهل يضل الله النبي الذي اصطفاه من خلقه ليكون إمامًا وقدوة للناس؟ ! كيف يكون ذلك، والأصل أن الأنبياء يجب أن يكونوا على جانب كبير من الهدى والحق.
ولذلك جاء في القرآن أن الله تعالى يملك الهداية والضلال، فيضل من عباده من علم الله فيه أنه يسلك طريق الضلال، ويهدي من عباده من علم فيه أنه يسلك طريق الهداية فقال سبحانه:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117].
وقال سبحانه: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي