الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرابي، وكان على كل فرد من أفراد المجموعة الذمية دفع ضريبة شخصية إلى الحاكم المسلم، إضافة إلى مبالغ مختلفة أخرى تحدد استنادًا إلى شروط الاتفاقية مع المجموعة، وكانت تلك الضرائب أحيائا أقل وطأة من الضرائب التي كانت تدفع للحكام السابقين، وكانت حمايتهم بصورة فعالة بالنسبة للدولة الإسلامية تمثل كلمة شرف تلتزم بها الدولة وتنفذها، ثم إن وضع أهل الذمة لم يكن سيئًا رغم بعض القيود المفروضة عليهم.
كانت هناك مناطق مثل شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا انتشر الإسلام فيها نتيجة نشاط رجال الأعمال؛ إذ لم يكون للمسلمين في تلك المناطق الوثنية أية سرية في ممارسة الصلاة خمس مرات يوميًّا، وإن إخلاص هؤلاء المسلمين والتزامهم المتزن بالإسلام الحنيف أذهل الوثنيين الذين كانت لهم علاقات تجارية مع المسلمين مما أدى إلى اعتناق الإسلام والاختلاط عن طريق الزواج إلى تكوين مجتمعات إسلامية صغيرة وسط المناطق الوثنية ونمت تلك المجتمعات بصورة تدريجية) (1).
يقول ول ديورانت:
الحق أن حادث الفتوحات الجلل الذي تمخضت عنه جزيرة العرب، والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى (2).
كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم (3).
(1) نقلًا من كتاب قالوا عن الإسلام صـ 322.
(2)
قصة الحضارة 13/ 7.
(3)
نفسه 3/ 130 - 131.
على الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين معظم المسيحيين، وجميع الزردشتيون والوثنيون إلا عددًا قليلًا جدًّا منهم، وكثيرون من اليهود. وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي، فإن في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصًا واستمساكًا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وحتى الأندلس، وتملك خيالهم وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالًا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والألفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام مئات الملايين من الأنفس، يوحد هذا الدين بينهم، ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية (1).
في وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية للمسيحيين من رسالة كتبت في عام 1311 م تقدر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت بمائتي ألف، كلهم ما عدا 500 منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. وكثيرًا ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين (2).
(إن المسلمين -كما يلوح- كانوا رجالًا أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام 1099 م)(3).
(1) قصة الحضارة 13/ 133.
(2)
قصة الحضارة 13/ 297.
(3)
المصدر السابق 13/ 383.