الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: أسباب انتشار الإسلام
يقول الشيخ إبراهيم فاديقا الأمين العام للرابطة الإسلامية كوناكري - غينيا (1):
إن قول بعض المستشرقين إن الإسلام قد انتشر بالسيف، ولم يكن للناس آنذاك بد إلا الاختيار بين الإسلام والقتل، وأن الفتوحات الإسلامية دليل على انتشار هذا الدين الحنيف بالسيف، هذا القول مناف للحقيقة، وفيه عداوة للإسلام، إننا نلاحظ في انتشار الإسلام ما يلي:
أولًا: إن وجود غير المسلمين في الدول الإسلامية من يهود ونصارى وغيرهما بكامل الحرية والعبادات مع أمن الحياة لَدليل على تكذيب ذلك القول.
ثانيًا: إن تاريخ البشرية يقرر بأن كل نظام أنشأه السيف يزول بزوال السيف.
ثالثًا: رغم ما أصاب المسلمين في يومنا هذا من ضعف في الإيمان والجهاد ما زال الإسلام ينتشر ويزدهر يومًا بعد يوم في دول لم يطأ المسلمون الأوائل أراضيها.
ومن هنا فإن القول بأن الإسلام قد انتشر بالسيف قول باطل، والإسلام منذ الفجر الأول دين تسامح وتعايش بين بني البشر، ولم يستخدم السيف إلا عند لزوم الأمر للدفاع عن حرية الاعتقاد والفكر للبشرية جمعاء، فقد كان دعاة الإسلام الأوائل يعرضون الإسلام على الأمم من منطلق قوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فكم من دعاة قُتلوا ظلمًا وطغيانًا في سبيل الدعوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعلن بعض القبائل إسلامهم فيرسل الرسول معهم من يعلمهم دين الله فيقتلون.
وما الفتوحات إلا نتاج عمل بعض القبائل والملوك لما صادروا حرية الناس في الاعتقاد وقتل بعض الدعاة.
إن قضية انتشار الإسلام بالسيف قضية قديمة أحدثت جدالًا طويلًا عبر التاريخ
(1) حقيقة الإسلام المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة 1423 هـ، صـ 66 - 68.
الإسلامي، ولكن الحقيقة التي نؤمن بها كمسلمين هو أن انتشار الإسلام كان كما يأتي:
1 -
الصبر وتحمل الأذى: فقد أوذي المسلمون في مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى شديدًا، حتى توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وما كان من أهلها إلا أن قاموا في وجهه ورموه بالحجارة كما جاء في الحديث أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثت أنَّها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال:"لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: "إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا". (1)
2 -
التأني وعدم التسرع: إن الذين جاهدوا في غزوة بدر الكبرى هم الذين كانوا في مكة، فكانوا يطالبون الرسول بالرد بالمثل، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بكف الأيدي حتى أذن لهم بالقتال، والقرآن يصدق ذلك الموقف بقوله تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} [الحج: 39، 40].
3 -
الحكمة في الدعوة وحسن الجوار مع غير المسلمين دون لجوء إلى السيف: فنرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل في صلح الحديبية من الشروط في المعايشة مع الكفار ما لم يقبله أحد سواه، وكذلك المسلمون عند فتح بيت المقدس، مما يؤكد سمة الإسلام وسبب انتشاره.
(1) البخاري (3095)، مسلم (1795).
4 -
العفو عند المقدرة: إن في قضية أسرى بدر التي لام القرآن المسلمين عليها، ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح لدليلًا على اقتناع الخصوم بسماحة الإسلام.
5 -
المعاملة الحسنة: إن الدول التي دخلها الفاتحون لم يفرضوا الإسلام على أهلها قهرًا، بل خيروهم بعد إعلانهم لمبدئهم الا وهو إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أو الجزية، أو القتال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى لقوله تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)} (الأنفال: 61)، وقال أيضًا:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} (البقرة: 190).
6 -
قوة الإسلام نفسه: إن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن وشريعته ونصر الرسول والصديق إذ هما في الغار، ونصر جنده يوم الأحزاب وحده.
7 -
اعتراف أعداء الإسلام بقوة ومبادئ الإسلام وصراحته في معالجة الأمور وموقفه الواضح تجاه أمر القتال أو الاستعداد له، قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال: 60).
8 -
معالجة الأمور بالمثل، قال تعالى:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} (البقرة: 194).
9 -
وفي إفريقيا فيما وراء الصحراء لم يسجل في التاريخ قتال ولا معارك إسلامية استعان بها التابعون في حمل الرسالة إلى إفريقيا، ومع ذلك فنسبة المسلمين في هذه القارة تنوف اليوم على 62%.