الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله صلى الله عليه وسلم وإِما قال: تَشْتَهين تنظرين؟ قلتُ: نعم، فأقامني وراءه، خَدِّي على خَدِّه، وهو يقول: دُونكم يا بني أَرْفِدةَ، حتى إِذا مَلِلْتُ قال: حَسْبُكِ؟ قلتُ: نعم، قال: فاذهبي. (1)
الوجه الثاني: بيان كذب من ادعي أن الجاريتين ترقصان لرسول الإسلام-صلى الله عليه وسلم
-.
لا يوجد ذلك في شيء من متون الحديث.
الوجه الثالث: صفة الجاريتين، وبما تغنيان.
فعند البخاري: جاريتان من جواري الأَنصار تُغَنِّيان بما تَقَاوَلَتْ به الأنصار يوم بُعَاث، قالت: ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين. (2)"وعند مسلم بلفظ "تلعبان بدف" (3).
قال أحمد: المراد بالدف هنا دف العرب؛ وهو مدور على شكل الغربال خلا أنه لا خروق في جلده، ولا جلاجل فيه، وأما دف الملاهي فهو مدور جلده من رِق أبيض ناعم فيه جلاجل يسمى بالطار له صوت يطرب لحلاوة نغمته، وقال:(ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين) يعني لم تتخذا الغناء صناعة وعادة، ولم يكن معهما مزمور غير أصواتهما (4).
وقال أبو الحسن السندي: قوله: (جاريتان) الجارية في النساء كالغلام في الرجال يقعان على من دون البلوغ فيهما. (5)
وقال الإمام النووي: هَذَا الْغِنَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَة، وَالْقَتْل، وَالحذْق فِي الْقِتَال وَنَحْو ذَلِكَ، مِمَّا لَا مَفْسَدَة فِيهِ، بِخِلَافِ الْغِنَاء المشْتَمِل عَلَى مَا يَهِيج النُّفُوس عَلَى الشَّرّ، وَيَحْمِلهَا عَلَى الْبَطَالَة وَالْقَبِيح. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا بِما هُوَ مِنْ أَشْعَار الحرْب، وَالمُفَاخَرَة بِالشَّجَاعَةِ، وَالظُّهُور وَالْغَلَبَة، وَهَذَا لَا يُهَيِّج الجوَارِي عَلَى شَرٍّ، وَلَا إِنْشَادهمَا لِذَلِكَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلِف فِيهِ، وإِنَّمَا هُوَ رَفْع الصَّوْت بِالْإِنْشَادِ، وَلهذَا قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنّيَتَيْنِ؛ أَيْ
(1) البخاري (2906، 2907)، ومسلم (892).
(2)
البخاري (949).
(3)
مسلم (982).
(4)
الفتح الرباني 6/ 162.
(5)
حاشية السندي علي سنن النسائي (3/ 195).
لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ المُغَنِّيَات مِنْ التَّشْوِيق، وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ، وَالتَّشْبِيب بِأَهْلِ الْجَمال، وَمَا يحرِّك النّفوس، وَيَبْعَث الْهَوَى وَالْغَزْل، كَمَا قِيلَ (الْغِنَاء فِيهِ الزِّنَا)(1)، وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنْ اِشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاء الَّذِي فِيهِ تَمْطِيط، وَيمْسِير، وَعَمَل يحرِّك السَّاكِن، وَيَبْعَث الْكَامِن، وَلَا مِمَّنْ اِتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَة وَكَسْبًا.
وَالْعَرَب تُسَمِّي الْإِنْشَاد غِنَاء، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلَف فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاح، وَقَدْ اِسْتَجَازَتْ الصَّحَابَة غِنَاء الْعَرَب الَّذِي هُوَ مجُرد الْإِنْشَاد وَالتَّرَنُّم، وَأَجَازُوا الحُدَا، وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَفِي هَذَا كُلّه إِبَاحَة مِثْل هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْله لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُج الشَّاهِد". (2)
وقال ابن الأثير: (وعندي جاريتان تُغَنِّيان بِغِناء بُعاث) أي: تُنْشِدان الأشْعار التي قِيلت يوم بُعَاث وهو حَرْب كانت بين الأنصار ولم تُرِد الغِنَاء المعروف بين أهْل اللهو واللَّعِب. وقد رخَّص عمر في غِناء الأعراب وهو صَوْتٌ كالحُداء. (3)
وقد ذكر الإمام ابن حبان هذا الحديث في عدة مواضع من (صحيحه) قال: ذكر إباحة القول إذا لم يكن بغزل في أيام العيد. (4)
وقال: ذكر البيان بأن الغناء الذي وصفناه، إنما كان ذلك أشعارًا؛ قيلت في أيام الجاهلية؛ فكانوا ينشدونها ويذكرون تلك الأيام دون الغناء الذي يكون بغزل يقرب سخط الله عز وجل من قائله. وكرر ذكر الحديث تحت هذه العناوين (5).
وقال ابن رجب الحنبلي: وكان الشِعْرُ الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب؛ وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (57) عن فضيل بن عياض (الغناء رقية الزنا) والإسناد ضعيف.
(2)
شرح مسلم (3/ 452 - 453)، وانظر: الفتح 2/ 511.
(3)
النهاية 3/ 392.
(4)
صحيح ابن حبان 13/ 180.
(5)
صحيح ابن حبان 13/ 189.