الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: ذهب جمهور أهل العلم بوجوب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل
.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل. (1)
قال ابن عبد البر: على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري (2).
ويستدلون بالآتي:
1 -
من القرآن: قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (المائدة: 6)، فالآية بينت أن الجنب وجب عليه التطهير، ولم تفرق بين الجماع بإنزال أو بدونه. والطهارة هنا لا تكون إلا بالغسل.
قال الشافعي: وذكر الشافعي: أن كلام العرب يقتضى أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وأن لم يكن معه إنزال؛ فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة، عقل أنه أصابها وأن لم ينزل (3).
قال ابن رجب: إن المجامع وإن لَم ينزل يسمى جنبًا ومجامعًا وواطئًا، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ، والغسل مِن جملة الأحكام. وهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف: أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل؟ ، وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين. (4)
2 -
من السنة:
عن أبى مُوسَى الأشعري: قَالَ اخْتَلَفَ في ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ
(1) جامع الترمذي 1/ 182.
(2)
التمهيد 23/ 105، الاستذكار 3/ 93.
(3)
فتح الباري لابن حجر 1/ 473.
(4)
فتح الباري لابن رجب 1/ 385.
الأَنْصَارِيُّونَ: لا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَاّ مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الماءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبو مُوسَى: فَأنا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَأُذِنَ لي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ -أَوْ يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ- إني أُرِيدُ أَنْ أَسْألَكِ عَنْ شيء وإني أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْىِ أَنْ تسألني عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ التي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أنا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". (1)
حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ"، وعند مسلم:"وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ". (2)
حديث عائشة: قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يجامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ. هَلْ عَليْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأفعَلُ ذَلِكَ أنا وَهَذ ثُمَّ نَغْتَسِلُ". (3)
3 -
من الإجماع.
قال النووي: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال؛ وكمان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال؛ ثم رجع بعضهم. وانتقد الإجماع بعد الآخرين، وقال أيضًا: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني؛ بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة؛ وهذا لا خلاف فيه اليوم؛ وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم؛ ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، وهذا الإجماع انعقد في عصر عمر رضي الله عنه، وليس فيه خلاف إلى يومنا هذا. (4)
قال ابن بطال: وإذا كان في المسألة قولان بعد انقراض الصحابة، ثم أجمع العصر
(1) مسلم (349).
(2)
البخاري (291)، مسلم (348).
(3)
مسلم (350).
(4)
شرح النووي 4/ 36.
الثاني عدهم على أحد القولين، كان ذلك مسقطًا للخلاف قبله ويصير ذلك إجماعًا، وإجماع الأعصار عندنا حجة كإجماع الصحابة. (1)
4 -
من النظر.
قال ابن عبد البر: ولهذه المسألة أيضًا حظ من النظر، وذلك أن الصلاة لا تجب أن تؤدي إلا بطهارة متيقنة، وقد أجمعوا على أنه من اغتسل من الإكسال فقد أدى صلاته بطهارة مجتمع عليها والصلاة يجب أن يحتاط لها وكيف وفي ثبوت السنة بصحيح الأثر ما يغني عن كل نظر. (2)
قال الطحاوي: قَالَ أَبو جَعْفَرٍ: فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا صِحَّةَ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ. فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الآثَارِ. وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الجمَاعَ فِي الْفَرْجِ الَّذِي لا إنْزَالَ مَعَهُ- حَدَثٌ.
فَقَالَ قَوْم: هُوَ أَغْلَظُ الأَحْدَاثِ فَأَوْجَبُوا فِيهِ أَغْلَظَ الطَّهَارَاتِ؛ وَهُوَ الْغُسْلُ. وَقَالَ قَوْم: هُوَ كَأَخَفِّ الأَحْدَاثِ فَأَوْجَبُوا فِيهِ أَخَفَّ الطَّهَارَاتِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ.
فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ إلَى الْتِقَاءِ الختَانَيْنِ: هَلْ هُوَ أَغْلَظُ الأَشْيَاءِ فَنُوجِبُ فِيهِ أَغْلَظَ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا أَشْيَاءَ يُوجِبُهَا الجِماعُ، وَهُوَ فَسَادُ الصِّيَامِ وَالحجِّ، فَكَانَ ذَلِكَ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ، ويُوجِبُ ذَلِكَ فِي الحجِّ الدَّمَ، وَقَضَاءَ الحجِّ، وُيوجِبُ فِي الصِّيَامِ الْقَضَاءَ وَالْكَفارَةَ، فِي قَوْلِ مَنْ يُوجِبُهَا. وَلَوْ كَانَ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الحجِّ دَمٌ فَقَطْ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي الصِّيَامِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، وَكُلُّ ذَلِكَ محُرَّمٌ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ وَصِيَامِهِ، وَكَانَ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةٍ فَسَقَطَ بِهَا الحدُّ عَنْهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ المهْرُ، وَكَانَ لَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدٌّ وَلا مَهْرٌ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ إذَا لَمْ يمُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ. وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا تَزَوَّجَ المرْأَةَ فَجَامَعَهَا جِمَاعًا لا خَلْوَةَ مَعَهُ فِي الْفَرْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، كَانَ عَلَيْهِ المَهْرُ أنزَلَ أَوْ لم يُنْزِلْ؛ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَأَحَلَّهَا ذَلِكَ لِزَوْجِهَا الأوَّلِ. وَلَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَجِبْ فِي ذَلِكَ
(1) شرح ابن بطال 1/ 437.
(2)
الاستذكار 3/ 95.