الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - عصمة الأنبياء
مقدمة:
إن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان وتفضَّل عليه بنعم لا يحصيها العد، ولا يقف بها الحساب عند حد، قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} [النحل: 18]، ولقد امتحن الله الإنسان في هذه الحياة الدنيا بأنواع الفتن من مال وبنين ونساء وإخوان وأصدقاء وغيرها، وإنما كان الافتتان بتلك الشواغل وهذه الفتن ليعلم الله الذين صدقوا وليعلم الكاذبين.
فإن العدو الذي انتصب في الميدان خصمًا قد أعلن عن خصومته وعداوته وحربه وسلاحه، إذ قال:{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} (النساء: 119)، وقال تعالى:{لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} الأعراف: 16 - 17)، وكل ذلك لا سبيل للإنسان إلى معرفته من قِبل نفسه، ولا وصول له إليه بعقله مستقلًا، فإنها أمور خارجة عن حسه، وعالية عن متناول تفكيره وذهنه، وجماع ما يكيد به العدو للإنسان ويجلب عليه به بخيله ورجله: الشبهات والشهوات يقذف بها على القلوب والنفوس، ويوالي ذلك متابعًا حتى يصيب القلوب بالأمراض الفتاكة والعلل القتالة فتعرض عن ربها وبارئها.
ووقاية القلوب من تلك الأمراض وهذه العلل إنما يكون بإرسال الرسل، فإن صلاح القلوب لا يكون إلا بمعرفتها بربها وفاطرها، ولا سبيل إلى ذلك إلا من جهة الرسل المبلغين عن الله، ومن هنا نعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا ينال رضا الله إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأعمال والأخلاق،
وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها.
وما ظنك بمن غاب عنه هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وحلَّ به من الآلام والعذاب ما يكون به مثل الحوت إذا فارق الماء ووُضع في الفلا.
وإذا كان هذا عمل الأنبياء عليهم السلام وتلك وظيفتهم، فإنه لا يتم الغرض منها ولا تتحقق على تمام وجهها إلا إذا كانوا من الكمال وعلو المنزلة وسمو المقام في نفوس الناس بالدرجة التي تجعلهم أهلًا لأن يُقتدى بهم في أعمالهم وسيرتهم، ويلتزم ما يبلغون عن الله تعالى من الشرائع والأحكام، فقد اصطفاهم الله تعالى {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} ، واجتباهم إلى صراطه المستقيم {ولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} .
ومما لا يشك فيه عاقل أن الله العليم الخبير محال أن يتخذ رسولًا رجلًا تزدريه الأعين وتحتقره القلوب، أو رجلًا متهمًا في نسبه أو ناقصًا أو مشوهًا في خلقه وجسمه يجعل منه داعيًا إليه بإذنه، ومن أجل هذا بعث الله أنبياءه من أوسط قومهم نسبًا، وبرأهم من العيوب الجسيمة، وأعطاهم من صفات الرجولة من الشجاعة وصدق العزيمة وقوة الإرادة وشدة البأس وسعة الصدر وحدة الذهن وذكاء القلب وطلاقة اللسان وحلاوة النطق، ولذلك قال تعالى:{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ، وقال لموسى عليه السلام:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} ، وقال له:{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} .
كل هذا ما يوضح بأتم أنواع الإيضاح عن شدة عناية الله تعالى بمن سبق في علمه أنه سيتخذه رسولًا لخلقه، وليس ذلك خاصًا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هو لكل واحد من أنبيائه، فإذا رجعت إلى القرآن الكريم رأيت هذا في قصص الأنبياء بيِّنًا واضحًا {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} ، {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ